على بعد حوالي 20 كيلومترًا شرق مدينة «كاسيو» بإيطاليا، توجد «مقبرة فينافرو» التابعة للإدارة الفرنسية، ترقد فيها جثامين آلاف الجنود، معظمهم من المغاربة، الذين ضحوا بحياتهم من أجل تحرير فرنسا وأوروبا من قبضة النازية.

خلال الحرب العالمية الثانية جنّد المستعمر الفرنسي عشرات الآلاف من الرجال من مستعمراته المتفرقة، وكان من بينها المغرب، واستعمل المجندين في جبهات قتال مختلفة، منها جبهات المواجه مع النازيين، وقُتل من هؤلاء المجندين الكثيرون ونجا آخرون ليجلبوا معهم ذكرى المأساة ليحكوها لأحفادهم.

مغاربة يقاتلون ضد النازية في إيطاليا

مباشرة بعد يومين من اندلاع الحرب العالمية الثانية، أصدر السلطان محمد الخامس في 3 سبتمبر (أيلول) 1939 بيانًا ملكيا تمت تلاوته في المساجد، دعا فيه المغاربة إلى الدفاع عن فرنسا في المعارك التي ستخوضها إلى جانب الحلفاء ضد النازية والفاشية. ونتيجة لذلك، توجه المجندون المغاربة أو «الكوم» كما يطلق عليهم، للقتال مع فرنسا وقوات الحلفاء ضد قوى المحور، بأعداد تناهز حوالي 85 ألف جندي.

في البداية حارب المجندون القبليون المغاربة في تونس، ثم نُقلوا إلى صقلية بإيطاليا، للمشاركة مع القوات الفرنسية والأمريكية في الحملة الإيطالية من ديسمبر (كانون الأول) 1943 وحتى يونيو (حزيران) 1944، في ما يسمى بعملية «هاسكي».

هدفت العملية إلى اختراق الحصن الألماني المنيع المعروف باسم «خط غوستاف» الذي يضمُّ سلسلةً من التحصينات والحواجز الدفاعية الألمانية على امتداد يزيد عن 150 كيلومترا، استنفد الأمريكيون محاولاتهم لاقتحام القمم الجبلية المحصنة، والتي حرستها قوات النخبة الألمانية، ولكن دون تحقيق تقدم يُذكر. فجلبت المزيد من وحدات شمال إفريقيا المخضرمة، وشكّلت قوات الحلفاء فيلق هبوط من مقاتلي شمال أفريقيا من حوالي 6 آلاف رجل، بأوامر من الجنرال الفرنسي هنري مارتن.

كُلف المقاتلون المغاربة بالسيطرة على قمة «كاسينو» التي تمثل قلب خط غوستاف الدفاعي، محصنة بحواجز إسمنتية ومواقع مدفعية وأسلاك حديدية شائكة، بالإضافة إلى حقول ألغام وخنادق، وكان على الجنود المغاربة تسلق المنحدرات الموحلة والمغطاة بالثلوج قبل السيطرة على القمم المعرضة لقذائف المدفعية الألمانية.

جزء من خريطة إيطاليا، الخط الأحمر يمثّل خط غوستاف الدفاعي. مصدر الصورة: ويكيبيديا

شارك في تلك المعارك الجندي المغربي إدريس بن عمر العلمي، بعمر 21 عامًا، ويستحضر تجربته قائلا:«كان الأمر صعبًا جدًا لأنها كانت في تضاريس صعبة للغاية، كانت هذه هي المرة الأولى التي أشترك فيها في الحرب، و أول مرة سمعت فيها سقوط القذائف والرصاص. وقد تكبدنا خسائر فادحة إلى حد ما بسبب مقاومة الألمان الشرسة وأيضًا بسبب الثلوج».

نجح مقاتلو الكوم في مطاردة الألمان ووصلوا إلى مدينة روما، حيث خاضوا هناك آخر معاركهم في إيطاليا ضد النازيين والفاشيين التابعين لنظام موسيليني. بعد ذلك، انتقلوا إلى مدينة نابولي للانطلاق مباشرة من جنوب فرنسا لمحاربة الألمان فيما سمّي بعملية التنين.

كانت خسائر البعثة العسكرية الفرنسية كبيرة في معركة إيطاليا، معظمُ منتسبي البعثة من المغاربة، وتقدر خسائرها بحوالي 6 آلاف و577 قتيلًا، وأكثر من ألفي مفقود و23 ألف جريح، بالإضافة إلى مئات الضحايا الذين أصيبوا بأمراض أو تعرضوا لحوادث.

من هم مقاتلو الكوم؟

في الوقع يعود أصل المجندون الكوم (Goums) إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين جنّد المستعمر الفرنسي المرتزقة والمتطوعين والمُجبرين من السكان القبليين المحليين، لاستعمالهم في إخضاع المقاومة القبلية الشديدة التي اعترضت جيش الاستعمار الفرنسي في جبال الأطلس والمغرب الشرقي، مثل قبائل أيت وارين، وآيت صغرون، وإمرموشن، وإيشقرن، وإيزيان، وآيت يحيى.

كان مجندو الكوم محاربين قبليين أيضًا، وجربوا شظف العيش والبيئة القاسية، ولذا كانت شدتهم لا تقل عن القبائل الأطلسية، وكانوا سلاحًا فعالًا بيد المستعمر يستعمله لمكافحة المقاومة، خصوصًا مع ولائهم المخلص لضباطهم الفرنسيين. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية لم تتردد فرنسا في استعمالهم في حربها ضد الجيش الألماني.

تألف الكوم من مزيج من العرب والأمازيغ، إلا أنهم تشاركوا ظروف العيش في الغابات والجبال، وعُرفوا بمظهرهم البدوي، وعادة كانوا حليقي الرأس مع ضفيرة متدلية من الشعر، ويلبسون الجلابيب الخشنة، ودأبوا لعقود على أسلوب حياة بسيط ومنعزل في منطقة الأطلس والمغرب الشرقي يميزهم عن باقي المغاربة في المناطق الأخرى، وفي غالبهم ليس لديه مشكلة للتطوع في الحرب لقاء الطعام، الحرب بالنسبة لهم أسلوب حياة.

نشر المفتش العام الفرنسي موريس كاملان تقريرًا عن تجربة هذه الفصيلة العسكرية في الحرب العالمية الثانية، مُشيدًا بنقاط قوتهم مثل قدرتهم على الاستطلاع والحرب السريعة والتكيف في المناطق الجبلية الوعرة، ولكنه قال أيضًا إنهم افتقدوا الإبداع والارتجال في غياب ضباطهم الفرنسيين، وكانوا يحتقرون الدبابة بسبب ازدرائهم لفكرة القتال مختبئا داخل آلة.

مقاطع مصورة قديمة تُظهر مقاتلي الكوم. 

كان لدى قسم منهم أيضا جانبٌ وحشيٌ ملحوظ، حسب بعض المذكرات المؤرخة لتلك الحقبة، تروي حوادث اغتصاب ونهب في الريف الإيطالي قام بها مقاتلو الكوم في أوقات الفراغ.

وعلى إثر ذلك هذه الأحداث حكم بإعدام 15 مجندًا مغربيًا، وحكمت السلطات الفرنسية على 54 منهم بالسجن، وقررت قوات الحلفاء جلب نساء من شمال أفريقيا إلى إيطاليا على متن سفينة بحرية أمريكية لتفادي تكرار حوادث الاغتصاب، وكان مقاتلو الكوم الجنود الوحيدين في الحرب العالمية الثانية الذين جلبوا نساءهم معهم.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1945، برزت حركات الاستقلال والتحرر في المغرب وفي مختلف بقاع العالم، وتم تسريح الجنود الكوم رسميًا من الجيش الفرنسي، ليعودوا مرهقين مصابين من الحرب إلى قراهم الفقيرة.

لماذا شارك المجندون المغاربة في حرب لا تعنيهم؟

في كثير من الأحيان يُروج إلى أن مشاركة المجندين المغاربة إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، تدخل في إطار النضال من أجل السلم والدفاع عن الحرية والديمقراطية المهددة من القوى النازية والفاشية، والحقيقة أن المجندون الكوم كانوا أميين، وبعيدين تمامًا عن إدراك مثل هذه الأمور؛ مما يثير التساؤل حول سبب مشاركتهم في حرب بعيدة عن وطنهم.

خلال فترة الاستعمار وقبلها، كان العالم القروي في المغرب يضم معظم الشعب المغربي في تلك الفترة، وكانوا يعيشون في فقر مدقع على نمط عيش فلاحي بدائي، يهددهم الجوع، والعطش، والبرد على الدوام، ويقتاتون على ما جادت به الأرض، محرومين من امتيازات المدن التي عززها المستعمر من طرق ومستشفيات ومدارس وصرف صحي، ومنغلقين في عالمهم البدوي البسيط.

وعندما أُعلنت حملات التجنيد للمشاركة في الحرب في الأسواق والمساجد تقدّم الكثير من الرجال القرويين طواعية، ولا سيما وأن الإعلان جاء في وقت الشتاء بعد حصاد سيء، وهو ما مَثّل بالنسبة للعديد منهم مهربا من الجوع، ولم يكن الأمر غير معتاد بالنسبة لهم، فقد كانت السلطات الفرنسية تجندهم في مناطقهم لمكافحة المقاومة.

صورة تاريخية لثلاثة من مقاتلي الكوم المغاربة. المصدر: تقرير استخباراتي أمريكي

بينما أرغم آخرون على التجنيد خوفًا من جبروت القياد والوجهاء والأعيان المحليين، الذين كانوا أداة البطش التي يستعين بها المستعمر الفرنسي في الحكم لضبط سكان القرى. وعادة ما كانوا هؤلاء المتعاملين مع المستعمر يحشدون الرجال والأطفال للتجنيد بالتهديد والوعيد، إرضاء لرغبات السلطة الفرنسية وحاجتها لمزيد من الجنود في حروبها.

وبالتالي في المجمل كان خليط من الخوف والجوع والجهل يطبع المجتمعات القبلية القاطنة بمنطقة الأطلس والمغرب الشرقي، وهو ما دفع بقسم من القبليين المغاربة إلى التجنيد في مشاة الجيش الفرنسي والذهاب لقتال حروب بعيدة.

كان عدد المجندين المغاربة الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية حوالي 85 ألف، لقي منهم 12 ألف حتفه، علاوة على آلاف الجرحى والمصابين والمفقودين، وكان المغرب هو المستعمرة الوحيدة في شمال أفريقيا التي بذلت تلك الأعداد الهائلة من الرجال في الحرب.

وفيما يعتبرهم البعض «أبطالًا بلا مجد» ساهموا بلا وعي في دحر النظام النازي وفتح الباب لحركات التحرر لبلدهم وحول العالم، فإن آخرين يعدون جنود الكوم مجرد «أكباش فداء» وُظفوا في معارك دموية لا تعنيهم بالدرجة الأولى، لا سيما أن فرنسا لم تعوضهم ولا عوائلهم عن أضرار الحروب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد