قررت العداءة الأمريكية كاثرين سويتزر عام 1967، التسجيل في السباق الماراثوني السنوي التي تنظمه مدينة بوسطن الأمريكية، بالحرف الأول فقط من اسمها متبوعًا بلقبها العائلي «K, Switzer»، وفي يوم السباق نفسه، قررت أن تقص شعرها وترتدي زيًّا رياضيًّا يرتديه الذكور!

فعلت كاثرين ذلك لأن وقتها لم يكن مسموحًا للنساء في الولايات المتحدة بالمشاركة في رياضة العدو، لذلك قررت عدم التسجيل باسمها الأول حتى لا يُعرف أنها أنثى وتُرفض، ثم ارتدت زيًّا رجاليًّا حتى تتخفى بين المتسابقين؛ وعلى الرغم من أن القائمين على السباق اكتشفوا أمرها وحاولوا طردها من السباق، فإنها أكملت السباق وأصبحت أول امرأة تنهي سباقًا للعدو في تاريخ بوسطن؛ وألهمت الحركات النسوية في العالم، التي تطالب بالمساواة بين الجنسين في الرياضة.

على مر التاريخ اعتبرت الحركات النسوية البطولات الرياضية الدولية ساحة عالمية للترويج والدفاع عن معتقداتها ومطالبها بالمساواة بين الرجل والمرأة، ولا يمكن أن ننسى الحملة القوية التي قادتها لاعبات المنتخب الأمريكي منذ عامين للمطالبة بالمساواة في الأجر والجوائز المالية مع فريق الرجال.

إحدى مباريات رياضة الرجبي النسائية في أولمبياد طوكيو الحالية – مصدر الصورة: وورلد رجبي

وفي الدورات الأولمبية تحديدًا، تجد الحركات النسوية فرصة لمحاربة عدة مفاهيم سائدة مثل عدم إمكانية المرأة التأدية بشكل جيد في الألعاب التي تتطلب مجهودًا بدنيًّا قويًّا. فضلًا عن اشتراك عدد ضخم من الإناث من ثقافات ومجتمعات مختلفة يعانون من المفاهيم النمطية نفسها عن مشاركة الرياضة؛ ما يعد نقطة أداة فعالة للضغط في تحقيق مطالب الحركات النسوية.

وقد شاهدنا ذلك في الأيام الأولى لأولمبياد طوكيو 2020؛ عندما قرر فريق الجمباز النسائي الألماني التخلي عن الزي المعتاد الذي كان يندرج تحت المظهر الذي «يمنح الأنثى علامة الأنوثة الكاملة»، وقضية تميز الإناث وبالأخص الرياضيات منهم كانت وما زالت من أهم قضايا الحركات النسوية التاريخية في العالم.

نشاط الحركات النسوية في طوكيو ظهر قبل الأولمبياد!

في بداية دورة الألعاب الأولمبية المقامة حاليًا في العاصمة اليابانية طوكيو؛ أعلن فريق رياضة الجمباز النسائي الألماني؛ التخلي عن الزي التقليدي القصير الذي ترتديه دائمًا لاعبات الجمباز، واستبداله بزي طويل يغطي الجسم بالكامل، وعللوا ذلك بأن الأولوية يجب أن تكون للزي المريح الذي يساعدهن على الحركة؛ بدلًا من الزي القصير الذي يضفي نوعًا من التمييز الجنسي تجاه اللاعبات.

Embed from Getty Images

إحدى لاعبات الجمباز في المنتخب الألماني

دعمًا لهذه الحادثة؛ أعلنت شركة الطيران الأوكرانية «سكاي آب (Skyup)» منح المضيفات حرية الاختيار في استبدال التنورات الضيقة القصيرة وأحذية الكعب العالي بالملابس الواسعة والبناطيل الطويلة والأحذية الرياضية.

فيما انتشرت العديد من حملات الدعم العالمية على مواقع التواصل الاجتماعي للاعبة الرماية الكورية الجنوبية آن سان، التي تعرضت للهجوم العنصري والتمييز الجنسي من أحد معلقي البرامج الرياضية اليونانية وذلك بسبب قصة شعرها القصيرة التي قال عنها المذيع اليوناني إنها تشبه الرجال.

بروز النشاط النسوي في أولمبياد طوكيو بدأ قبل أن تبدأ الدورة؛ ففي فبراير (شباط) الماضي أي قبل الإطلاق بحوالي خمسة أشهر؛ أعلن يوشيرو موري رئيس اللجنة اليابانية المنظمة للأولمبياد والذي كان يشغل منصب وزراء اليابان سابقًا، استقالته من منصبه بعد أن ارتفعت الاحتجاجات العالمية ضده، مطالبة إياه بالاستقالة عقب تسريب حديث له في أحد الاجتماعات، قال فيه: «النساء كثيري الكلام، يهدرون وقتي الثمين»، واتهمته العديد من الجهات النسوية بأنه عنصري ومتحيز جنسيًا؛ ما دفعه للاعتذار والاستقالة في نهاية الأمر.

الحكم على الرياضيات بالمظهر! قضية نسوية تاريخية

في بطولة ويمبلدون النسائية للتنس عام 2000 كانت كل من اللاعبتين الروسية أنا كورنيكوفا صاحبة البشرة البيضاء، والأمريكية فينوس ويليامز التي تنتمي إلى العرق الأسود تتنافسان على لقب البطولة.

وتقول بعض التقارير الصحفية أنه وعلى الرغم من أن كورنيكوفا خسرت في الجولات التمهيدية؛ فإنها كانت أكثر المشاركات حصولًا على الأضواء الإعلامية، على عكس فينوس ويليامز التي فازت بالبطولة في النهاية. وعلى الرغم من اعتزالها اللعب مبكرًا وعدم حصولها على لقب دولي واحد؛ إلا أن كورنيكوفا تعد واحدة من أشهر لاعبات التنس في التاريخ؛ وذلك لسبب واحد بحسب المحللين؛ أنها تتمتع بـ«أنوثة فائقة».

Embed from Getty Images

أنا كورنيكوفا

على جانب آخر، فإن فينوس ويليامز التي تفوقت على كورنيكوفا في كافة البطولات، لم تكتف بما حققته من إنجازات شخصية؛ بل شكلت حركة نسوية في عالم التنس كي تطالب بحصول لاعبات التنس على الجوائز المالية نفسها، التي يحصل عليها اللاعبون الذكور، وقد نجحت حملة فينوس ويليامز عام 2007 في الحصول على قرار من الاتحاد الدولي للتنس بالمساواة بين الرجال والسيدات في الجوائز المالية.

في عام 2014 كانت موني دافيس على موعد مع كتابة التاريخ؛ إذ أنها كانت أول أنثى في التاريخ تلقي بكرة البيسبول الافتتاحية في البطولة الدولية للعبة، وانتشرت صورة شهيرة لها وهي ترمي بالكرة على العديد من أغلفة المجلات الرياضية العالمية.

 ولكن موني دافيس لم تكن سعيدة بهذه الصورة؛ وصرحت أنها كانت تتمنى أن يكون لها صورة أفضل من تلك التي تظهر فيها – كالسمكة المنتفخة – لأنها كانت تجمع قواها استعدادًا لقذف الكرة بعيدًا. وعلقت العديد من الصحف على تصريح موني بالاستهجان، لكن ليس ضد موني؛ بل ضد ثقافة الحكم على الفتيات في عالم الرياضة بناءً على مظهرهن وليس على إنجازاتهن الرياضية.

ويمكن أن ندعم تحليل الصحف لتصريح موني دافيس بالمثال التالي؛ ففي يونيو (حزيران) عام 2016، نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية نتيجة استطلاع رأي أجراه اتحاد الرياضات النسائية في بريطانيا، أشار إلى أن 75% من النساء المشاركين فيه يرغبون في ممارسة الرياضة الإحترافية؛ لكنهن يخشين الحكم عليهن فقط من خلال المظهر والقوة البدنية.

دمية «باربي» تشرح لك الأمر بصورة أفضل

يُنظر إلى الذكورة والأنوثة تقليديًا على أنهما مفهومان مختلفان متعارضان؛ مما يتسبب في تفضيل الأفراد عن بعضهم البعض عن طريق تصنيفهم على أنهم إما ذكوريين بالكامل أو أنثويين تمامًا. وتعبير الأنوثة ليس بالضرورة أن يكون ثابتًا في كافة المجتمعات، لكن بالنظر إلى الثقافة الغربية مثلًا سنجد أن تعريف الأنوثة يرتبط بتميز الأنثى ببعض الصفات المحددة مثل أن تكون المرأة مهذبة ومرحة وتمتلك جسدًا جذابًا ومميزًا.

الدمية «باربي» التي اشتهرت في المجتمع الأمريكي الشمالي في مطلع الألفينات؛ تقدم خير مثال عن نظرة الثقافة الغربية لمفهوم الكمال الأنثوي. فمثلًا عند اللجوء إلى قواعد التصميم الهندسي للدمى لكي تحول «باربي» الى أبعاد إنسان؛ سوف يصبح طولها حوالي 177 سنتيمتر، ولن يزيد وزنها عن 45 كيلو جرامًا، وسوف تتميز بخصر رفيع لن يزيد عرضه عن 25.5 سنتيمتر.

Embed from Getty Images

وبالنظر إلى تقارير مؤسسة الصحة الوطنية في الولايات المتحدة في الفترة بين 2003-2006؛ سوف نجد أن متوسط طول الأنثى البالغة، يصل حوالي 160 سنتمتر، ووزنها يفوق 70 كيلو جرامًا؛ فضلًا عن أن قياس خصرها يزيد عن حوالي 60 سنتيمترًا.

على الرغم من وجود أشكال مختلفة لباربي تشمل ارتداء ملابس من عدة رياضات مختلفة، مثل كرة السلة وكرة القدم والتزلج على الجليد، فإن التصميم الأشهر للدمية هو الذي ترتدي فيه الدمية ملابس قصيرة تظهر أنوثتها؛ ويغلب عليها الألوان الوردية والأرجوانية، وهي الألوان التي تصنف على أنها ألوان أنثوية.

وقد وجدت العديد من الدراسات التي تبحث في الطرق التي تؤثر بها باربي في الفتيات في أواخر الطفولة وبداية المراهقة المبكرة؛ أن اللواتي تعرضن للدمية في سن مبكر أظهرن رغبة أكبر في الحصول على جسم نحيف، وكن أكثر عرضة للإصابة باضطرابات الأكل. وتقول بعض الآراء أن استخدام النحافة بوصفها علامة مميزة للأنوثة الكاملة لدى السيدات؛ هو للتأكيد على الصفات البيولوجية التي تجعل من الأنثى أضعف جسدًيا من الرجل، وهو ما تحاربه الحركات النسوية.

لكن.. هل «حرية اختيار المظهر» لا تشمل الحجاب؟

العديد من الساسة الألمانيين انضموا للحركات النسوية ودعموا قرار فريق الجمباز الألماني في قرارهم باختيار الزي الذي يمنحهم المظهر الذي يناسبهم، لكن هذه الخطوة قد تبدو متعارضة مع مواقف أخرى للحكومة الألمانية على مسائل تخص حرية المظهر للنساء؛ كما هو الحال في أزمة منع الحجاب مثلًا.

فقبل شهرين فقط من انطلاق الألعاب الأولمبياد تحديدًا في مايو (أيار) الماضي؛ حكمت المحكمة الأوروبية بأحقية الشركات والهيئات الأوروبية في عدم توظيف أو إنهاء عقود العمل للموظفات اللاتي يرتدين الحجاب، وكان ذلك بعد دعوة تقدم بها سيدتان من ألمانيا للمحكمة طالبين دعمها القانوني في حقهم الإنساني في اختيار مظهرهن!

أزمة الحجاب في ألمانيا بدأت في عام 2003 عندما أصدرت المحاكم الفدرالية في ثمانية من أصل 16 ولاية ألمانية عدة قوانين تفرض قيودًا على الحجاب مثل منع المعلمات والعاملات في الهيئات الحكومية الألمانية من ارتداء الحجاب.

وظلت قضية الحجاب قيد النقاش والصراع في المجتمع الألماني، لكنها لم تلق ذلك الدعم القوي من الوجوه والحركات النسوية في المجتمع الألماني أو الأوروبي. بل على العكس، ويكفي أن نذكر مثلًا أن أليس شوارزر التي تعد أحد أشهر وجوه الحركات النسوية في ألمانيا والعالم؛ هاجمت الحجاب في كتابها الذي نشرته عام 2010 بعنوان «الحجاب الكبير والاندماج؛ ضد الإسلاموية». 

بعد دعم الحركات النسوية والساسة لفريق الجمباز.. ماذا عن حرية ارتداء الحجاب؟

مظاهرة في برلين ضد ما يتعرض له المسلمون من تميير في ألمانيا – مصدر الصورة: دويتشه فيله

ووصفت أليس الحجاب بأنه أكثر من مجرد «غطاء للرأس»؛ بل هو – على حد تعبيرها – رمز للغزو الإسلامي الثاني للقارة الأوروبية الذي بدأ مع ارتفاع معدل المهاجرين العرب للقارة العجوز في ثمانينيات القرن الماضي.

ويُذكر أن الكتاب نشر بعد عام واحد من جريمة قتل الصيدلانية المصرية مروة الشربيني؛ على يد أحد المتطرفين الألمان في قلب قاعة المحكمة الألمانية أثناء محاكمته في واقعة اعتدائه عليها في إحدى الحدائق العامة ومحاولته نزع حجابها الشخصي.

وبعد واقعة مقتل السيدة المصرية لم تراجع الحكومة الألمانية سياستها المعادية للحجاب أو حق المرأة المسلمة في اختيار مظهرها، على عكس ما فعلته رئيسة الوزراء النيوزلندية جاسيندا أرديرن مثلًا بعد حادثة الهجوم الإرهابي على مسجد «كرايست تشرش» عام 2019؛ عندما أعلنت فرض قوانين تجرم حيازة الأسلحة الثقيلة، وفرضت الحكومة النيوزلندية أيضًا قوانين جديدة ضد العنصرية والكراهية لحماية الأقليات الدينية؛ من بينها الأقلية المسلمة.

في فرنسا أيضًا لم تتحرك الحركات النسوية بشكل يليق بدعم قضية حق المرأة في اختيار مظهرها، حتى أن المفكرة والنسوية الفرنسية الشهيرة كريستين ديفلي، أدانت ذلك عندما قالت: «الحركات النسوية في فرنسا خذلت المسلمات»، وفي مقال رأي لها نشرته على صحيفة «الجارديان» البريطانية، قالت ديفلي إن موقف الحكومات الفرنسية تجاه الحجاب غير مفهوم، ويستحق الشجب.

يذكر أن أول قرار رسمي خرج من الحكومة الفرنسية ضد الحجاب كان عام 2004؛ عندما حُرّم على الفتيات والمعلمات ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات، وجرى تمرير القرار تحت مظلة «المظاهر الدينية التي تتنافى مع علمانية الدولة». ثم أتت الدولة الفرنسية مرة أخرى عام 2010 ومنعت ارتداء النقاب في الأماكن العامة، ثم جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العام الماضي وطالب بنسخة جديدة من الإسلام تتوافق مع المجتمع الفرنسي؛ وكل هذا لم يلق الدعم الذي تلقته لاعبات الجمباز في المنتخب الألماني، من الحركات النسوية!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد