بعد مرور ثلاث سنوات على اشتعال الأزمة الخليجية، أعلنت بالأمس وكالة الأنباء الكويتية نقلًا عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأنّ قمة التعاون الخليجي التي ستعقد اليوم الثلاثاء ستكون «قمة جامعة للكلمة، موحدة للصف، ومعززة لمسيرة الخير والازدهار»؛ مُعلنًا بذلك انتهاء الحصار المفروض على قطر في يونيو (حزيران) 2017.

وبموجب ذلك أعلن الديوان الأميري القطري بأنّ أمير قطر تميم آل ثاني سيترأس الوفد لحضور القمة الخليجية بالسعودية، وسط ترحيبٍ دوليّ لحل هذه الأزمة، وتساؤلات كثيرة عن جدية هذه المصالحة، تُجيب عنها تصريحات اليوم والأمس وتطورات المشهد.

نعرض لكم في هذا التقرير ما الذي نعرفه حتى الآن في ملف المصالحة الخليجية، ونبحث في تفاصيل مواقف دول الحصار المختلفة والأطراف الخارجية، ونبحث في جدية المصالحة، وإن كانت هشةً أو متماسكة.

السعودية وقطر: فتح الحدود الجوية والبرية..

أهم ما تمخّض حتى الآن عن إعلان المصالحة قرار فتح الأجواء بين الدوحة والرياض، وفتح الحدود البرية والبحرية؛ ما يعني السماح لإعادة العلاقات التجارية بين الطرفين، والسماح للمواطنين والمقيمين على أراضي دولة قطر السفر برًا إلى السعودية، خاصةً العوائل التي تجمعها روابط أسرية بين الدولتين.

ونص الإعلان عن فتح الأجواء بين الطرفين؛ ما يعني السماح للطيران القطري بالتحليق فوق الأجواء السعودية، وقد سجل الطيران القطري عام 2019 خسارة سنوية وصلت إلى 639 مليون، متضررًا من الأزمة الخليجية.

وقد نقلت مصادر لقناة العربية بأنّ مصر ستفتح أجواءها مع قطر مقابل عدد من «المطالب المصرية» التي لم تعلن بعد.

بعد فرض الدول الأربعة، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، حصارهم على قطر، أعلنت دول الحصار 13 مطلبًا لإنهاء هذا الحصار. ونقلت صحيفة «الواشنطن بوست» عن مصدرٍ مشاركٍ في المفاوضات لإنهاء الازمة، أنّ دول الحصار تخلت عن المطالب مقابل موافقة قطر على تجميد الدعاوى القانونية المرفوعة على دول الحصار في المؤسسات الدولية، مثل قضية في منظمة التجارة الدولية.

وانعقدت القمة الخليجية اليوم الثلاثاء في مدينة العلا بالسعودية، وكان ولي العهد السعودي في استقبال أمير قطر تميم بن حمد.

مصالحة خليجية؟ أم سعودية – قطرية؟

تطرح مواقف وتصريحات دول الحصار المختلفة خلال الشهور الماضية تساؤلاتٍ عديدة، وتلقي بتساؤلات حول إذا ما كانت المصالحة خليجية بالفعل أم مصالحة سعودية – قطرية؟

وكان صعود الرئيس المنتخب جو بايدن للبيت الأبيض حجر الزاوية الذي دفع بالسعودية للإسراع لإنهاء الأزمة، حتى لا تبقى مسألة الحصار مطروحة بعد تولي بايدن الحكم في 20 يناير (كانون الثاني) 2021، فاستمرار الأزمة بعد توليه يعني وجود ورقة إضافية ستسمح للديمقراطيين بالضغط على السعودية، خاصةً في الملف اليمني، وملف انتهاكات حقوق الإنسان وتعذيب المعارضين.

وقد ساعد هذا التوجه السعودي توجهٌ آخر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أراد أيضًا إنهاء هذه الأزمة، وتمثّل ذلك في حملات وزيارات مكوكية لمستشاره وصهره جاريد كوشنر، طاف فيها بين دول الخليج، وتحديدًا بين الدوحة والرياض، ساعيًا إلى توحيد الجبهة الخليجية.

Embed from Getty Images

لقاء جاريد كوشنر بالشيخ تميم آل ثاني في الدوحة.

وتباينت التحليلات بين محللين يقولون إنّ رغبة ترامب الجامحة لإنهاء الملف متعلقة بملف التطبيع، ولكنّ احتمالًا آخر يلوح في الأفق ويوازيه تصعيد عسكري في المنطقة: هل الضغط الأمريكي لتوحيد الجبهة الخليجية في هذه اللحظة له علاقة بتوجيه ضربة لإيران في أيام ترامب الأخيرة؟

يعزز هذه الرواية التصعيد الأمريكي في الخليج العربي في الفترة الماضية، فبعد قرار بسحب حاملة طائرات تقرّر إبقاؤها في الخليج، وصعّدت إيران بالأمس ببدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%.

ثم جاء بيان ولي العهد السعودي مؤكدًا على هذه الرواية، إذ تحدث في كلمته الافتتاحية للقمة عن ضرورة التوحّد الخليجي لمواجهة «التحديات التي يمثلها البرنامج النووي للنظام الإيراني وبرنامجه للصواريخ الباليستية… ومشاريع التخريب الهادمة التي يتبناها وكلاؤه، وأنشطته الطائفية والإرهابية».

ومن الجدير بالذكر أن البيان الكويتي في الليلة السابقة للقمة لم يذكر أي دور إماراتي، وأرسلت الإمارات أميرَ دبي محمد بن راشد آل مكتوم ليمثّلها في القمة، ولم يحضر ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، ولا وزير الخارجية عبد الله بن زايد.

وظهرت في الأيام الماضية إشارات لعدم رضى الإمارات عن إتمام المصالحة بهذا الشكل، خاصةً وأنّ المصالحة لم تحقق أيّ مطلب من مطالب دول الحصار المبدئية. وتضمن تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» تصريحات لمسؤولٍ أمريكي كبير عن خلاف وقع بين السعودية والإمارات في ملف المصالحة.

وأرسلت البحرين ولي العهد، سلمان بن حمد آل خليفة، بدلًا عن الملك لحضور القمة الخليجية، وجديرٌ بالذكر أنه في ديسمبر (كانون الأول) 2020، اخترقت أربع مقاتلات بحرينية الأجواء القطرية فيما اعتبرته قطر «أعمالًا استفزازية» و«غير مسؤولة» قد تلقي بظلالها على مساعي إتمام المصالحة الخليجية.

مطالب دول الحصار معلَّقة.. فهل تحمل المصالحة بذور استمرارها؟

الإعلان عن المصالحة في قمة العلا يطرح سؤالًا جادًا عن حقيقتها وقابلية استمرارها، خاصةً مع عدم تحقق المطالب الأولى التي قدّمتها دول الحصار إبّان بدايته، فمنذ اندلاع الأزمة لم تخضع قطر لأيّ من هذه المطالب، ولم تُظهر نيتها للاستجابة لأيّ منها، فخلال السنوات الماضية لم تخفِّض الدوحة تمثيلها الدبلوماسي مع إيران، بل عزز الحصار العلاقات القطرية الإيرانية، خاصةً التجارية.

وتعزّزت أيضًا العلاقات التركية القطرية، فقد طالبت دول الحصار بإغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر، وعلى عكس المنشود: شهدت الأعوام الماضية تطورًا كبيرًا بين الدوحة وأنقرة، فبعد أنّ وقع البلدان اتفاقية التعاون التركية لتأسيس قاعدة الريان العسكرية عام 2014 بعد أزمة سحب السفراء، جاء حصار قطر ليسرع عملية فتح القاعدة العسكرية وزيادة القوات التركية داخل قطر.

وكان مطلب إغلاق قناة الجزيرة من أهم مطالب دول الحصار، خاصةً الإمارات ومصر، فاللوبي الإماراتي بواشنطن يشنّ حربًا إعلامية وقانونية على قناة الجزيرة من الولايات المتحدة، وضغطَ على الجهات الأمريكية لتسجيل منصة «AJ+» جهةً خارجية تابعة لدولة قطر، وقد طلبت وزارة العدل من الجزيرة تسجيل المنصة بهذه الصفة قبل يومٍ واحد فقط من توقيع الإمارات اتفاقية التطبيع مع إسرائيل.

ولربما لعلاقة قطر بجماعة الإخوان المسلمين أهمية خاصة لدى دول الحصار التي نصّت مطالبها على مقاطعة قطر للجماعة وإيقاف أي دعم لها، مع تصنيفها «جماعة إرهابية»، ما لم يحصل حتى الآن، وجدير بالذكر أن جماعة الإخوان المسلمين المصرية رحّبت بالمصالحة.

وشهدت الشهور الماضية اتساع الهوة بين السعودية والإمارات في عدة ملفات أخرى غير المصالحة مع قطر، فقد اختلفت السعودية مع حليفتها في ملف التطبيع، وأكثر ما برز هذا الاختلاف بعد تصريحات الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية السابق، في مؤتمر «حوار المنامة»، الذي هاجم فيه إسرائيل واصفًا إياها «بالقوة الاستعمارية»، وانتقد الفيصل اتفاقية إبراهيم، وأعلن تمسك السعودية بمبادرة السلام العربية، وكان رد وزير الخارجية الإسرائيل بأنّ تصريحات الفيصل «لا تعكس حقيقة التغيرات التي تمر بها المنطقة»، في إشارة للتطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل.

أما العلاقات السعودية مع تركيا تشهد بوادرَ تحسن طفيفة، إذ قدم الملك سلمان تعزيته لضحايا أهالي زلزال إزمير، وأمر بتوجيه مساعدات لهم، وجمعه وقتها اتصال بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد انقطاع استمر طويلًا.

وكتب حمد بن جاسم، رئيس الوزراء القطري السابق، عدة تغريدات يعبر فيها عن ترحيبه بانتهاء هذه الأزمة، ودعا لتجنب أي أزمات مشابهة مستقبلًا، وإلى «دراسة عميقة وصريحة لأسباب هذه الأزمة».

عربي

منذ 10 شهور
كيف تحاول السعودية التحرر من المظلة الإماراتية دون أن تصل للافتراق؟

تركيا تبحث عن الهدوء في ليبيا.. وحماس تأمل بإنهاء ملف المصالحة

فور الإعلان عن المصالحة رحّبت جهات ودول مختلفة بها.

وكانت الخارجية التركية من أول المرحبين بالقرار ووصفته بأنه تطور إيجابي، وربما تصبّ المصلحة في صالح تركيا وملفاتها العالقة إقليميًا ودوليًا، خاصةً قبل قدوم الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن للبيت الأبيض؛ إذ تحاول تركيا إعادة موضعة نفسها لفترة ما بعد ترامب، الصديق المقرّب لأردوغان، والذي سمح لأنقرة بتجاوز خطوط أمريكية كانت حمراء في السابق.

وقد تخدم المصالحة الخليجية تركيا في الساحة الليبية، إذ قد تجنبها أي انعكاسات للخلافات الخليجية على الملف الليبي، خاصةً بين قطر ودولة الإمارات التي تلعب دورًا مهمًا في دعم معسكر الشرق الليبي، وخاصةً الجنرال خليفة حفتر.

وأما حكومة الوفاق الليبية، فقد عبَّر خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، عن أمله بأنّ تسهم المصالحة الخليجية في الوصول إلى حلٍ سياسي للحرب الليبية.

Embed from Getty Images

أمراء وقادة خليجيون في قمة العلا اليوم.

ورحّبت بالمصالحة أيضًا «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، فكيف يمكن أن تخدمها المصالحة؟ قد تساعد المصالحة الخليجية في تسهيل وتيسير المصالحة الفلسطينية لإنهاء الانقسام المزمن بين الطرفين الكبار: حركتي حماس وفتح، ومن الجدير بالذكر أن حماس وافقت مؤخرًا على أن تُعقد الانتخابات الفلسطينية؛ الانتخابات التشريعية والرئاسية، وانتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير، وستعقد الانتخابات بالتوالي لا بالتوازي مثلما اشترطت حماس سابقًا.

فهل يعزز قرار المصالحة الخليجية فرص المصالحة الفلسطينية؟ قد تخفف المصالحة من سرعة قطار التطبيع الذي يجتذب دولًا عربية الواحدة تلو الأخرى، من الإمارات، والبحرين، وحتى المغرب. ولا يبشر تاريخ المفاوضات الفلسطينية بتوصل الطرفين إلى مصالحة حقيقية، خاصةً بعد إعلان السلطة الفلسطينية عودة علاقتها مع إسرائيل.

سيحمل المستقبل القريب العديد من الأجوبة لملف المصالحة الخليجية؛ فقد تُحفظ المصالحة اليوم مع وصول الديمقراطيين للبيت الأبيض، وقد يسعون لإعادة التوازن في المنطقة لتقف موحدةً أمام إيران، ولكنّ المعروف أنّ الولايات المتحدة تخوض انتخابات رئاسية كل أربع سنوات، وقد تأتي السنين القادمة بحكام جديد في البيت الأبيض، أو ملك جديد في العاصمة السعودية: الرياض.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد