قبيل القمة الخليجية المنتظر إقامتها في الدوحة أواخر ديسمبر الحالي، تبدو الهواجس والاقتراحات “الأمنية” غالبة بشكل كبير على تفكير حكام الخليج، الأمر الذي يلقي بظلاله على مقترحات التعاون الخليجية خلال الفترة السابقة والتي ينتظر مناقشتها خلال القمة القادمة التي يصفها مراقبون بأنها قمة “أمنية عسكرية”.

فمن ناحية التهديدات المتعلقة بتمدد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق والتغلغل الإيراني المستمر في المنطقة وقدرة إيران على تحريك الاضطرابات بشكل مستمر في دول الخليج وبخاصة في البحرين وفي شرق السعودية، ومن ناحية أخرى تظهر مخاوف آل زايد من نفوذ تيارات الإسلام السياسي، والتي تنعكس على الحرب التي تخوضها الإمارات على الإسلام السياسي خارجيًّا “بدعم عمليات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في سوريا ودعم حكومة عبد الفتاح السيسي في مصر” أو داخليًّا من خلال تشديد القبضة على المعارضين السياسيين عبر التلويح بتهم الإرهاب ودعم وتمويل المنظمات الإرهابية، من ناحية ثالثة ترغب كل من الإمارات والبحرين بأخذ تشديدات على الجانب القطري فيما يتعلق باستضافة وإيواء معارضين سياسيين من كلا الدولتين.

نستعرض في هذا التقرير أهم المشروعات الخليجية المشتركة على المستوى الأمني، وأهم مقترحات التنسيق الأمني المدرجة على قائمة أعمال الخليجيين في الفترة القادمة.

1-قوات درع الجزيرة

 “إحراق أعلام قوات درع الجزيرة في البحرين 2011”

هي قوات عسكرية مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي، تم تأسيسها بقرار خليجي في عام 1982 بهدف رد أي عدوان على دول الخليج في استجابة لحالة القلق الأمني الخليجي تجاه نوايا الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ويقودها حاليًا اللواء مطلق بن سالم الأزيمع.

يقع مقر قوات درع الجزيرة في محافظة حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية على الحدود مع كل من العراق والكويت، بدأت القوة بعدد محدود لا يزيد عن 5 آلاف مقاتل، وتمت زيادتها أكثر من مرة،تحوز السعودية نصيب الأسد من القوات،وتليها الإمارات، ثم باقي دول الخليج.

أول تحدي واجه قوات الدرع كان الغزو العراقي للكويت، فشلت قوات درع الجزيرة فشلاً ذريعًا حيث لم تؤهلها أعدادها أو تسليحها للاشتباك مع القوات العراقية، بعدها اتخذ الأمير خالد بن سلطان المشرف على العمليات في الكويت قرارًا بتفكيك قوات درع الجزيرة بحيث تعود كل قوة إلى بلادها مع إمكانية استعدائها من قبل القائد العام عند الضرورة، في عام 2003 أثناء الحرب الأمريكية على العراق تجمعت قوات الدرع وتمركزت في الكويت لحمايتها من أي رد فعل عراقي على السماح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد الكويتية كخطوط دعم لوجستي أثناء الحرب.

أما أبرز عمليات قوات درع الجزيرة فكانت مشاركتها في قمع الاحتجاجات التي اندلعت في البحرين في عام 2011 رغم التأكيدات المسبقة أن القوات أنشأت لمواجهة الأخطار الخارجية، وأنها لن تتدخل في أي شأن داخلي لأي من الدول، ودخلت القوات تحت مسمى “تأمين المنشآت الاستراتيجية”، الأمر الذي اعتبرته إيران بمثابة غزو خليجي للبحرين، وبلغ متوسط عدد القوات التي شاركت في قمع الاحتجاجات البحرينية “2000 جندي”، 1200جندي من السعودية و 200 جندي من الإمارات، مع مشاركة محدودة للحرس الوطني القطري، فيما فضلت الكويت عدم المشاركة بقوات برية خوفًا من إثارة غضب الشيعة الكويتيين الذين يمثلون حوالي 25% من سكان الكويت.

2-الدرع الصاروخي الخليجي

هومشروع طرحته الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2012، يهدف إلى نشر الصواريخ الأمريكية في دول الخليج العربي لحمايتها من التهديد الإيراني، خاصة مع امتلاك إيران لأكبر منظومة لإنتاج الصواريخ البالستية في الشرق الأوسط، وبالنظر إلى رفض إيران وضع منظومتها الصاروخية قيد المناقشة ضمن المفاوضات القائمة حول برنامجها النووي ومشاريعها لتخصيب اليورانيوم.

ومع توجه الولايات المتحدة نحو التفاوض مع إيران، تبدو هناك حالة كبيرة من فقدان الثقة بين دول الخليج “وبخاصة المملكة العربية السعودية” وبين الولايات المتحدة، إذ أن السعودية –ربما على النقيض من الولايات المتحدة- ما تزال تشعر بتزايد الخطر الإيراني عليها، مما يجعل منظومة الدرع الصاروخي –المؤجلة- محل نقاش دائم، خاصة مع وجود أصوات في الإدارة الأمريكية لا تثق في إيران وتطالب بحماية الخليجيين بسرعة إنشاء المنظومة الصاروخية.

3- القوة البحرية الخليجية المشتركة

وفقًا لتصريحات المسئولين الخليجيين، يفترض أن ترى القوة البحرية الخليجية النور مطلع العام القادم، وتعتبر هذه القوة هي امتداد لقوات درع الجزيرة، ولكن في مجال الأمن البحري، ويسعى الخليجيون إلى تسريع خطوات إنشاء القوة خوفًا من انتقال المواجهات مع التنظيمات المسلحة في سوريا إلى البحر، مع تمدد هذه التنظيمات والأسلحة التي تستولي عليها من حكوماتها، وأيضًا مع سيطرة جماعة الحوثي –المدعومة إيرانيًّا- على مجريات الأمور في اليمن، مع ما تمثله المعابر والممرات الخليجية من أهمية قصوى للأمن الخليجي، حيث يمكن أن تؤثر الاضطرابات بها على عمليات نقل وتصدير النفط.

ووفقًا لتصريحات وزير الدفاع الكويتي أحمد يوسف الملا فمن المحتمل أن يطلق على القوة الجديدة اسم “مجموعة الأمن البحري 81″، وينتظر أن تتولى مهام تأمين الممرات البحرية وحماية ناقلات النفط من القراصنة، إضافة إلى مواجهة التهديدات سواء القادمة من العراق في الشمال أو من اليمن في الجنوب، جدير بالذكر أن الكويت لم تحسم بعد موضوع الجرف القاري مع إيران ولم تتوصل إلى ترسيم نهائي لحدودها البحرية مع العراق، كما أنها تقدمت بأكثر من شكوى عن تعرض ناقلات النفط الكويتية لعمليات قرصنة.

4-القيادةالعسكرية الخليجية المشتركة

ينتظر أن يتم الإعلان عن تشكيل هذه القيادة خلال قمة الدوحة أواخر الشهر الحالي، وهو مشروع قديم تعود بدايات طرحه إلى منتصف التسعينات من قبل الأمير خالد بن سلطان، وتم اتخاذ قرار نهائي بشأنه في قمة الكويت الماضية.

يشبه المشروع بشكل كبير مشاريع الأحلاف العسكرية كالناتو، فلن تنضم قوات عسكرية بصفة مستديمة إلى هذه القيادة، وإنما تنضم فقط في أوقات التدريبات والعمليات التي تحدد بأوامر من القيادة، وتتولى القيادة فيها الدولة ذات الإسهام الأكبر التي يكون لها صلاحيات اتخاذ القرارات الميدانية في حالات الحرب.

في أوقات السلم، تكمن مهام القيادة فيتقييم المخاطر وإعداد الخطط والسيناريوهات لمواجهتها، والتنسيق بين قوات المجلس عبر تعاون رؤساء الأركان، وتقديم المشورة في شأن العقائد العسكرية، والحصول على الأسلحة والمعدات لزيادة إمكانات القوات المختلفة على العمل العسكري المشترك. أضف إلى ذلك إنشاء مركز مشترك للاتصالات والاستخبارات والعمليات العسكرية، والإشراف على تنفيذ التمارين، وتدريب وحدات القيادة المشتركة وتقييمها لتحقيق أعلى مستوى من الاستعداد القتالي.

كما تتولى القيادة تحديد الإسهام العسكري لكل دولة وتقسيم القوات المسلحة في كل دولة إلى: قوات الأسبقية الأولى التي تكون في وضع الجهوزية الدائمة، وقوات الأسبقية الثانية لتعزيز القوات الأسبقية الأولى، وتكون جاهزة للتحرك عند الضرورة، وقوات الأسبقية الثالثة، وهي القوات المتبقية في بلدها وتتولى مهام الأمن الداخلي.

5- الإنتربول الخليجي

أو ما يعرف بـ”الشرطة الخليجية المشتركة” وهى محاكاة لنموذج الشرطة الدولية “الإنتربول” والشرطة الأوروبية التي تأسست عام 1992 ومقرها لاهاي بهولندا.

يتوقع أن تتم المصادقة بشكل نهائي على المشروع في قمة الدوحة هذا الشهر، وبالفعل تمت تسمية المقدم «مبارك الخييلي»، من دولة الإمارات العربية المتحدة رئيسًا للجهاز على أن تتولى الإمارات رئاسة الدورة الأولى للجهاز، حيث تتناوب دول الخليج الستة رئاسة الجهاز دوريًّا لدورة تستمر 3 سنوات.

ووفقًا للمعلن فإن مهام الجهاز الجديد سوف تتمثل في ملاحقة شبكات التجسس والتخريب والهجرة ومكافحة الجرائم الاقتصادية ومواجهة الجرائم الإلكترونية والتي تكبد دول الخليج خسائر تقدر بـ” 735 مليون دولار أميركي” سنويًّا، إضافة إلى التعاون في مجال المؤسسات العقابية ونقل المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية بين دول المجلس، والتعاون في مجال حرس الحدود وذلك لتجنب الأزمات على غرار أزمة البحارة بين قطر والبحرين، إضافة إلى مكافحة جرائم غسيل الأموال بالتعاون مع البنوك المركزية الخليجية.

على جانب آخر، تتصاعد مخاوف الجهات الحقوقية من أن يتحول هدف الجهاز الجديد إلى ملاحقة المعارضين والنشطاء وتسليمهم، خاصة بعد أبدت كل من الإمارات والبحرين استياءهما في غير مرة من استضافة لمعارضين سياسيين من الدولتين، إضافة إلى تنسيق المعلومات الأمنية الخاصة برموز المعارضة السياسية خصوصًا مع الحملة الضارية التي تتبناها دول الخليج – وخصوصًا- الإمارات ضد المعارضين السياسيين، ولاسيما الإسلاميين.

6- قوة التدخل السريع المصرية الخليجية

تحدثت عنها وكالة أسوشيتد برس مطلع نوفمبر المنقضي نسبة إلى مصادر عسكرية مصرية، وعلى عكس سالف المشروعات الأمنية، ينتظر أن تكون مصر مكونًا رئيسًا في تشكيل هذه القوة، وعلى عكس قوات درع الجزيرة والقيادة العسكرية التي يفترض أن تكون مهامها دفاعية في المقام الأول، تتجه قوات التدخل السريع عمومًا لتنفيذ عمليات نوعية خارج الحدود، ووفقًا لمصادر الوكالة فإن هناك دولتين من المحتمل أن تكونا مكانًا لتحرك التحالف، وهما: ليبيا، حيث تدعم كل من مصر ودول الخليج عمليات الجنرال المتقاعد خلية حفتر، واليمن حيث سيطر فيها الحوثيون الشيعة، الذين يشتبه في صلتهم بإيران، على العاصمة.

ووفقًا للمصادر فإن المفاوضات بلغت مرحلة متقدمة، وتبقى الخلافات حول حجم القوة وتمويلها ومصدرها الرئيس، وحول ما إذا كانت ستسعى إلى الحصول على غطاء سياسي لعملياتها من قبل جامعة الدول العربية أو الأمم المتحدة، مؤكدين أنه حتى في حال إذا لم تتم الموافقة على قوة مشتركة، فإن التحالف سيقوم بالتنسيق لشن عمليات عسكرية سريعة ومحددة عند اللزوم.

لم يقتصر الأمر على ذلك، فالمملكة العربية السعودية تدفع في اتجاه إنشاء مركز دولي لمكافحة “الإرهاب” تحت مظلة الأمم المتحدة، ويبدو أن حجم مشروعات التنسيق الأمني الخليجي تعكس بوضوح حالة “الهوس” الأمني للأنظمة الخليجية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، كما تعكس حالة من فقدان الثقة أو ربما الرغبة في تخفيف الاعتماد على الحليف الأمريكي الذي بدا للخليجيين غير مأمون الجانب، بالإضافة إلى ذلك يبدو أن دول الخليج تستعد لتدشين مرحلة جديدة في خطتها الأمنية تكون هي البادئة فيها بالتدخل في مناطق الصراع عسكريًّا بدلاً من النهج الدفاعي التقليدي، بعد أن غيرت تلك الدول سياساتها الخارجية لتميل نحو المزيد من التدخل على أصداء الربيع العربي.

المصادر

تحميل المزيد