اثنا عشر مليون إنسان ينتشرون في أوروبا والأمريكيتين بهويةٍ، وثقافة، وأصل واحد يجمعهم، ويمنعهم من الانصهار في المجتمعات الحديثة، لكنه يرسم ملامح حياتهم بالمعاناة. قصة «الغجر» الذين ارتحلوا في العالم كله منذ أكثر من 1500 عام جديرة بالحكي.

أصل كلمة «غجر» (Gypsy) في اللغات الأوروبية يرجع إلى أسطورة تقول إنهم جاؤوا من مصر (Egypt)، وتشتتوا في الأرض بعد عقاب الله لهم بالتيه جزاءً لمساعدة حدّاد منهم في «صلب المسيح»، لكن الصحيح هو أنهم من أصول هندية. وترتبط الكلمتان العربية والإنجليزية بدلالات سيئة؛ لذا فالوصف السليم تاريخيًا لهم هو بالعودة إلى أصولهم العرقية التي تنقسم إلى مجموعتين: الرّوما (Roma أو Romany) في أوروبا، والدومر (الهناجرة) في أفريقيا وآسيا.

تتعدد الروايات والأساطير بشأن تاريخهم وأسباب هجرتهم (أو ترحيلهم) من الهند في المقام الأول، لكن الواقع الآن يقول إن الروما في أوروبا لا يزالون يعيشون على هامش مجتمعات تنظر إليهم بخوفٍ أو شك، وسلطة تراهم عبئًا يجب التخلص منه.

يعيش الرّوما في بلاد كثيرة حول العالم: مليون منهم في الولايات المتحدة الأمريكية، و800 ألف في البرازيل، و650 ألف في إسبانيا، و620 ألف في رومانيا، ونصف مليون في كل من تركيا وفرنسا، وأقل من ذلك في بلاد أوروبا وأمريكا الجنوبية.

شهد تاريخ الروما، منذ بداية وجودهم في أوروبا منذ 1500 عام تقريبًا، فترات شديدة القسوة، كان أبرزها قوانين أصدرتها حكومة البرتغال والملك هنري الثامن في إنجلترا عام 1580 تُبيح قتلهم، وتوصمهم بالسحر والجرائم، وقانون أصدره ملك «بروسيا» يقضي بقتل كل من تجاوز الثامنة عشرة منهم، ثم اضطهادهم في ألمانيا النازية، ودخولهم في ضحايا المحرقة؛ مما حدا بأنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، بإزاحة الستار عن نصب تذكاري للضحايا من الرّوما في العام 2012.

أوضاع الرّوما الآن ليست أفضل من السابق؛ فهم أكبر أقلية في أوروبا، وتتعامل معهم السلطات في عدة دول – خاصةً فرنسا وألمانيا – باعتبارهم عبئًا على كاهل الدولة، وتدفعهم دفعًا إلى الهجرة منها نظير أموال يتلقونها من الحكومة.

تعددت الأديان التي يعتنقها الرّوما باختلاف الأماكن التي استقروا فيها، فمن استقروا في الدول ذات الأغلبية المسيحية تحوّلوا من الهندوسية إلى المسيحية، ومن استقروا في بلاد إسلامية مثل تركيا اعتنقوا الإسلام.

عاش الرّوما حياتهم كلها على هامش المجتمعات التقليدية، بعادات وتقاليد وثقافة مختلفة عمّا حولهم، وبطريقة حياة ومهن خاصة بهم. حتى وقتٍ قريب كان معظمهم يعتمدون على العربات التي تجرها الأحصنة في التنقل، ويعيشون حياة الترحال، لكن نسبة متزايدة منهم تحاول الآن الانخراط في مجتمعاتهم والاستقرار في شقق ووظائف عادية.

يتم الزواج في مراسم خاصةٍ جدًا، ونادرًا ما يقع الطلاق بين الرّوما، وللأسرة قيمةٌ واحترام كبير عندهم. احترام الكبير كذلك من الأمور المقدسة، وزعيم القبيلة له مكانة يُقدّرها الجميع.

اشتهر الرّوما بالموسيقى وأثروا في الآلات وأنواع الموسيقى في كل بلد انتقلوا إليه، ويحتل العزف والغناء والرقص أهمية كبرى في المناسبات والاحتفالات.

واحدٌ من المعتقدات ذات الجذور الهندوسية التي يؤمن بها الرّوما هو عدم طهارة أجزاء من جسم الإنسان (الأعضاء التناسلية)، ويُفرّقون بين نصف الإنسان العلوي والسفلي، وتُغسل ملابس كل منهما في مكان منفصل.

وللرّوما يوم عالمي سنوي في الثامن من إبريل، وتأسس اتحاد دولي لهم في العام 1977.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد