بالنظر إلى تاريخ العلاقات العراقية الخليجية، فإنها تتأزم تارة، وتعود إلى ما كانت عليه من تفاهمات وعلاقات ودية تارة أخرى، وفقا لمتغيرات المنطقة الجارية وغير المستقرة، والتي تؤثر تأثيرًا مباشرًا عليها، خاصة أن الدول الخليجية ترى في استقرار العراق واستتباب أمنه، مدخلا مهمًا للحفاظ على العلاقات الثنائية فيما بينهما.

وثمة من يرى أن الأحداث والتطورات في العراق، منذ غزو الكويت عام 1990،  وما تبعها من تدخل غربي بعد عام لتحرير الكويت، فضلا عن التفاعلات الداخلية والخارجية التي رافقتها، وصولا إلى القرار الأميركي باحتلال العراق عام 2003 انعكست على علاقاتها بدول الجوار ومنها الدول الخليجية.

وألقى الاتفاق بين العراق والولايات المتحدة على انسحاب جميع القوات الأميركية من الأراضي العراقية في نهاية عام 2011، بظلاله على علاقات العراق بدول مجلس التعاون الخليجي في  الوضع السياسي الراهن والمستقبل القادم، نظرًا لتخوف العواصم الخليجية من الآثار المحتملة للانسحاب عليهم، ثم جاءت الممارسات الطائفية لرئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي لتلقي بظلالها هي الأخرى على هذه العلاقات، في ظل الاتهامات المتبادلة بينه وبين دول الخليج –وعلى الأخص السعودية- بدعم العنف والإرهاب، وارتفاع عدد المحتجزين السعوديين في السجون العراقية.

في التقرير التالي، نستعرض أبرز المحطات التي مرت فيها العلاقات العراقية مع بعض من دول الخليج، وظروف استقرارها، وتوترها، والأسباب التي دفعت لذلك.

أولا: الكويت

رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري مع أمير الكويت صباح الأحمد الصباح

بعد انتهاء حرب الخليج الأولى عام 1988، بدأت بوادر خلافات بين النظام العراقي البعثي والسلطات الكويتية حلفاء الأمس، حيث كانت الذرائع الأساسية للرئيس العراقي السابق صدام حسين هو خلافات حول بعض آبار النفط في المناطق الحدودية.

وبشكل غير مباشر كان صدام يعيد إحياء أفكار حول كون الكويت إحدى المحافظات التاريخية التابعة للعراق، لتجتاح  القوات العراقية بعد عام واحد من الخلاف الكويت، وتطيح بحكم آل الصباح لحين عودتهم بعد انحسار الجيش العراقي على يد قوى التحالف في حرب الخليج الثانية.

وسبقت هذه الأزمة، أزمتان أثَّرت على تاريخ العلاقات بين الدولتين، ففي عام 1961
أعلن عن الاتفاق الذى تم توقيعه بين الكويت وبريطانيا والذى يتضمن أربع مواد تدور حول إلغاء اتفاق 23 يناير، مما أثار غضب الكويت كونه يتنافى مع سيادتها.

وفيما كانت الثانية عام 1973، حينما بدأ العراق يلمح إلى دعواه الإقليمية بشكل محدود في محاولة الحصول على جزيرتين تقعان في الخليج بالقرب من مدينة الفاو العراقية الواقعة في أقصى نقطة للعراق على الخليج.

أسهمت عوامل عدة في نشوء تقارب في العلاقات العراقية الخليجية، منها رحيل نوري المالكي ووصول حيدر العبادي إلى السلطة في العراق، وانتهاجه خطة تصالحية مع دول الخليج، وعلى رأسها قطعًا تنامي نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية الذي يعتبره المسؤولون في البلدين خطرًا مشتركًا، وقّعت العراق والكويت الأسبوع الماضي مجموعة من الاتفاقيات للتعاون المشترك في مختلف المجالات، وذلك خلال زيارة نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الكويتي صباح خالد الحمد الصباح إلى بغداد، حيث أشاد من هناك بحكومة حيدر العبادي.

وكانت الكويت قد وقعتا 45 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع العراق لتعزيز التعاون المشترك في المجالات كاف، فضلا عن موافقتها على طلب تقدمت به بغداد لتأجيل دفعة أخيرة من تعويضات غزو العراق للكويت مطلع تسعينات القرن الماضي، فضلا عن أنها ستفتتح قريبا قنصليتين لها في العراق.

ولفتت الكويت إلى  وجود أجواء طيبة وصورة جديدة للعراق فيما يخص علاقاته مع دول المنطقة والجوار، مبينا أن تعزيز التعاون مع دول المنطقة على أساس المصالح المشتركة سيمثل مصدر قوة للجميع ويبعد عنها خطر الإرهاب والتطرف.

لكن، المتغيرات الجارية على الساحة العربية والدولية، خاصة مع “تغول” تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، والخشية في الوقت نفسه من نقل بوصلته لدول الجوار، مكن الدولتين من إعادة ترسيخ العلاقات بينهما، بعقد جملة من الاتفاقات في المجالات الهامة مثل السياسية والاقتصادية والتجارية.

هذه الخطوة اعتبرها محللون، أنها تمثل أولى مراحل الترجمة الفعلية لـ “سياسة الانفتاح” التي تحدث عنها رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي في الآونة الأخيرة، وأعاد صياغتها عقب لقائه وزير الخارجية الكويتي صباح خالد الحمد الصباح الذي زار بغداد مؤخرًا.

ثانيا: السعودية

الرئيس العراقي  فؤاد معصوم خلال لقائه نظيره السعودي الملك عبد الله

تميزت العلاقة بين الدولتين بالجودة في عهد حزب البعث خلال حكم صدام، بيد أنه بعد حرب الكويت تهدمت العلاقة وظهر العداء بين الدولتين وظلت متوترة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حتى وصلت إلى الاتهامات بين الدولتين، إذ اتهم السياسيون العراقيون السعودية بتمويل “الإرهاب” في العراق.

وزادت العلاقات بين الرياض وبغداد تأزمًا، وشرع الطرفان في تبادل الاتهامات علنًا منذ استيلاء مقاتلين مسلحين ينتمون للدولة الاسلامية في الشام والعراق على مدن ومناطق في وسط وشمال العراق.

ولأول مرة، وتحديدا في حزيران الماضي، اتهمت الحكومة العراقية الرياض بتقديم الدعم المادي “للجماعات الإرهابية” وحملتها مسؤولية “جرائم الإبادة الجماعية” التي يقترفها المسلحون في العراق، معتبرة الموقف السعودي من الأحداث الأخيرة “نوعًا من المهادنة للإرهاب”.

ويرى مراقبون أن عودة العلاقات بين البلدين من جديد بعد سنوات من الفتور، تزامنت مع أحداث مهمة، جرت مؤخرًا، أهمها تنامي خطر تنظيم الدولة الإسلامية ومشاركة السعودية في التحالف الدولي ضد التنظيم والذي يقوم بعملياته بمباركة الحكومة العراقية، وكذا رحيل رئيس الوزراء نوري المالكي الذي اعتاد على مواجهة السعودية واتهامها بالإرهاب، وقد أسمهت أحداث عدة في تعزيز فرص هذا التقارب منها  إقامة خليجي “22” في العاصمة السعودية، ومشاركة المنتخب الوطني العراقي فيه والزيارة التي قام بها رئيس جمهورية العراق السيد فؤاد معصوم إلى المملكة العربية السعودية.

هذه الخطوات مثلت إعادة الدفء للعلاقات بين بغداد والرياض، وإزالة التوتر بينهما لاسيما مع مواقف متضادة منهما تجاه القضايا الإقليمية، منها سقوط النظام السابق والأزمة السورية وبروز “الإرهاب” في العراق وسوريا وتهديده الشرق الأوسط بأسره.

التحول الأخير الذي جرى في العلاقات، كان متوقعا من قبل السعودية، باعتبارها أحد المتضررين المحتملين من تنامي نفوذ الفصائل السنية المسلحة في العراق وعلى رأسها تنظيم الدولة، وليس من المستغرب أن تقف مع العراق في خندق واحد لمواجهة “داعش”، وفقا لمحللين.

 

ثالثا: الإمارات

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي خلال زيارته للإمارات

تاريخيا، فإن العلاقات بين البلدين كانت تقريبا الأفضل مقارنة مع دول الخليج الأخرى، حيث كان العراق من أولى الدول التي دعمت استقلال الإمارات عام1971 في أيام حكم أحمد حسن البكر، ودعمتها اقتصاديا أيضا أثناء الحرب العراقية الإيرانية مع دول الخليج الأخرى.

وكانت الإمارات سابقا، قد خففت من حدة العزلة الإقليمية للعراق حينما أسقطت ديون العراق البالغة نحو سبعة مليارات دولار خلال زيارة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عام 2007 للبلاد.

لكن العلاقة ساءت بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية؛ حيث أصبحت دول الخليج مع العراق غارقة بالديون فطالبت العراق بدفع ديونها وهذا كان أحد أسباب غزو العراق للكويت في سنة 1990، فدعمت الإمارات هذا الاتجاه وأرسلت القوات العربية لتحرير الكويت، وانقطعت العلاقات بين البلدين إلى أن سقط نظام صدام حسين.

وعاد توتر العلاقات من جديد بعد اتهام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سابقا  للسعودية بدعم “الإرهابيين” في العراق، مما دفع الإمارات إلى استدعاء السفير العراقي لديها مساندةً للسعودية.

أما عن انفتاح العلاقات من جديد بينهما، جاء بعد أن اتفقتا على دعمهما البعض في مواجهة “الإرهاب” ورغبتها في تطوير العلاقات الثنائية في بادرة أنهت قطيعة سياسية بين البلدين استمرت خمسة أشهر، وسط استعداد الإمارات  لتقديم كامل الدعم للعراق في حربه ضد “داعش والمجاميع الإرهابية”، ورغبتها في تطوير العلاقات مع العراق في جميع المجالات”.

المصادر

تحميل المزيد