الرئيس_الموريتاني_برفقة_وزير_الخارجية_المغربي_السابق_1.jpg (800×525)

الرئيس الموريتاني برفقة وزير الخارجية المغربي السابق

 

ماذا يعني أن يتم تسريب خبر سحب موريتانيا لسفيرها في العاصمة المغربية، بالموازاة مع الإعلان الرسمي من طرف الرباط عن ختم الزيارة الماراثونية التي قام بها العاهل المغربي لثلاث دول في غرب إفريقيا، وهي الزيارة التي وُصفت بالناجحة؛ حيث تم خلالها إبرام أزيد من 90 اتفاقية بين المملكة المغربية والدول الأربع التي زارها الملك محمد السادس، وهي دولة مالي، وساحل العاج )الكوت ديفوار(، وغينيا كوناكري، والغابون؟

زيارة الملك محمد السادس قبل انطلاقتها من مالي، في زيارة هي الثانية خلال أسابيع فقط، لهذا البلد الذي يستقطب اهتمام المراقبين الدوليين هذه الأيام بسبب تحوله إلى ساحة للحرب على ما يسمى الإرهاب، رافقتها تصريحات قادمة من قصر المرادية بالجزائر، وأخرى من بلاد شنقيط، تشي بــ”قلق” الساسة في كل من الجزائر وموريتانيا من تحركات مغربية جاءت مباشرة بعد تأكيد الملك صراحة في إحدى خطبه الرسمية الموجهة إلى الشعب، بضرورة تبني “دبلوماسية هجومية” للدفاع عن “القضية الوطنية الأولى”، وهي قضية الصحراء، وهو ما التقطته الجزائر بسرعة بأنها دبلوماسية تستهدفها بالدرجة الأولى، على اعتبار أنها تساند وتدعم بشكل كبير ورئيسي جبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء عن المغرب.

نفس “القلق” عبرت عنه نواكشوط، من خلال العديد من التحاليل والتقارير الإخبارية، التي كانت تركز في الغالب على “مصادر مطلعة” أو ترفض الكشف عن هويتها، وتستغرب من الأسباب التي جعلت العاهل المغربي يستثني من هذه الزيارة التي قادته إلى أربع دول؛ دولة جارة تقاسمه الحدود ولها مصالح وارتباطات كثيرة معها هي موريتانيا؛ بل الأكثر من ذلك ربما كانت ستكون مناسبة سانحة للرباط لإعادة الدفء إلى العلاقة مع جارتها الجنوبية التي تمر ربما بأسوأ مراحلها منذ أشهر بسبب “سوء فهم” ما يزال يخيم على البلدين.

 

أزمة صامتة

الرئيس_الموريتاني_مع_أحد_قادة_البوليساريو_2.jpg (800×533)

الرئيس الموريتاني مع أحد قادة البوليساريو

 

إذا كانت الجزائر قد قالتها صراحة قبل أيام على لسان أحد كبار مسئوليها الدبلوماسيين، من أن التحركات المغربية لا سيما في دولة مالي تريد “تقويض” الدور الجزائري في القيام بمساعي الصلح بين الحركات المتمردة وباماكو، في إشارة إلى “اختراق” الدبلوماسية المغربية لهذا المجال الإستراتيجي الذي تعتبره الجزائر “محفوظًا” لها، وهو ما تجلى بالخصوص في استقبال الملك المغربي لزعيم حركة أزواد ذات النفوذ في شمال مالي؛ فإنه بعكس ذلك التزمت نواكشوط سياسة الصمت في الغالب وإرسال “الإشارات” أحيانًا، وكلنا يتذكر الموقف الرافض لاعتماد القنصل المغربي الجديد في نواكشوط من طرف هذه الأخيرة، مع بداية السنة الجارية، وهو ما أقلق الرباط التي طالبت بتقديم مبررات وأسباب هذا الرفض دون أن تحصل عليه إلى حد الساعة، بالرغم من أن وزير الخارجية الموريتاني وقتها تعلل بأنه حديث العهد بمنصبه وأخبر السفير المغربي في نواكشوط بأنه سيطلب توضيحات من الرئاسة بهذا الشأن.

هذا الرفض الموريتاني جاء في خضم حديث عن وجود “أزمة صامتة بين البلدين” منذ أشهر، تميزت بالأساس بـ”رفض” الرئيس الموريتاني أحمد ولد عبد العزيز استقبال أحد الوزراء المغاربة وُجِد بطرابلس في السنة الماضية لأجل مؤتمر، في حين استقبل وفودًا رسمية أخرى، الرسالة وقتها التقطتها الرباط بسرعة وأوفدت وزير خارجيتها حينئذ سعد الدين العثماني، وبعده رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران الذي ترأس اجتماعات اللجنة المشتركة، ونفت الأطراف حينها وجود أزمة بين البلدين.

بيد أن الواقع وكواليس العلاقة بين البلدين يقولان شيئا آخر، وهناك من يتحدث عن أن “الأزمة الهادئة” القائمة حاليًا بين البلدين مردها بالأساس وجود “نفور” موريتاني من التقرب إلى الرباط، في مقابل “إقبال” ملحوظ على التعاطي مع الجزائر؛ ويُرجِع بعض المتتبعين سبب ذلك إلى الصراع والتنافس على استقطاب البلدان الإفريقية الذي يمارسه كل من المغرب والجزائر، هذا الاستقطاب الذي جعل موريتانيا ترفض طلبًا للمغرب من أجل إقامة قنصلية لها في مدينة العيون الموجودة في الصحراء المتنازع عليها، وهو الموقف الذي بقدر ما اعتبره البعض تكريسًا لموقف موريتانيا المبدئي من نزاع الصحراء المتميز بـ”الحياد” منذ انطلاقته، بقدر ما جعل البعض الآخر يشير بأصابع الاتهام إلى أن موقف رفض نواكشوط كان بإيعاز وربما بضغط من الجزائر، وما يفسر ذلك بأنه في مقابل رفض نواكشوط طلب الرباط، كان هناك قبول طلب جزائري بتمديد وتشييد الطريق الرابط بين كل من تندوف بالجنوب الغربي للجزائر )حيث توجد مخيمات تندوف( ونواكشوط، وهو الطريق الذي سيتيح لعناصر البوليساريو بالتنقل بكل حرية ما بين الحدود بين الجزائر وموريتانيا بل وعلى مستوى الخط العازل الذي يفصل بين المغرب وجبهة البوليساريو.

رد الرباط التي أقلقها – فيما يبدو – تعامل نواكشوط بمعيارين مختلفين في علاقاتها مع دول الجوار، كان هو تشديد منح تأشيرة الدخول على الموريتانيين والتجار الذين يعبرون إلى الأقاليم الجنوبية الصحراوية للمغرب، وهو ما جعل العديد من نقابات أرباب النقل يحتجون أكثر من مرة على الحدود بين البلدين بسبب بطء منح تلك التأشيرات من الجانب المغربي.

بنكيران_في_زيارة_سابقة_لنواكشوط_3.jpg (800×600)

بنكيران في زيارة سابقة لنواكشوط

وإذا كانت سواء نواكشوط أو الرباط لم تعلقا رسميًّا عن خبر قطع العلاقات الدبلوماسية بسبب ما قيل بأنه تصريحات أدلى بها الملك المغربي خلال زيارته الأخيرة إلى الغابون، كما تناقلت ذلك وسائل إعلام مغربية وموريتانية، إلا أن اكتفاء بعض التقارير بنقل تصريحات “غامضة” صادرة عن “مصادر غير معروفة”، من الجانب الموريتاني، تؤكد على أن “العلاقات الموريتانية المغربية لم تتغير”، لا يشير بأي حال من الأحوال إلى أن العلاقة على ما يرام، وعبارة “لم تتغير” تعني ضمن ما تعنيه أن تلك العلاقات ما تزال “يسودها الغموض” كما هي قبل أشهر من اندلاع “الأزمة الصامتة”!

الحمى الخليجية!

اجتماع_جامعة_الدول_العربية_4.jpg (800×531)

اجتماع جامعة الدول العربية

العديد من المتتبعين ربطوا بين ما يجري في المغرب العربي ما بين موريتانيا والمغرب تحديدًا، وما يجري في دول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث فوجئ العالم العربي والعواصم الغربية أيضًا بقرار الدول الخليجية الثلاث )السعودية والإمارات العربية والبحرين( بسحب سفرائها دفعة واحدة من قطر، بسبب ما قالته تلك الدول من تدخل الدوحة في شئونها الداخلية وتهديد أمنها، ثم تلا ذاك القرار اعتبار جماعة الإخوان منظمة إرهابية من طرف السعودية.

قرار “سحب” هؤلاء السفراء الذي تزامن مع حديث عن سحب القائم بالأعمال الموريتاني من الرباط، جاء أيضًا بعدما حل رئيس الوزراء القطري بالمغرب، اليوم الإثنين، والذي سيشرف مع نظيره المغربي على إبرام اتفاقيات مهمة مع المغرب، كما أن قرار موريتانيا إزاء المغرب جاء أيضًا بالتزامن مع إصدار وزارة الداخلية الموريتانية قرارًا يقضي بحل جمعية “المستقبل للدعوة والتربية والثقافة”، كبرى جمعيات الإخوان المسلمين في بلاد شنقيط، وحظرت نشاطها نهائيًا بتهمة “خرق القانون والقيام بأنشطة مخلة بالنظام العام والمساس بأمن البلاد والتحريض على العنف والشغب”، وهو ما جاء في سياق حديث بعض المصادر المقربة من السلطة في موريتانيا عن “قرب” سحب السفير الموريتاني في الدوحة كرد عن سياسة هذه الأخيرة إزاء مصالح نواكشوط، فهل هي انطلاقة سياسة الأحلاف والاستقطابات التي ستكرس الانقسام العربي؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد