سلّطت عدّة مصادر صحافيّة الضوء على التمويل السخيّ لعدّة دول خليجيّة للجامعات الكبرى في كل من الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وقد أدرجت في هذا الصدد أرقامًا فلكيّة شكّلت صدمة للكثير من المتابعين، إذ تحدّثت «الفاينانش تايمز» عن أن التمويل الخليجي لهذه المؤسسات قد بلغ 2.2 مليار دولار منذ سنة 2012، وهو المبلغ الذي فاق ميزانيّة دولة بأسرها مثل موريتانيا التي بلغت ميزانيّتها 1.4 مليار دولار في سنة 2018. هذا التوجّه الخليجي لتمويل الجامعات الكبرى يطرح عدّة تساؤلات حول دوافعه وحيثياته، وعمّا إذا كانت هذه المقاربة هي الاستثمار الأنسب لأموال النفط، في حين تعاني منطقة الخليج والعالم العربيّ من مشاكل وأزمات قد تشكّل أولويّة أكثر استعجالاً من تمويل المؤسسات التعليميّة الغربيّة بمبالغ طائلة كهذه.

قوّة ناعمة أم رشوة مقنّنة؟ المال الخليجي يُغرق مدرّجات الجامعات الغربيّة

أعادت حادثة احتجاز طالب الدكتوراه البريطاني ماثيو هيدجز خلال رحلته إلى الإمارات إلى الواجهة موضوع التمويل الخليجيّ للجامعات الأمريكيّة والإنجليزية، وقد احتجز هيدجز لستّة أشهر وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة التجسس قبل أن تتدخل السلطات البريطانية لدى الإماراتيين الذين أفرجوا عنه.

وقد بدأت العديد من الجامعات الكُبرى تضع حدًّا لـ«شهر العسل» بينها وبين الأنظمة الخليجيّة في الفترة الأخيرة، وذلك بسبب حادثتيْن رئيسيّتين، الأولى هي واقعة اعتقال ماثيو هيدجز في الإمارات والتي جعلت الكثير من الباحثين الغربيّين يتخوّفون من المصير نفسه ويشعرون بعدم الأمان من العمل في هذا المحيط الخطِر الذي لا يضمن الحريّة الأكاديميّة، والثانية هي حادثة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في السفارة السعودية بإسطنبول، والتي جعلت الكثير من المؤسسات التعليميّة الأمريكيّة بالخصوص تعيد مراجعة علاقاتها وتمويلها القادم من الجهات الرسميّة السعوديّة من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان وحريّة التعبير.

الخليج

محمد بن سلمان يزور جامعة هارفرد الأمريكية – المصدر: sustg.com

«هذه الحادثة ستجعلنا أكثر حذرًا من مصادر تمويلنا ومن نقبل منه الإعانات». *ويليام غرانادا – مدير مركز الدراسات الشرق أوسطية في هارفرد

 

وقد بلغت قيمة مساهمات الدول الخليجية الستّ: قطر والسعودية والكويت والإمارات وعُمان والبحريْن رقمًا فلكيًّا يقدّر بحوالي 2.2 مليار دولار للجامعات الأمريكيّة منذ سنة 2012 حسب إحصائيّات وزارة التعليم الأمريكيّة، وهو ما يمثّل رُبع الإعانات الخارجية لهذه المؤسسات، وتصدّرت قطر الدول الخليجيّة بتبرّعات وصلت إلى 1.3 مليار دولار، ثم السعوديّة بحوالي نصف مليار دولار، والإمارات بـ213 مليون دولار. أما في بريطانيا فتقدّر بعض الأبحاث حجم المساهمات المالية للمؤسسات التعليميّة بـ70 مليون جنيه إسترليني ما بين العامين 1997 و2007 فقط، ويرجّح أن تكون الأرقام إلى غاية هذه السّنة قد ارتفعت بشكل كبير.

 

وتُطرح في الميدان الأكاديمي إشكاليّة مدى تأثير مثل هذا التمويل على نزاهة البحث العلمي وموضوعيّته وعدم تأثير مصادر تمويله على سير البحث ونتائجه والمواضيع التي يتناولها، ويُذكر في هذا السياق، الموضوع الحسّاس الذي كان يبحثه ماثيو هيدجز المتّهم مؤخّرًا من قِبل الإمارات بالتجسس- حول التطوّر العسكري في منطقة الخليج بعد أحداث الربيع العربي سنة 2011.

وعن أسباب هذا التمويل الخليجي السخيّ للجامعات الكُبرى، يرى بعض الأكاديميين أنّ الدول الخليجية تحاول خلق فضاء للنفوذ داخل هذه الأوساط الأكاديميّة، بالخصوص من خلال مراكز الدراسات الشرق أوسطية، التي تموّل الكثير منها السعودية والإمارات.

 

أحد الدوافع أيضًا تتمثّل في ضمان وصول طلبة من الدول الخليجيّة في هذه الجامعات العريقة، وكانت مؤسسة «مسك» الخيرية التابعة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد قدّمت منحة لـ30 طالبًا سعوديًا للالتحاق بالبرنامج الصيفي لجامعة هارفرد الأمريكيّة.

 

وقد سعت البلدان الخليجيّة لافتتاح فروع لهذه الجامعات الكُبرى المصنّفة في المراتب الأولى عالميًّا في بلدانها خلال السنوات الأخيرة، إذ افتتحت كلّ من جامعة «جورج تاون» و«تكساس» و«يو سي إل» البريطانيّة في قطر، كما افتتحت كلّ من جامعة نيويورك و«السوربون» الفرنسيّة فروعًا لها في أبو ظبي حسب المصادر الصحافيّة.

 

لكن هذه المبالغ الضخمة التي تصرفها الدول الخليجيّة باعتبارها «قوّة ناعمة» لتشكيل نفوذ لها داخل أروقة الجامعات الأجنبيّة، من أجل استخدامها إمّا في الصراع بين دول الخليج نفسها كما حدث في الأزمة الخليجيّة الحاليّة، أو في التأثير على سير أبحاث هذه المؤسّسات، والتي تُعادل ميزانيّة عدّة دُول، يمكن استخدامها لعلاج مشاكل عميقة تعانيها الدول العربيّة وإنجاز مشاريع أكثر مردوديّة؛ فما الذي يمكن إنجازه بـ2.2 مليار دولار؟

 

يمكن لربعها أن يحلّ أزمة المياه في غزة

يعيش قطاع غزّة في السنوات الأخيرة أزمة مياه وصرف صحيّ خانقة، والتي فاقمت الحروب المتتاليّة مع الاحتلال الإسرائيليّ من فداحتها، إذ إن أزمة المياه في غزّة ليست حديثة، ففي تقرير للبنك الدولي في سنة 1997 حذّر من هذه الأزمة ووصفها بأنّها «مستعجلة»، ولكن الكثافة السكّانية التي تعدّ من بين الأعلى في العالم بـ4.5 آلاف نسمة في الكيلومتر المربّع بالإضافة إلى الحصار الذي يعيشه القطاع أدّى إلى تسارع هذه الأزمة وتفاقم حدّتها.

Embed from Getty Images

 

وتعدّ المياه الجوفية هي المصدر الرئيس للمياه في القطاع المحاصر بنسبة 98%، فيما تأتي 2% المتبقية من شركات المياه الإسرائيليّة. وتعاني المياه الجوفية في القطاع من نسب عالية من النيترات ممّا يجعلها غير قابلة الاستعمال، وهو ما فاقم من الأزمة، كما أنّ نسبة إصابة الأطفال بالإسهال قد تضاعف في السنوات الأخيرة بسبب تلوّث المياه وغياب الصرف الصحيّ، وبسبب ذلك تقول عدّة منظمات حقوقيّة أنّ العيش في غزّة سيصبح مستحيلاً في سنة 2020.

 

ورغم حدّة الأزمة التي تعيشها غزّة جرّاء الحروب والحصار المطبق على القطاع إلاّ أن تقارير لهيئة الأمم المتحدة لسنة 2015 تشير إلى أنّ الإصلاح بعيد المدى للبنية التحتيّة المستخدمة في المياه والصرف الصحّي تحتاج إلى ما قيمته 620 مليون دولار، من أجل إعادة إصلاحها، وهو ما يشكّل حوالي رُبع المبلغ الذي دفعته البلدان الخليجيّة للمؤسسات الجامعيّة الغربية منذ 2012 فقط.

 

قد تنتشل نصف اليمنيين من المجاعة

تشير تقارير المنظمات الانسانيّة إلى أنّ الوضع الإنسانيّ في اليمن أسوأ من المتوقّع، فبالإضافة إلى انتشار مرض الكوليرا والمجاعة بسبب الحرب التي تقودها السعودية إلى جانب التحالف العربي ضد الحوثيين، أدّى انهيار العملة المحليّة إلى ارتفاع أسعار الطعام بشكل صاروخيّ، ممّا ألحق 1.5 مليون إلى مليونيْ يمني بشبح المجاعة. وقد وصف حقوقيّون المجاعة التي يعيشها اليمن في السنوات الأخيرة بأنّها الأسوأ في العالم خلال 100 سنة الماضية، فقد تأثّر بها حوالي 14 مليون شخصٍ، الشريحة الأكثر تضرّرًا من الأطفال. بالإضافة إلى انتشار مرض الكوليرا الذي أودى بحياة أعداد مهولة.

Embed from Getty Images

المجاعة في اليمن قد أصابت الأطفال بشكل استثنائي

 

وقد طالبت الأمم المتحدة أعضاءها من دول العالم على لسان منسّقها للحملات الإغاثية بجمع مبلغ 3 مليار دولار هذه السنة من أجل معالجة آثار الحرب والمجاعة التي تغرق فيها اليمن، ورغم أنّ السعودية كانت في السنوات السابقة من بين أكثر الدول المتبرّعة لبرامج الأمم المتّحدة الإنسانية كـ«برنامج الغذاء العالمي» و«اليونيسكو» وغيرها، إلاّ أنّ هذه التبرّعات تبقى محدودة للغاية خصوصًا إذا علمنا أنّ السعوديّة والإمارات وحلفاءهما هم أحد المتسببين الرئيسيين في هذه الكارثة الإنسانيّة بسبب تدخّلهم العسكري في اليمن الذي أدّى إلى نزوج الملايين ووفاة أكثر من 10 آلاف ضحيّة، بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ما تبرّعت به البلدان الخليجيّة يبقى أقلّ بكثير من الأموال التي دفعتها للجامعات الغربيّة منذ سنة 2012 فقط.

يمكنها مكافحة الفقر في الخليج نفسه

كثيرًا ما تُعرف الممالك الخليجيّة بثراء سكّانها وارتفاع مستوى المعيشة فيها مقارنة بباقي الدول العربيّة، لكن الوقائع والأرقام قد تعكس حقيقة مغايرة لتلك التي يروّج لها الإعلام أحيانًا. فخلال زيارة للمقرّر الخاص للأمم المتّحدة المكلّف بملفّ الفقر المدقع وحقوق الإنسان فيليب ألستون، أعرب عن «صدمته» من مستوى الفقر الذي شاهده في بعض المناطق بالسعودية، وهو ما يعكس تفاوتًا في الوضعية الاقتصاديّة للمملكة حسب المناطق المختلفة، خصوصًا في جنوب غرب السعودية التي زارها المسؤول في الهيئة الأمميّة.

Embed from Getty Images

الفقر في اليمن

الإنفاق السخيّ من طرف الممالك الخليجيّة على المؤسسات التعليميّة الغربيّة، يُقابله تجاهلٌ لواقع الفئات الفقيرة في بلدانهم، الذين يعدّون الأحوج لمثل هذه النفقات لانتشالهم من الحرمان وضيق العيش، الذي يتسبّب في عدّة أمراض ومشاكل اجتماعيّة قد تتفاقم إلى معضلات تصعب معالجتها. وتشير عدّة تجارب في العالم إلى أنّ القضاء على الفقر المدقع يبقى ممكنًا، إذ إن هنالك العديد من البلدان التي استطاعت أن تحقّق قفزات هائلة في هذا المجال، ويشير الخبراء إلى التجربة الأندونيسيّة في هذا البلد الذي يعدّ الرابع عالميًا من ناحية عدد السكّان، والذي كان أكثر من نصف سكّانه فقراء قبل 20 عامًا، استطاع بعد هذه الفترة أن يخفّض نسبة الفقر المدقع إلى حوالي 8% فقط، كما تُضيف المصادر إلى أنّه يمكن انتشال هذه النسبة المتبقية من الفقر المدقع بتكلفة تقدّر بـ700 مليون دولار فقط.

أرقام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (undp) أشارت إلى أنّ نسبة الفقر المدقع في المنطقة عربية يتراوح بين 4.1 إلى 7.4%، وبالتالي فإن عددهم يتراوح بين 16 مليون و30 مليون شخص، وتوضّح أن أغلبه ناتج عن الصراعات التي تعيشها المنطقة في السنوات الأخيرة. ورغم ضخامة هذه الأرقام، إلاّ أن تجارب عدّة بلدان تشير إلى أنّ تكلفة انتشال نسب كثيرة من السكّان من الفقر المدقع تبقى ممكنة للغاية، إذ إن تعريف من يعيشون في فقر مدقع لدى الكثير من المؤسّسات هم الأشخاص الذين ينفقون أقلّ من 1.25 دولار أمريكي في اليوم. وفي الوقت الذي تنفق فيه الدول الخليجيّة أموالاً طائلة على المؤسسات التعليمية الأمريكية والبريطانيّة، فإنّ هذه الأموال من الممكن أن تلعب دورًا رئيسيًا في انتشال الآلاف من مواطنيها من دائرة الفقر، وقد كانت مصادر صحافيّة أمريكيّة قدّرت نسبة الفقراء في السعودية ما بين 2 و 4 مليون مواطن.

المصادر

تحميل المزيد