ترجمة: الخليج الجديد

يبدو قادة دول مجلس التعاون الخليجي في طريقهم إلى واشنطن محملين بحقائب ممتلئة تتعلق بالسياسات الغير متناسقة للولايات المتحدة، وعدم الوفاء بالوعود من قبل إدارة أوباما، إضافة إلى الفشل الذريع للسياسات الإقليمية الأمريكية في الشرق الأوسط على مدار عقد من الزمان، مع انعدام عميق للثقة وشكوك كبيرة حول ما تحاول الولايات المتحدة القيام به في المنطقة.

هؤلاء القادة ليسوا حمائم بيضاء، أو حتى ضحايا للخيانة؛ فلديهم حصتهم أيضا من الأخطاء التي شهدها العالم والتي دفعت ثمنها شعوب المنطقة. وذلك لا يجعل الصورة أفضل بحال، فيمكن لكلا الطرفين أن يتبادلا اللوم بينما تشتعل نيران المنطقة.

وسوف يترك القادة واشنطن مع حقيبة ممتلئة بعقود مبيعات الأسلحة، بما في ذلك نظام دفاع صاروخي مماثل للقبة الحديدية في إسرائيل، مع قدر من التطمينات. ولكن في الحقيقية، فإن العلاقات بين الجانبين تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير، تحتاج إلى الثقة وتقاسم عبء الحفاظ على الاستقرار، وتفهم حقيقي للمخاوف الأمنية، إضافة إلى شفافية كاملة.

إذا كان السؤال حقا حول ما ينبغي القيام به، بصرف النظر عن التقاط الصور الرتيبة في كامب ديفيد، فإن مناقشة صريحة جدا ينبغي أن تتم. من وجهة نظر الدول الخليجية، يمكن للولايات المتحدة أن تقرر ما تشاء، وسوف تمضي في خططها على كل حال. إذا كانت النتيجة هي بعض الكلمات اللطيفة والتأكيدات اللفظية حول متانة التحالف والارتباطات الأمنية، فحسنًا إذا.. إن ذلك لن يضر. ولكن، وبالتأكيد، ستظل البطاقات الحقيقية لهذه اللعبة مدسوسة في جيوب عميقة من الزي العربي التقليدي.

كلا الطرفين يعي بشكل جيد مخاوف وحدود وخطط الطرف الآخر. وجميع المعدات العسكرية التي يتم توفيرها للعرب ليست كافية لبناء علاقات جيدة. الأمر لا يتعلق بحجم المنح بقدر ما يتعلق بمقدار الثقة.

ينبغي أن يضع كلا الجانبين كل أوراقهم على الطاولة، وقد بلغت الثقة حدا من الضعف إلى درجة أن أي لعبة أحادية الجانب قد تسبب عواقب لا يمكن إصلاحها. نحن لا نرى أن الباتريوت (بي ايه سي -3) أو الـ(إف 22) بمفردهما بإمكانهما بناء علاقات صحية.

بين العرب و«أوباما»

من وجهة نظر العرب، فإنهم يواجهون الآن حملة إيرانية مستمرة، يتم تنفيذها من خلال الاستخدام المنظم للوكلاء، والأفرع أو حتى التدخل العسكري المباشر كما في (سوريا ولبنان والعراق)، وذلك بهدف بسط نفوذها الإقليمي ودفع الدول العربية إلى زاوية المشهد. من وجهة نظر «أوباما»، فإن هذا ليس التهديد الرئيسي للعرب، وإنما يأتي التهديد من داخل الشعوب العربية ذاتها.

يرى العرب أن التدخل الإيراني في العراق كان سببا مباشرا لمعاناة واستهداف المسلمين السنة، في حين يؤمن «أوباما» أن إيران لها مصالح معتبرة في العراق وأن دورها هناك يبدو متفهما.

يعتقد العرب أن الصراع السوري قد ذهب بعيدا في مداه، وأن الحل الوحيد هي سوريا تعددية يحكمها شعبها بدون «الأسد» وعصابته من المجرمين. ولذلك فإنهم يطالبون بدور دولي فعال لإنهاء هذه المأساة الرهيبة. بينما يرى الرئيس «أوباما» أن أمام الولايات المتحدة القليل جدا لتفعله، إن لم تكن ليست مطالبة بشيء على الإطلاق. ومن وقت لآخر كان يغطي على عدم رغبته في إنهاء معاناة السوريين بمصطلحات مطاطة على شاكلة «الخطوط الحمراء»، و«تدريب وتجهيز المعارضة السورية» وغيرها.

يحتاج العرب إلى مواجهة التهديد الاستراتيجي الحقيقي، بينما تقدم خطابات «أوباما» وجهات نظر مثالية بشأن واقع فوضوي للغاية يشهده الشرق الأوسط اليوم. القائد العالمي والشريك الحقيقي لا يجدر به أن يفعل ذلك.

وحتى مع القيود التي تضعها الموازنة على هامش التحرك الأمريكي، يمكن أن تستخدم واشنطن التقليدات طويلة الأمد للشراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي من أجل معالجة المخاوف العربية من خلال استمرار الشفافية وبناء الثقة.

الاستراتيجية السعودية

في الثمانينيات، طلبت الولايات المتحدة مساعدة العرب في مواجهة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان. هؤلاء المطلعين على هذه العملية الكبيرة يمكن أن يشهدوا على ما قدمته الدول العربية، حتى الفقيرة منها، في المعركة النهائية التي أدت في النهاية، ضمن أمور أخرى، إلى انهيار الاتحاد السوفييتي. ما هي المصلحة الحقيقية للعرب في طرد السوفييت من أفغانستان سوى أنهم أخذوا شراكتهم مع الولايات المتحدة على محمل الجد؟

تبدو المملكة العربية السعودية قد اتخذت قرارها بمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة بشكل أكثر صراحة وحسما، سواء بصحبة الولايات المتحدة أو بدونها. من وجهة النظر السعودية، فإن العرب قد صبروا بما فيه الكفاية بينما كانت إيران منشغلة بتطويق المنطقة وفتح الجبهات واحدة تلو الأخرى في العالم العربي. ولذلك تقود الرياض خطة واسعة المدى تتألف من مستويين. فمن ناحية، تقوم بتقديم المزيد من المساعدات المباشرة وغير المباشرة إلى القوات المناهضة لإيران أينما كانت (وباعتراف الجميع فإنها ارتكبت أخطاء في هذا السياق وتسعى لتصحيحها الآن). وعلى الناحية الأخرى، تسعى الرياض لبناء تحالف إقليمي لدعم الجهود الرامية إلى مواجهة إيران. وفي هذا الجانب بالذات أظهر القادة في الرياض قدرة كبيرة على التكيف ومرونة جيدة عند الحاجة.

على سبيل المثال، تم تعديل سياسة الرياض في التعامل مع تركيا بسرعة حين أخبرتها أنقرة أنها لا تفضل لعب أي دور في اليمن. تم تعديل نطاق التنسيق مع الأتراك للتركيز نحو سوريا. واستند ذلك إلى تفهم السعودية أنها لا بد أن تسعى للتوفيق بين متطلباتها من كل دولة وبين الأجندة الإقليمية لهذه الدولة.

وعلى الرغم من أن السعودية كانت تنتظر موقفا مختلفا في حالتي مصر وباكستان، فإنها لم تسارع إلى اتخاذ تدابير قاسية في كلتا الحالتين. بل عمدت إلى إبقاء الجسور سليمة وحاولت موازنة ردة فعلها تجاه القرارات الباكستانية بعدم المشاركة في حرب اليمن. وتزحزح الموقف البارد للقاهرة مؤخرا، ولكنها بعد لم توافق على المطالب السعودية. ولكن السعودية مررت رسالتها القصيرة إلى القاهرة بأن عليها ألا تتوقع مزيدا من المساعدات من السعوديين.

باختصار، فإن الرياض تتبع سياسة تعطي الأولوية لأي فرصة لمضاعفة قوتها، مع التركيز الشديد على التوسع الإيراني. ولازلنا نرى المرحلة الأولى من هذه الاستراتيجية التي بدأت بتدعيم علاقاتها الخليجية (مع قطر على وجه الخصوص). وتشير التوقعات الإقليمية إلى اتجاه الرياض للعب دور أكثر نشاطا في المستقبل في كل من العراق ولبنان.

لا يمكن الاعتماد عليه

السؤال هو: هل ستقرر الولايات المتحدة المساعدة، أم ستفضل البقاء على خط التماس مكتفية بالخطابات ومزاعم الحيطة والقيود التي تفرضها الموازنة؟

بمجرد اتخاذها مبادرة حاسمة، ستحظى المملكة العربية السعودية بدعم واسع في العالم السني في العراق وسوريا إضافة إلى الخليج. بالنسبة لأولئك الذي يدورون حول أنفسهم غير عابئين بالمستقبل، ومع تعثر الضمانات الأمنية الأمريكية وإفراغها من مضمونها، فيجب عليهم أن يعلموا أن بديلا حقيقيا صار متوفرا.

يبدو أن شهية القادة العرب مفتوحة للقتال هذه الأيام. وما يتم تداوله على نطاق واسع من قبل الديبلوماسيين العرب أن الولايات المتحدة صارت حليفا لا يمكن الاعتماد عليه. هددت واشنطن «الأسد» إن لم يقم بالتنحي قبل بضع سنوات، وهو الآن لا يزال يمرح في سوريا ويقتل المزيد من المدنيين. وحذرت واشنطن من استخدام الأسلحة الكيميائية بوصفها خطا أحمر، ولكن إذا نظرت في الحقيقة ستجده ضوءا أخضر، حيث لا يزال «الأسد» يستخدمها كل يوم. الوعود القاطعة بتسليح المعتدلين في سوريا تم ابتلاعها في قوت لاحق. دعم حكومة «نوري المالكي» ثم ادعاء أنه كان سببا في كل مشاكل العراق. المفاوضات في الظلام مع إيران التي تجاهلت مخاوف العرب مع خطب رنانة حول الالتزامات الأمنية والشراكة طويلة المدى.

وبوضوح شديد، لا أحد في دول الخليج الآن يأخذ كلمات «أوباما» على محمل الجد. ورغم ذلك فإنه سيقوم بإلقاء المزيد من الكلمات في قمة كامب ديفيد. وسيقوم قادة دول مجلس التعاون بالتصفيق وشكر الرئيس ثم يعودون إلى أعمالهم الخاصة بعد ذلك.

ما هو مطلوب حقا الآن هو أن تضع الولايات المتحدة نواياها الحقيقية تجاه سوريا والعراق ولبنان على الطاولة، وأن تشرح بوضوح كيف ستتم متابعة تنفيذها. التغير الوحيد في هذا السيناريو يمكن أن يأتي من المتفائل الذي لا يعرف الكلل «جون كيري». ونقل وزير الخارجية رسالة إلى قادة الخليج منذ فترة زمنية أن الولايات المتحدة تسعى إلى تفاهم إقليمي بين العرب والإيرانيين وأنها مستعدة للمساعدة في هذا الصدد.

وقال ديبلوماسي كبير في دول مجلس التعاون الخليجي لـ«ميدل إيست بريفينج» أن الولايات المتحدة لديها بالكاد أي تأثير على أرض الواقع لتقوم بدور الوساطة. الوساطة هي الدبلوماسية. وقيمتها تنبع من وزن الوسيط على أرض الصراع. ولخص قائلا: «إذا أردنا أن نتحدث للإيرانيين سوف نذهب إلى طهران».

هناك طريقان في اتجاههما للتقاطع معا في كامب ديفيد خلال أيام. أولهما يتمثل في مواجهة التمدد الإقليمي الإيراني. والآخر هو الاتجاه لرفع العقوبات وتطبيع العلاقات مع إيران نفسها. أحدهما اعتماد سياسة إقليمية تأخذ زمام المبادرة، والآخر هو اتباع سياسة إقليمية غير محددة وغير مفهومة. حين تفترق الطرفان. سيعود كل طرف إلى طريقه. وبالتأكيد فإن المعدات العسكرية المتطورة لا تصنع السياسة الخارجية الحقيقية.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج
عرض التعليقات
تحميل المزيد