«العقار قد يمرض لكنه لا يموت»، مقولة يُدركها السماسرة والمستثمرون في سوق العقارات، لكن مرض العقار الخليجي وصل لمرحلة خطيرة، فالأسعار في الأسواق العقارية الخليجية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. ودخل العقار الخليجي مستوى الطفرة التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة.

إضافة إلى أن كل دولة خليجية لها أسبابها التي أدت إلى أزمة حقيقية في سوق العقارات، شكلت أزمة النفط سببًا مشتركًا بين تلك الدول أدى إلى ارتفاع كبير في سوق العقارات، مما دفع بعض الحكومات الخليجية مؤخرًا إلى إصدار المزيد من القوانين لتقنين السوق والحفاظ على استقراره.

1000% ارتفاعٌ في أسعار العقار السعودي

خلال ثمان سنوات تضاعفت أسعار العقارات بالسعودية عشر مرات، هذا ما رصده المختصون في الشأن الاقتصادي،  فارتفاع أسعار العقارات في السعودية ما بين عام 2006 إلى 2014 وصل لنسبة 1000%، وفي نهاية عام 2015 تراجعت قيمة الصفقات العقارية بنسبة 52% على الفيلّات و35% على العمارات، أما المراكز التجارية فتراجعت صفقاتها بنسبة 38%، وكان أكبر انخفاض في الصفقات على قيمة الأراضي الزراعية.

لذلك يتوقع المختصون، في حالة استمرار تراجع الأداء العام للسوق العقاري المحلي بالسعودية، توجه سوق العقارات في المملكة العربية السعودية نحو الهبوط، وتتميز بعض المناطق السعودية عن غيرها بارتفاع أسعار العقارات فيها، إذ تعتبر منطقة شرق المطار مرتفعة الأسعار، بينما تنخفض الأسعار بنسب تصل إلى 30% في مناطق الشمال وعلى حدود النطاق العمراني أو خارجه أو أقصى الجنوب، ويرجع كبير المحللين الماليين في أمانة كابيتال، المجموعة المالية الرائدة في الشرق الأوسط والمتخصصة في التداول الإلكتروني، «جو الهوا»، أسباب التراجع إلى أن «المضاربة كانت السلاح الأول في ارتفاع الأسعار لتوافر السيولة في تلك الفترة بسبب ارتفاع أسعار النفط، بالإضافة إلى الاحتكار الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار، علاوة على تشحيح المعروض مقابل الطلب الكبير».

ولمواجهة الأمر، قررت الحكومة السعودية «الاستفادة من الأراضي الحكومية غير المستغلة، وهي أراضٍ تقع شمال وشرق مدينة الرياض، وتبلغ مساحتها 190 مليون متر مربع؛ وعملت الحكومة على تخطيطها كي تصبح أراضٍ سكنية، من ثم يمكن بيعها أو توزيعها على الموظفين الحكوميين والقطاع الخاص».كما أصدرت الحكومة السعودية  قانونًا يفرض الضرائب على الأراضي البيضاء غير المستغلة بنسبة 2.5%من قيمتها سنويًا، ويعمل هذا القرار على تشجيع السعوديين على استثمار هذه الأراضي.

الكويت.. مليون دولار ثمنًا لـ400 متر!

أكثر من مليون دولار ثمنًا لأرض لا تتجاوز مساحتها 400 متر مربع، هذا العرض قائم الآن في سوق الكويت العقاري، إذ تعاني الكويت من ارتفاع أسعار وُصف بـ«الجنوني».  ويأتي الارتفاع المتواصل في أسعار العقارات في الكويت رغم انخفاض عدد الصفقات في السوق العقارية المحلية بنحو 70% في النصف الأول من العام الماضي (2015).

لذلك اليوم أمام الحكومة الكويتية أكثر من 120 ألف طلب متراكم للحصول على مسكن، بسبب عجز الحكومة الكويتية عن توفير المساكن بالسرعة السابقة، كما تسبب الطلب المتزايد على السكن في ارتفاع أسعار الإيجارات بنحو كبير، وباتت الإيجارات، حسب المصادر الكويتية، تستقطع أكثر من نصف الراتب الشهري للعاملين المغتربين، أما ارتفاع أسعار الأراضي فقد أعجز المواطن الكويتي العادي عن شراء أرض.

ويأتي ذلك رغم الإيجابية التي حملها، قبل أيام، تقرير صدر عن مصرف الكويت الدولي، جاء فيه أن «متوسط سعر المتر المربع الواحد في القطاع السكني تراجع بنسبة 12.1% في شهر فبراير) شباط) الماضي، مقارنة بشهر يناير (كانون الثاني)، مدفوعا بتراجع متوسط أسعار العقار السكني في كل المحافظات»، ويشدد تقرير البنك على أن «مستويات الأسعار في قطاع العقار المحلي، سجلت تراجعًا متفاوتًا حسب الموقع الجغرافي، مشيرًا إلى أن تراجع أسعار النفط ساهم في هبوط قيمة مبيعات العقارات وعدد الصفقات في فبراير (شباط) الماضي».

الحكومة الكويتية تحاول حل الأزمة، إذ بدأت العمل على توفير بدائل عبر البناء في مناطق بعيدة عن العاصمة الكويت. أما قانونيًّا، فقررت الكويت تطبيق قانون صادر منذ 20 عامًا يقضي «بفرض رسوم على أراضي البناء غير المستغلة، وذلك بهدف دفع مالكيها على تنفيذ مشروعات عليها أو طرحها للبيع»، ويرى خبراء أن هذا القانون غير مجدٍ، كون معظم أراضي الفضاء في الكويت مملوكة للدولة، كما أن معظم تجار العقارات في الكويت فرزوا أراضيهم، وقسموها لقطع 500 متر أو أقل من ذلك، بهدف عدم تطبيق القانون عليها.

قلة المساحات سبب الأزمة في قطر

تواجه قطر زيادة مضطردة في أسعار العقارات والأراضي الفضاء، ويعود ارتفاع أسعار الأراضي إلى الطلب المتزايد عليها مقابل قلة الأراضي والمساحات الجاهزة للبناء، حيث بلغت نسبة زيادة الأسعار 100% أحيانًا.

بسبب زيادة الطلب على الأراضي والعقارات السكنية من قبل الوافدين إلى قطر، وصل إيجار الشقة الواحدة ذات الغرفتين والصالة إلى  نحو ألفي دولار شهريًا. وحسب إحصائيات حديثة أصدرتها وزارة العدل القطرية فإن «ارتفاع أسعار الإيجارات، يقود إلى ارتفاع متوسط في معدل التضخم المحلي، بينما يعادل الارتفاع في الإيجارات تراجعًا في أسعار المواد الغذائية العالمية، مما يؤدي إلى الإبقاء على التضخم الأجنبي على انخفاض .«

وأسوة بدول الخليج الأخرى، تأثر سوق العقارات القطري بأزمة أسعار النفط، فاستمرار تراجع أسعار النفط ومراجعة الحكومة لخطط الإنفاق؛ تسببا في الضغط على سوق العقارات. ويأتي استعداد قطر لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2022، ليلقي بأثره على سوق العقارات، فمن المتوقع أن تواجه احتمال زيادة المعروض من الغرف الفندقية.

كما أن من أسباب الارتفاع الكبير لأسعار العقارات في قطر، مضاربات السماسرة واحتكار الشركات العقارية الكبرى للسوق، إضافة إلى عدم تحديد القانون القطري لنسبة الزيادة السنوية المسموح بها، كل ذلك أدى إلى زيادة عبث التجار والسماسرة، الذي استغلوا النمو السكاني السريع في قطر، فعلى سبيل المثال يقوم هؤلاء برفض تأجير المواطنين العاديين على أن يؤجرون عقارات لجهات حكومية، أو شركات بأسعار مرتفعة.

وفي محاولة لتخفيف وطأة الأزمة، أعلنت الحكومة القطرية قبل عامين، عن تخصيص 180 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية. وطرحت 7800  قطعة أرض جديدة، ولكن تعد ندرة الأراضي أكبر مشكلة تواجه سوق عقارات دولة قطر، فالأراضي محدودة مما يجعل أسعارها تتزايد وترتفع بشكل كبير.

الإمارات.. ارتفاعٌ في الأسعار عكس التوقعات

حتى الآن لم يتحقق توقع مجموعة «ذا إتش هولدينغ إنتربرايس« للاستثمار، بأن عام 2016 سيشهد تغيرات واسعة في القطاع العقاري في الإمارات، بخاصة في إمارة دبي، فالمجموعة التي توقعت أيضًا أن تشهد أسعار الإيجارات «تصحيحًا ملحوظًا، وأسرع من المتوقع«، جاء ما يناقض توقعها بتسجيل مؤشر أسعار العقارات السكنية ارتفاعًا تجاوز 18% في أبوظبي، بينما شهد مؤشر أسعار الإيجار على الشقق السكنية صعودًا بنسبة 45%.

لذلك يعد ارتفاع أسعار الأراضي من أكبر التحديات التي تواجه قطاع التطوير العقاري في الإمارات، وبخاصة في دبي، إذ ارتفعت أسعار الأراضي بنسب متفاوتة خلال العامين الماضيين. في الشارقة كان ارتفاع الأسعار في الإيجارات غير معتاد، ولم تسلم إمارة عجمان من هذا الارتفاع بسبب تدفق المستأجرين إليها.

في السابق، كانت الإمارات أكثر دول الخليج تأثرًا بالأزمة العالمية، إذ شكل تدهور الاقتصاد العالمي انعكاسًا سلبيًا على الاستثمار الأجنبي (يُشكل 90%) في مجال العقارات فيها، وتأتي اليوم أسباب أخرى تقف خلف ارتفاع أسعار سوق العقارات في الإمارات، فإضافة إلى التأثر بأزمة النفط، يعود الارتفاع في الأسعار إلى الطلب الكبير على الأراضي السكنية والتجارية، بعد الإعلان عن فوز إمارة دبي باستضافة معرض إكسبو«2020» ، إذ اندفع الكثير من المستثمرين في القطاع العقاري إلى الدخول في السوق، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي خلال الفترة من 2013 -2015 بزيادة تراوحت بين 20-30 % حسب المنطقة، كما يلعب المطورون الرئيسيون الذين يطرحون أراضٍ بأسعار مرتفعة جدًا دورًا في ارتفاع أسعار العقارات.

ولمواجهة الأمر والحد من عمليات المضاربة في العقارات، قررت الحكومة الإماراتية في الفترة الأخيرة مضاعفة ضريبة التعاملات على العقارات، وفرض بعض القواعد التي من شأنها مساعدة المستثمرين على المطالبة بتعويض حال إلغاء مشروعات البناء، وتعمل الحكومة على التخطيط نحو التمدد في اتجاهات مختلفة لتخفيف وطأة تسعير الأراضي على المطورين.

خصوصية إيجابية لعُمان

لقطاع العقارات في سلطنة عمان خصوصية إيجابية، هذه الخصوصية جعلت عليه طلبَا إقليميًا على هذا العقار أنقذه لحد ما من أزمة ارتفاع أسعار العقارات في دول الخليج الأخرى، فالعقار العماني يحظى بطلب كبير عند ارتفاع أسعار العقارات في دول الخليج لأنه الأقل.

سبب ذلك هو أن الحكومة العمانية تمنح وتسهل إجراءات إقدام المستثمرين المحليين والخليجيين على التملك، إذ يتملك مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي بسهولة الأراضي البيضاء في السلطنة، مع حرص السلطنة على توفير الخدمات لجميع الأراضي، إضافة إلى وجود مخططات أرض كثيرة غير مستغلة، كما أن الحكومة العمانية سباقة في خطوات ضبط السوق العقاري، بهدف تعزيز التوجه للتطوير العقاري، فقد أصدرت قرارًا ينصّ على أنّه «في حال عدم استغلال الأرض خلال أربع سنوات من تاريخ شرائها، سيكون للدولة حق التصرف في الأرض مع تعويض المالك»، أما الوضع السياسي والاقتصادي المستقر في السلطنة فيشجع هؤلاء على الإقدام على خطوات الاستثمار بأمان كبير.

ومع هذا فإن الطلب الكبير على العقارات في السلطنة يزيد من أسعار الأراضي والعقارات، وبالتالي يتأثر بأزمة العقارات في الخليج بشكل عام، لكنه بالرغم من ارتفاع الأسعار مؤخرًا إلا أنها تعتبر الأقل أسعارًا على مستوى دول الخليج كما أسلفنا، ويقدم الكويتيون بالأكثر على الاستثمار في السلطنة، ورغم أن قرار وزير الإسكان العماني يهدّد تسعة آلاف كويتي بسحب أي عقار لا يبنيه صاحبه خلال أربع سنوات، إلا أن السلطة أقرت أنه في هذه الحالة «تقوم الدولة بتعويضه بثمن الأرض وقت شرائها أو ثمنها حين بيعها مع حفظ حقه بالتظلم أمام الجهة المختصة بالدولة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد