«هل سيشاهد العالم بصمت حصول مجزرة أخرى مثل سيربرينتسا (في البوسنة) وتطهير عرقي ضد المسلمين في كشمير؟ أريد أن أحذر المجتمع الدولي من أن السماح بحصول ذلك ستكون له تداعيات وردود فعل قاسية في العالم الإسلامي».

من خلال تغريدته السابقة، حاول رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، تعبئة الدول العربية والإسلامية لاتخاذ موقف ضد قرار الهند إلغاء الحكم الذاتي عن إقليم كشمير المتنازع عليه.

وينبع أمل رئيس الوزراء الباكستاني، من أن بلاده ارتكزت على دعم شبه جماعي من الدول العربية وخاصة الخليجية في قضية كشمير، حتى أن «منظمة التعاون الإسلامي» كانت تعتبر منصة لإسلام آباد تحشد من خلالها الدعم العربي والإسلامي ضد الهند.

لكن عمران ينتابه الآن الخوف من أن وضع الدول العربية والإسلامية وتغير مواقفها، هو ما دفع قادة الهند في أن يروا أن الوضع الحالي يصُبُّ في مصلحتهم، إذ لا يمكن لباكستان إلا أن تفسر فعل الحياد الخليجي الغالب الآن على أنه موقف موال للهند ضمنيًا، موقف يدفع نيودلهي للرد بصوت مرتفع على أي ضغوط أجنبية تتعلق بموقفها من الإقليم، باعتبار أن ذلك شأن هندي داخلي.

«المنطقة على صفيح ساخن».. الهند تلغي الحكم الذاتي لكشمير

منذ استقلالهما عن بريطانيا عام 1947، استمر النزاع بين الهند وباكستان على إقليم كشمير، وفي إطار هذا النزاع خاضت البلدان ثلاثة حروب  في الأعوام 1948 و1965 و1971، سقط فيها نحو 70 ألف شخص من الطرفين.
وبسبب معاناة الشطر الخاضع للهند وهو ولاية «جامو وكشمير» من الممارسات الهندية، إذ قُتل منذ عام 1989 أكثر من 100 ألف كشميري، وتعرضت أكثر من 10 آلاف امرأة للاغتصاب، يطالب سكان الإقليم بالاستقلال عن الهند ضد ما يعتبرونه «احتلالًا هنديًا» لمناطقهم.

جنود من الجيش الهندي يقومون بدورية أثناء حظر التجول في جامو في 16 فبراير (شباط) 2019

بيد أن التوترات التي اندلعت في منتصف شهر فبراير 2019 سجلت محطة هامة في هذا النزاع، إذ وقع أخطر نزاع عسكري في جنوب آسيا منذ أكثر من عقد، حين شن هجوم أسفر عن مقتل 41 شرطيًا على الأقل؟ وردًا على ذلك شن سلاح الجو الهندي غارات على معسكر لتنظيم «جيش محمد» الباكستاني المتهم بتنفيذ الهجوم، فيما قامت إسلام آباد بإسقاط مقاتلتين هنديتين.

تلاشت تلك التوترات بين الخصمين النوويين في جنوب آسيا بعد أيام من اندلاعها، إلى أن أعلنت الهند في الخامس من أغسطس (آب) الحالي إلغاءها المادة 370 من الدستور التي تمنح الحكم الذاتي لولاية «جامو وكشمير»، ثم سارعت بفرض إغلاقًا على هذا القسم وقيدت حرية الحركة وأغلقت شبكات الهاتف والإنترنت، وزادت نيودلهي من وجودها العسكري في المنطقة، وفرضت حظر التجول، واحتجزت قادة سياسيين كشميريين.

وردًا على ذلك؛ قررت باكستان طرد السفير الهندي لديها واستدعت سفيرها لدى نيودلهي، في إطار تخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع الهند وتعليق الاتفاقات التجارية الثنائية معها، بل لم يقتصر الأمر على التحركات السابقة، إذ قتل ثلاثة جنود باكستانيين وخمسة جنود هنود في تبادل لإطلاق النار على الخط الفاصل بين شطري كشمير، وتستمر المناوشات بين القوات الباكستانية والهندية في المنطقة.

ويتخوّف سكان الإقليم بعد قرار إلغاء الحكم الذاتي؛ من سعي نيودلهي إلى إحداث تغيير ديموغرافي في كشمير، إذ يسمح القرار الهندي لغير سكان الإقليم و بخاصة الهندوس، بشراء الأراضي في المنطقة، كذلك سيؤدي القرار إلى فقدان حق الأهالي في الوظائف والمنح الدراسية.

«واشنطن بوست»: إلغاء هذه المادة من دستور الهند وراء العنف في كشمير.. تعرف إليها

ترقص على كل الحبال.. الرياض لا تريد أن تكون طرفًا في النزاع على كشمير

تقيم السعودية علاقات قوية مع باكستان، فطالما دعمت الرياض باكستان في خلافاتها مع الهند، بيد أن موقف السعودية آخذ بالتغير من كشمير، فقد أصبحت المملكة في مقاربتها الإقليمية لجنوب آسيا تعتبر نزاع كشمير قضية هندية باكستانية يتعين على الجانبين حل المشاكل المتعلقة بها عبر حوار شامل، وقد ظهر ذلك بشكل جلي إثر أحداث فبراير 2019 آنفة الذكر.

مودي يحتضن بن سلمان خلال زيارة الأخير للهند

وتوجت الرؤية السعودية المتغيرة مع زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لباكستان والهند في الشهر ذاته، ففي هذه الزيارة تعهد ابن سلمان  باستثمار 20 مليار دولار في باكستان، إلا أن ولي العهد السعودي الذي أخذ ببناء علاقات مع دول أخرى في آسيا تعهد أيضًا بـ100 مليار دولار من المحفظة السعودية للهند التي تعد أكبر شريك تجاري للسعودية فيما يخص النفط الخام.

ثم جاء إعلان شركة «أرامكو» السعودية عن استثمار 15 مليار دولار في شركة صناعة البترول «ريلاينس إندسترز ليمتد» الهندية، بالتزامن مع إلغاء الهند الحكم الذاتي لكشمير، ضربة قوية لباكستان، فبموجب الاتفاق ستشتري السعودية نسبة 20% من الشركة، التي تعد من كبرى الشركات الهندية، مما يعد استجابة من الرياض لمحاولات مودي التقرب منها لإنقاذ اقتصاده.

وحسب تقرير «نيويورك تايمز» الأمريكية فإن: «تبني السعودية للهند يأتي على حساب باكستان، التي تعد الصفقة ضربة لها، خاصة أن رئيس وزرائها عمران خان حاول دون جدوى تعبئة الدول الإسلامية لمعارضة قرار مودي، الذي ألغى فيه وضعية الإقليم شبه المستقل لجامو وكشمير، وهي الولاية الهندية الوحيدة ذات الغالبية المسلمة».

ويضيف تقرير الصحيفة: «المال السعودي سيساعد شركة «ريلاينس» على دفع الديون التي تحملتها بسبب هذه الاستثمارات، وتلك الصفقة تعبر عن انتصار سياسي لمودي، الذي قامت إدارته بوضع الكثير من التنظيمات لمساعدة تلك الشركة التي يدعم صاحبها سياسات مودي كلها».

وتؤكد صحيفة «أسيا تايمز» أن: «سياسة المملكة العربية السعودية بشأن كشمير يمكن أن تتواصل، غير أن مخاطرة الهند باتخاذ قرارات تفاقم الوضع المتقلب بالفعل، يزيد من احتمالية قيام تمرد واسع النطاق يؤدي إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، ما سيؤدي إلى وضع المملكة العربية السعودية في موقف صعب بشأن العلاقات مع الهند وكذلك باكستان».

كما لا يمكنا تجاهل حقيقة أن التوترات في كشمير، حولت المنطقة لمجال تنافس بين الرياض وأنقرة وطهران، إذ يرى الباحث في الدراسات الأمنية وشؤون الشرق الأوسط، أحمد الباز، أن الرياض تثبت تواجدها في منطقة نفوذ تاريخي، وأنقرة تعمل على ممارسة دور المدافع عن حق دولة إسلامية بغرب آسيا، وطهران تأمل أن تستميل باكستان إلى صفها،  وأن هذا تسابق على ضمان مناطق النفوذ المميزة سياسيًا وتجاريًا وممرات العبور.

ويضيف الباز خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «لو أعطت الرياض ظهرها لإسلام أباد فإن طهران ستفتح ذارعيها لها، والرئيس الباكستاني عمران خان على استعداد لذلك، وبناء على ذلك، فإن ما يظهر من السعودية تجاه قضية كشمير هو محاولة أولية لتخفيض مستوى التوتر، فإذا ما أعلنت السعودية دعمًا مباشرًا لباكستان فإنها تخلق تهديدًا شرقيًا يضاف إلى التهديد الذي يطال عمقها الجنوبي من اليمن، ما يدفع السعودية إلى ضرورة وزن القرارات المتخذة بالحياد أو التهدئة من ناحية الرغبة في عدم اندلاع أزمة عسكرية، وإن اندلعت هذه الأزمة ألا تكون السعودية طرفًا فيها».

لماذا غيرت الإمارات موقفها من قضية كشمير؟

تشهد الفترة الحالية نموًا متسارعًا في العلاقات بين أبو ظبي ونيودلهي، فالإمارات هي ثالث أكبر شريك تجاري للهند ورابع أكبر مورد للطاقة إلى الهند، والإمارات السبع هي موطن للجالية الهندية الأكبر (3.3 مليون نسمة) في منطقة الخليج.

Embed from Getty Images

ولي عهد الإمارات يحتضن مودي

وتذكر مجلة «ديبلومات» اليابانية، أن: «أحد الأسباب هو أنَّ الهند تُمثِّل شريكًا تجاريًا أكثر أهميةً من باكستان لدول الشرق الأوسط؛ فحجم الاقتصاد الهندي يُساوي تسعة أضعاف الاقتصاد الباكستاني؛ لذا تُوفِّر الهند فرصًا أكبر للتجارة والاستثمار»، وتضيف الصحيفة: «على النقيض، يُعد وضع باكستان الاقتصادي ضعيفًا وواهنًا نسبيًا، لدرجة أنَّ حكومتها اضطرت للبحث عن قروض طارئة من الصين والسعودية أوائل العام الجاري، بلغت قيمة كلٍّ منها حوالي مليارَي دولار».

وتعتبر أبو ظبي الهند ودول جنوب آسيا وسيلة لتعميق التعاون في مجال الطاقة بما يتجاوز تصدير النفط الخام إلى المنطقة،  ويضع هذا المستوى من التعاون التجاري الإمارات والسعودية في موقف قوي لتزويد الهند بصادرات إضافية من النفط الخام، وقد كانت الهند من أوائل الدول التي حرصت السعودية والإمارات على طمأنتها بإمدادات بديلة بعد توقف الصادرات الإيرانية، إذ أرسلت الإمارات وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان للهند لمناقشة قضية أمن الطاقة بسبب العقوبات على إيران.

وسرعان ما طمأن وزير الدولة الإماراتي والرئيس التنفيذي لشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، سلطان أحمد الجابر، الهند، باستمرار إمدادات النفط بعد التوترات في مضيق هرمز، حيث تعرضت ناقلتا نفط  إلى حادثين منفصلين في خليج عمان.

وقد شكل موقف الإمارات من إعلان الهند إلغاء الحكم الذاتي لكشمير صدمة، إذ سرعان ما وصف سفير الإمارات العربية المتحدة لدى الهند أحمد البنا القرار بأنه: «شأنٌ داخلي سيُساعد في تحسين كفاءة وفعالية الإدارة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة».

ويرى المراقبون أن الإمارات التي تدفع بدبلوماسيتها للاضطلاع بدور في جنوب آسيا ليس من مصلحتها رؤية استثماراتها تتبدد في حالة حدوث تصاعد عنيف في النزاعات الإقليمية، ويقول  الباحث في الدراسات الأمنية وشؤون الشرق الأوسط، أحمد الباز، أن الإمارات كانت دائمًا مؤيدة للحل السلمي في كشمير والحد من توتر الأزمة، وهو ما يتضح من متابعة العديد من المخاطبات بين الطرف الباكستاني والإماراتي لعقود مضت، والحديث حاليًا عن أن الإمارات تعطي ظهرها لباكستان ووجهها للهند لا يضع في الاعتبار المتغيرات الدولية الحاصلة خلال السنين الفائتة.

ويوضح الباز خلال حديث لـ«ساسة بوست» أنه: «قبل ذلك كانت العلاقات الإماراتية مع باكستان أكثر عمقًا من علاقات الإمارات مع الهند، بالإضافة إلى أن الهند كانت حليفًا قويًا لإيران ما تسبب في كبح العلاقات الإماراتية الهندية عن التحول إلى منطقة أكثر عمقًا. إلا أن التحول الحاصل في العلاقات الهندية الإماراتية حاليًا يجعلها أكثر قوة وصداقة وهو تحول يفرض نفسه على الموقف الإماراتي بأن وفر فرصة جيدة لاستثمار هذه الصداقة لإقناع الهند بالوصول الى حل سلمى للأزمة».

تصطاد في المياه العكرة.. هكذا تحرض إسرائيل الهند على باكستان!

المصادر

تحميل المزيد