لقاء صحفي مع ها جون تشانع أستاذ الاقتصاد في جامعة كامبردج ..

[c5ab_gettyimages ]

[/c5ab_gettyimages]
ها جون شانغ هو أستاذ الاقتصاد في جامعة كامبردج، وهو مؤلف كتاب “الأسرار الثلاثة والعشرون التي يخفونها عنك بشأن الرأسمالية”، وسوف يصدر كتابه الجديد المعنون باسم “الاقتصاد: دليل المستخدم” في الأول من مايو لعام 2014 في المملكة المتحدة. وقد تحدث مؤخرًا مع رئيس تحرير The WorldPost في كوريا الجنوبية والرئيس السابق لاتحاد جامعة أوكسفورد سيونغ يون لو.

سيونغ يون لي: لقد قلت من أن “الاقتصاد ما هو إلا حجة سياسية”، وأنه لا يمكنك حقًا الفصل بين الاقتصاد والسياسة. بل وحتى مفهوم “السوق الحرة” يتم تحديده عن طريق السياسة. وأن “ما هو حر” يتم تحديده من قبل المجتمع وذلك من خلال العملية السياسية. كيف وصلت إلى هذا الاستنتاج؟

ها جون تشانغ: عندما أقول هذا: فأنا أسعى لفضح هذا الرأي المنتشر على نطاق واسع الذي يروج له من قبل الجيل الحالي من خبراء الاقتصاد، والقائل بأنه يمكنك على نحو ما الفصل بدقة بين الاقتصاد والسياسة. يقولون: “هذه هي المنطقة الخاصة بالسوق، ويتعين ألا يقتحمها أي منطق سياسي”. ولكن في الواقع، ما كنت تعتبره منطقًا سياسيًّا أو منطقًا سوقيًّا يعتمد جزئيًّا على نظريتك الاقتصادية. فكثيرًا ما ينظر اقتصاديو السوق الحرة إلى التشريعات الخاصة بالحد الأدنى للأجور على أنها مجرد تدخل سياسي. ورغم ذلك، فإن ثمة نظريات اقتصادية لائقة والتي تظهر أنه في ظل ظروف معينة، فإن تطبيق الحد الأدنى للأجور يمكن أن يكون مفيدًا، لأنه يجعل العمال أكثر إنتاجية. وعلى الرغم من أنه قد يخلق المزيد من البطالة على المدى القصير، فقد بات العمال أكثر إنتاجية وأصبح لديك ارتفاع في مستوى الإنتاج على المدى الطويل، ويمكنك توظيف المزيد من الناس نتيجة لذلك. وأنا لا أدافع بالضرورة عن هذه النظرية، ولكن بناءً على نظريتك الاقتصادية، يمكنك القول إن ما يمكن أن نسميه منطقًا سياسيًّا يمكن أن يكون منطقًا اقتصاديًّا.

ولكن الأهم من ذلك، هو أن جميع الأسواق في نهاية المطاف بُنيت على أساس سياسي. فكثير من الأشياء التي لا يمكننا شراؤها أو بيعها في الأسواق تعتبر موادًا قانونية تمامًا في السوق المقابل – مثل تجارة الرق والأعضاء البشرية وعمالة الأطفال وخلافه -. لذا فليس هناك نظرية اقتصادية في الواقع تقول إنه يتعين القضاء على تجارة الرق أو عمالة الأطفال لأن هذه كلها ليست سوى أحكام سياسية وأخلاقية. وعندما يتم بناء السوق ذاته نتيجة لبعض الأحكام السياسية والأخلاقية، فكيف يمكنك أن تقول أن هذا المجال يمكن فصله بطريقة ما عن بقية المجتمع والنظام السياسي؟

سيونغ يون لي: فكيف تعرف “الاقتصاد” إذن؟

ها جون تشانغ: بالنسبة لي، فإن الاقتصاد هو دراسة أي علاقة مع الإنتاج والتبادل وتوزيع السلع والخدمات. ولكن وفقًا لتعريف ليونيل روبنز في كتابه الشهير “بحث عن طبيعة وأهمية علم الاقتصاد”، فإن الاقتصاد هو “العلم الذي يدرس سلوك الإنسان كعلاقة بين الغايات والوسائل النادرة التي لها استخدامات بديلة.” ومن هناك، قمنا بتطوير مفهوم الاقتصاد ليصبح بالأساس نظرية اختيار عقلاني، تتمحور حول كيفية اختيار الناس لهذه الخيارات العقلانية.

ولهذا لديك كتب مثل “نظرية الاقتصاد الغريبة”، إذا نظرتم إلى هذا الكتاب، وكم من محتواه يتعلق بالاقتصاد بالمعنى المتعارف عليه؟ إألى حد كبير لا شيء منه. قد تقولون بأن هناك أمثلة لتجار المخدرات ووكلاء العقارات، ولكن هذا كل ما فيه. في العنوان الفرعي للكتاب، ذُكر أنه يتعلق أساسًا بكل ما يهم الاقتصاد، وهناك الكثير من الكتب الاقتصادية الشهيرة التي تضم “كل ما يهم الاقتصاد” في عناوينها وعناوينها الفرعية.

عندما تفكر “بشأن ذلك” الآن، فإن هذا في غاية الغرابة لأن كل الموضوعات الأخرى تعرف نفسها من حيث مجال التحقيق أو الموضوع محل التحقيق بدلاً من المنهجية. إذا ذهبت إلى قسم البيولوجيا، فهم لا يخبرونك بأن كل الأحياء ينبغي دراستها من زاوية تحليل الحمض النووي. فالناس يدرسون الكائنات الحية عبر العديد من الطرق المختلفة، لذا فبعض الناس سوف تتجه لتحليل الحمض النووي، وآخرون قد يتجهون نحو التشريح، والبعض الآخر قد يتجه إلى بناء نماذج ألعاب نظرية خاصة بسلوك الحيوان. بعض الناس يجرون تجارب حية على الفئران، وبعض الناس قد يذهب ويجلس مع الغوريلا الجبلية في غابات رواندا. إلا أنه يطلق عليهم جميعًا دارسو علم الأحياء لأنهم جميعًا يدرسون علم الكائنات الحية. تقديرًا لحقيقة أن الكائنات الحية هي أشياء معقدة جدًا، وأنه لا يمكن فهمها من مستوى واحد، فلا يمكنك دراسة الفيل من خلال النظر فقط في الحمض النووي الخاص به. كما يتعين عليك أيضًا النظر إلى شكله الخارجي والقول إنها لا بد أن تقترن بوحيد القرن بسبب التشابه بينهما في الشكل. لذلك تحتاج إلى دراسة هذه الأمور من مختلف المستويات.

إن وجهة النظر هذه التي يمكنك وينبغي عليك دراسة الاقتصاد عبرها في اتجاه واحد فقط، بل وحتى والمضي خطوة إضافية أبعد من ذلك بإعادة تعريف الاقتصاد بشكل أساسي بوصفه نظرية شاملة، هي في غاية الغرابة. فالاقتصاد ليس وسيلة للتفكير مثل استغلاله استغلالاً رشيدًا وتعظيم مكاسبك النقدية عبر كل ما تبذله من أفعال. يتعين أن يتم تعريف الاقتصاد من ناحية ماهيته. فلا بد أن يتمحور حول كيف يمكن للناس إنتاج الأشياء، وكيفية تبادلها، كيف يكسب الناس دخلهم، وكيف يدفعون الضرائب، وكيف توفر الحكومة البنية التحتية عبر عائدات الضريبة وكيفية إدارتها للسياسة النقدية. هذا الموضوع يجب أن يحدد من حيث وجهة النظر قيد التحقيق.

سيونغ يون لي: أحد الأمور التي تفصل كتابك الجديد عن بقية الكتب هو أنك تكرس فصلاً كاملاً للحديث عن مختلف المدارس الفكرية في الاقتصاد. لماذا هذا مهم جدًا؟

ها جون تشانغ: أثق في أنهم يتفقون في العديد من المجالات الأخرى، ولكن بصفة خاصة في الاقتصاد ليس هناك نظرية اقتصادية واحدة التي يمكن أن تفسر كل شيء. لتحقيق هذه النقطة، فقد تحدثت عن سنغافورة في الكتاب. إذا كنت قد قرأت حساب معيار النجاح الاقتصادي في سنغافورة في مجلة الإيكونوميست وصحيفة وول ستريت جورنال أو بعض الكتب الأخرى، فستعلم فقط عن التجارة الحرة في سنغافورة ومناخ الترحيب بالاستثمار الأجنبي. ولكن لن تعلم أبدًا أن جميع الأراضي في سنغافورة تملكها الحكومة، ويتم توفيره 85 في المئة من المساكن من قبل شركة الإسكان الحكومية. ويتم إنتاج 22 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بواسطة الشركات المملوكة للدولة (بما في ذلك الخطوط الجوية السنغافورية)، في الوقت الذي يبلغ فيه المتوسط ​​العالمي في هذا الصدد حوالي 9 في المائة فقط.

لذلك أنا أتحدى طلابي بأن يطلعوني على نظرية اقتصادية واحدة، سواءً كانت النيو كلاسيكية أو الماركسية أو أيًا كانت، يمكنها أن تفسر نجاح سنغافورة. فلا وجود لهذا نظريًا لأن الواقع السنغافوري يمزج بين عناصر عميقة من الرأسمالية والاشتراكية. النقطة التي أحاول توضيحها كمثال هي أن كل النظريات جزئية. فالمدرسة الكلاسيكية أو الماركسية تركز أكثر على الإنتاج من التبادلات، وذلك على النقيض من المدرسة الكلاسيكية الحديثة. فهم يبدون افتراضات مختلفة ويهتمون بقضايا مختلفة. وجميعهم لديهم نقاط قوة وضعف. وللتسليم بحقيقة أن العالم الحقيقي معقد جدًا، فإننا بحاجة لتعليم طلابنا وعامة الناس أن هناك طرقًا مختلفة لفهم الاقتصاد.

إنه لأمر فظيع أن يتم تدريس الطلاب في هذه الأيام أن هناك نكهة واحدة فقط للآيس كريم، بينما هناك 9 أو 10 نكهات مختلفة. على الأقل، دعوهم يتذوقونها جميعًا، وإذا استنتجوا أن النظرية النيو كلاسيكية هي الأفضل، فليكن. ولكن عليك أن تخبرهم على الأقل أن هناك أنواعًا أخرى من النظريات. خلاف ذلك، فسيكون الأمر أشبه بكوريا الشمالية. لا يمكننا إخبارهم بأن ثمة أنواع أخرى من المجتمعات بسبب حظر المعلومات.

الأزمة المالية العالمية عام 2008

سيونغ يون لي: هل يمكنك إلقاء اللوم على الاقتصاديين فيما يخص الأزمة المالية العالمية عام 2008؟

ها جون تشانغ: يمكنك وينبغي عليك إلقاء اللوم على الاقتصاديين في هذا الصدد، لكنهم بالطبع ليسوا الوحيدين الذي تسببوا في هذه الفوضى. فكل أولئك الخبراء الماليين الذين اخترعوا و تداولوا منتجات مشكوك فيها دون توفير الشفافية الكاملة وخدعوا المشرعين، فيجب إلقاء اللوم عليهم كذلك. فقد اعتقد المشرعون أن هذا السوق ينظم نفسه بشكل أو بآخر، وأن كل ما عليهم هو الإمساك بالمحتالين. لذلك فثمة الكثير من الناس يمكن إلقاء اللوم عليهم، بل وحتى يمكن لوم أولئك الذين قبلوا قروض الرهن العقاري من دون فهم كامل لها. فكيف الحال بالاقتصاديين؟ حسنًا، هم الذين برروا ما يجري. ليس كلهم بالطبع؛ لم يكن جميعهم من زمرة المصفقين. ولكن (تيار الاقتصاديين) كانوا يقولون أن الأسواق تتسم بالكفاءة، وأنه لا توجد أزمة. روبرت لوكاس، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1995، أعلن أن “مشكلة منع الانكماش الاقتصادي قد حُلت” ومعظمهم فكروا بهذه الطريقة.

فهم على الأقل أعطوا الناس شعورًا زائفًا بالأمن. الأسوأ من ذلك هو أنهم كانوا يبيعون بنشاط تلك القصة. إذا كنت قد شاهدت أفلامًا وثائقية مثل “إنسايد جوب”، فقد دُفع لبعضهم مبالغ معتبرة من المال لحملهم على قول هذه الأشياء. كان هناك أستاذ المالية في جامعة كولومبيا الشهير، والذي قبل عدة أشهر من انهيار النظام المصرفي الآيسلندي، نشر ورقة تقول إن آيسلندا قد تمر بمرحلة صعبة قليلاً، ولكنه نموذج لبقية العالم وهلم جرًا. ثم تبين في وقت لاحق أنه يتقاضى كمية كبيرة من المال من قبل غرفة التجارة الآيسلندية. لا أقول إن معظم (الاقتصاديين) يفعلون ذلك من أجل المال، لكنهم روجوا لنظرية بدت جذابة للجميع: ليس هناك أزمة. الجميع يتصرف بعقلانية. الأسواق نادرًا ما تكون خاطئة.

سيونغ يون لي: نعومي كلاين، مؤلفة كتاب “عقيدة الصدمة” تطرح السؤال التالي:

“وهذا يشير إلى مسألة هامة ومزعجة حول المنظرين للسوق الحرة: هل هم “مؤمنون حقيقيون” تحركهم إيديولوجية وإيمان بأن الأسواق الحرة ستعالج الجهل، كما يشار على ذلك عادة، أو أن الأفكار والنظريات في كثير من الأحيان تمثل تفصيلاً منطقيًا يسمح للناس بالرد على الجشع غير المقيد في حين لا يزالون يقاومون دافع الأنانية”؟

وبدلاً من فضح أيديولوجية السوق الحرة، ألا ينبغي علينا أن نركز جهودنا على معالجة المصالح الخاصة؟

ها جون تشانغ: تعد الأفكار أيضًا مصدر قوة. أجل، ربما في هذا الصدد يمكن القول أن ماركس كان على حق في تأكيده على أهمية المادة على الأفكار. فهناك الكثير من المال على المحك بسبب هذه المشاكل. عندما يصل الأمر إلى المستوى الأعلى من المجتمع، فإن حدود المال والسلطة السياسية والأفكار تصبح مبهمة. فقد يغدو رجل ذا تأثير عظيم دون أن يكون ثريًا جدًا أو لديه سلطة سياسية، وذلك فقط لأنه رئيس تحرير صحيفة كبرى. لا أقول إن هذا فساد صريح، ولكن أناسًا مثل توني بلير أصبحوا أثرياء جدًا من خلال كل هذه الصلات السياسية، التي يمكنهم استخدامها قانونيًا لجذب الكثير من العملاء ذوي الرواتب العالية. وفي بعض الأحيان تصبح قويًا سياسيًا لأنك ثري، مثل برلسكوني. فهذه الأمور تختلط جميعها ببعض.

وعلى الرغم من أن الكثير من هذه الأفكار الليبرالية الحديثة تستخدم في كثير من الأوقات كغطاء لما تنوي القيام به على أي حال، فهذه ليست القضية دومًا. هناك منظرون يؤمنون بحماس بأفكار السوق الحرة. فبطريقة ما، يصعب تغيير طريقة تفكير هؤلاء الناس. إذا كانوا يفعلون ذلك بطريقة ساخرة ويقولون تلك الأشياء لأنهم يريدون كسب المزيد من المال وجمع المزيد من السلطة السياسية فحسب، ففي الواقع يمكنك تغيير نمط تفكير هؤلاء الناس بسهولة تامة. ولكن إذا كان أحدهم يعتقد أن شيئًا بعينه هو الحقيقة، يغدو الأمر أكثر صعوبة.

سيونغ يون لي: إذا كان الجمهوريون مثل جورج بوش في الواقع يؤمنون بحماس بأيديولوجية السوق الحرة، لكان قد أدى ذلك إلى عواقب أكثر كارثية بعد الأزمة المالية.

ها جون تشانغ: هذا صحيح، ولهذا السبب قدم غريمه المحافظ أوتو فون بسمارك دولة الرفاهية الأولى في العالم. كان يكره الاشتراكية، لكنه لم يكن أيديولوجيًا. لقد اعتقد بشكل أساسي بأنه إذا لم تقم بتوفير الحد الأدنى من الأمان للعمال، فسوف يقتنعون بأفكار الاشتراكيين. ولم يرغب بحدوث ذلك، لذا فقد حافظ على سعادة العمال من خلال خلق دولة الرفاهية الأولى في العالم.

على أي حال، أحيانًا يرفض ذوو الأيديولوجية القوية، سواء كانوا يساريين أو يمينيين، فعل شيء بسيط لأنهم يعتقدون أنه من الخطأ الاستفادة من جراء فعل ذلك. بالنسبة لبعض الناس، فالأمر لا يتعلق فقط بالمال والسلطة السياسية.

في الواقع، فإن وجود هذه الدوافع المعقدة خلف أفعال الإنسان يدحض الفكرة المركزية وراء اقتصاد السوق الحرة القائلة بأن الجميع يقودهم الدافع ذاته: المكاسب النقدية.

التحدي الذي تمثله الصين

سيونغ يون لي: مع صعود الصين، يجادل البعض بأن النظام العالمي الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة سيتعرض للتحدي. يقولون إن ما يسمى بـ”تحالف واشنطن”، والذي يتميز برأسمالية السوق الحرة القوية، سيتعرض للتحدي من قبل “تحالف بكين” الذي يتبنى رأسمالية الدولة. كيف ترى تأثير صعود الصين والتحول في القوة العالمية على النظام الاقتصادي العالمي؟

ها جون تشانغ: أريد توضيح شيء واحد قبل أن أجيب على هذا السؤال. في البداية، حتى النموذج الأمريكي لم يكن ليبراليًا حديثًا بمنطق اليوم. في خمسينيات القرن الماضي وتحت قيادة أيزنهاور، كان معدل ضريبة الدخل الأعلى في الولايات المتحدة يبلغ 92 في المئة. بعض الناس تندر من أن أيزنهاور كان الرئيس الأكثر شيوعية. فكان لدى الكثير من البلدان تشريعات صارمة على تدفقات رأس المال. أجل، كانت أمريكا من أنصار السوق أكثر من البلدان الأخرى، ولكن من حيث المقارنة، كانت أمريكا يسارية أكثر مما هو عليه الآن في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. لذلك فقد دعمت الولايات المتحدة النظام العالمي الذي تلا الحرب من خلال التغيرات السياسية. وحتى أوائل السبعينيات، كان ما يسمى “تحالف واشنطن” مختلفًا جدًا عما هو عليه الآن.

بالعودة إلى سؤالك، أعتقد أنه ليس من الواضح موقف الصين. ظاهريًا، هم اشتراكيون. إنها لا تزال دولة فقيرة نسبيًا تمر بتغييرات اجتماعية ضخمة. الناس خارج الصين معظمهم لا يعرفون أنه في كل عام هناك مئات الآلاف من أعمال الشغب المحلية والإضرابات الصناعية والمظاهرات. بطريقة ما، ما تقوم به هو في الواقع لا يختلف كثيرًا عما فعلته البلدان الأكثر تقدمًا في أواخر القرن 19 وأوائل القرن العشرين. والعديد من البلدان بما في ذلك اليابان وألمانيا، تتصرف مثل الصين اليوم، وذلك باستخدام الشركات المملوكة للدولة لتطوير الصناعات الاستراتيجية. يمكنك القول إن الصين تمر بكل ما مرت به جميع البلدان المتقدمة اقتصاديًا الأخرى، وتتراوح الأمثلة بين الولايات المتحدة في منتصف القرن 19 إلى كوريا الجنوبية في السبعينيات والثمانينيات.

“العديد من البلدان بما في ذلك اليابان وألمانيا، تتصرف مثل الصين اليوم، وذلك باستخدام الشركات المملوكة للدولة لتطوير الصناعات الإستراتيجية، ويمكنك القول إن الصين تمر بكل ما مرت به جميع البلدان المتقدمة اقتصاديًّا الأخرى، وتتراوح الأمثلة بين الولايات المتحدة في منتصف القرن 19 إلى كوريا الجنوبية في السبعينيات والثمانينيات.”

لا أقول إن الصين تمر بنفس العملية بالضبط، ولكنه في الواقع من الدقة أكثر رؤية ذلك كجزء من نمط متكرر عوضًا عن شيء جديد كليًا، ومن هذا المنطلق، لست متأكدًا من وجهة النظر القائلة بأنه عندما تصبح الصين أقوى، فإن العالم سوف يصبح مختلفًا. أجل، ربما يصبح العالم مختلفًا لأن المزيد من الناس سوف تتعلم الماندرين، والمزيد من الناس سوف تذهب للدراسة في الصين. ولكن لا أعتقد أنها سيختلف بمعنى أنه سيصبح اشتراكيًا أو أن البلدان الأقوى ستكون أفضل للدول الأضعف.

بعض الناس يتحدثون عن رأسمالية الدولة، ولكن كيف يمكنك التنبؤ بأن تلك الشركات المملوكة للدولة لن يجري خصخصتها بعد عشرين عامًا من الآن، وقد تتجه الصين نحو خصخصة الشركات المملوكة للدولة. دول مثل فرنسا والنمسا فعلت هذا في التسعينيات، وتلك الاقتصادات كانت لديها قطاعات كبيرة وشركات مملوكة للدولة.

سيونغ يون لي: ما هو التحدي الاقتصادي الأكبر للصين؟

ها جون تشانغ: بالطبع، لقد حققت الصين الكثير وما من شك لدي في أنها ستذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، ولكن أعتقد أن هناك تحديات كبيرة في المستقبل. أولها هي قضية البيئة. فقد أصبح من الخطير جدًا العيش بعض المدن في الصين، وبطبيعة الحال، واجهت معظم البلدان – الصناعية – هذه المشكلة في الماضي. على سبيل المثال، شهدت إنجلترا واليابان وكوريا هذه المشكلة. لا أقول إنها حالة تخص الصين، ولكن الأمر مختلف من ناحية أن الصين تنمو بوتيرة أسرع في أكبر نطاق في تاريخ البشرية، والذي له تأثير على حجم التحديات البيئية التي تواجه الصين.

ثمة تحدٍ آخر أكثر خطورة وإلحاحاً يخص مشكلة عدم المساواة. زادت نسبة عدم المساواة الصينية بسرعة على مدى العقود الثلاثة الماضية. وهي تتساوى في ذلك الآن مع الولايات المتحدة، أحد أكثر البلدان تفاوتًا في مستوى المعيشة في العالم. وبطبيعة الحال، فإن مستوى عدم المساواة لدى الصين أقل بكثير من الدول في أمريكا اللاتينية وإفريقيا. ومع ذلك، فإنه يشكل تحديًا أكبر بالنسبة للصين لأن الصين بدأت من مجتمع تسوده المساواة بشكل كبير قبل نصف قرن عندما كان الجميع يرتدي بدلة الـ”ماو” الزرقاء. في غضون جيل واحد، لديك الآن وضع يعيش فيه بعض الناس في نسخة طبق الأصل من البيت الأبيض، والبعض الآخر ينام في الشوارع. أما في الصين، الناس غير معتادين على رؤية هذا المستوى من عدم المساواة. الناس يقبلون هذا الوضع لأنه عندما يبلغ معدل النمو 9 أو 10 في المئة، فحتى ذلك الرجل الذي ينتج أقل سيستمتع بأكل وعاء آخر من الأرز بسبب النمو الاقتصادي. لذلك يتقبله الناس.

“في غضون جيل واحد، لديك الآن وضع يعيش فيه بعض الناس في نسخة طبق الأصل من البيت الأبيض، والبعض الآخر ينام في الشوارع. أما في الصين، الناس غير معتادين على رؤية هذا المستوى من عدم المساواة.”

ما الذي سيفعلونه عندما يتباطأ النمو حتمًا في العقود القليلة المقبلة إلى 5 أو 6 في المئة أو أقل من ذلك؟ كما قلت، سيحدث ذلك دون علم العالم الخارجي، فهناك بالفعل أكثر من 100 ألف من حوادث الإضرابات الصناعية والمظاهرات وأعمال الشغب المحلية [كل سنة] في الصين. آخر رقم قرأته كان 180000 حادثة منذ سنوات قليلة، ويمكن أن يكون أعلى من ذلك اليوم. فما لم يحلوا هذه المشكلة، قد تخرج العملية برمتها عن مسارها. كما قد يؤدي ذلك إلى مستوى عال من عدم الاستقرار السياسي الذي يشجع الاستثمار والنمو والتنمية الاقتصادية.

التطور الأمريكي في مقابل الأوروبي

سيونغ يون لي: قبل بضع سنوات، أشارت صحيفة إيكونومست إلى أن “أوروبا ليس لديها فقط أزمة في اليورو، بل إنها تعاني أيضًا من أزمة في النمو. وهذا بسبب الفشل المزمن لتشجيع أصحاب المشاريع الطموحين”. لماذا تعد أوروبا أقل ريادة للأعمال من الولايات المتحدة؟ إحدى المفارقات التي يمكنني رؤيتها هنا هي أن أحد أكثر الاقتصادات المتقدمة التي لا نظير لها هي أيضًا الأكثر ريادة للأعمال. وحدسي يقول لي إن وجود شبكة أمان اجتماعي أقوى يمكن أن يؤدي إلى ثقافة ريادة مشاريع أكثر ديناميكية لأن الناس لديهم شيء يستندون عليه إذا فشلوا. ولكن لا يبدو أن هذا المنطق ينطبق على ما يحدث في الولايات المتحدة وأوروبا. فما هي العلاقة بين المخاطرة والرفاهية بشكل عام؟

ها جون تشانغ: أولاً وقبل كل شيء، قلت أوروبا لديها مشكلة أساسية بشأن قدرتها على تشجيع روح المبادرة والابتكار. أعتقد أنك يجب أن نكون حذرًا في القفز إلى هذا الاستنتاج. فأوروبا لا تملك هذا النوع من شركات التكنولوجيا الثورية التي تراها في وادي السليكون. ولكن في الاقتصادات الحديثة، فلا يحدث الابتكار فقط في تلك المناطق الحدودية. فمن حيث “الابتكارات الإضافية” تتساوى أوروبا أو ربما تكون أفضل من الولايات المتحدة. فمن الصعب قياس مدى تقدم بلد ما من ناحية الابتكارات، ولكن العديد من البلدان الأوروبية مثل السويد وفنلندا تنفق نسبة أكبر بكثير من الناتج المحلي الإجمالي على البحث والتطوير عن الولايات المتحدة. وهناك الكثير من المجالات التي يقود الأوروبيين التكنولوجيا فيها.

ثانيًا، روح المبادرة والابتكار الأمريكية تم دعمها بشكل كبير من قبل الدولة. في ذروة الحرب الباردة اعتادت الحكومة الأمريكية تمويل ما لا يقل عن نصف أو حتى في بعض الأحيان ثلثي مؤسسات البحث والتطوير في الوقت الذي قدمت الحكومات الأوروبية عادة 30-40 في المئة من تلك المؤسسات. وقد تم إنشاء الحدود الصناعية للولايات المتحدة من قبل الدولة. ولم تأتي من هذه الثقافة الريادية الفردية التي يعتقد الناس أنها هبة فريدة تختص بها الولايات المتحدة.

“وقد تم إنشاء الحدود الصناعية للولايات المتحدة من قبل الدولة. ولم تأتي من هذه الثقافة الريادية الفردية التي يعتقد الناس أنها هبة فريدة تختص بها الولايات المتحدة.”

فكر في قائمة المجالات التي يمكن للولايات المتحدة أن تحقق الريادة التكنولوجية فيها. تقريبًا تلقت جميعا تمويلاً على الأقل في البداية (والكثير منهم في مرحلة النضج) من قبل حكومة الولايات المتحدة. وبالأساس، قامت وزارة الدفاع الأمريكية بتمويل تطوير جهاز الكمبيوتر في أيامه الأولى، كما ظهرت شبكة الإنترنت أيضًا من مشروع بحثي للبنتاغون.

وقد تم تطوير مؤسسة The semiconductor – مؤسسة اقتصاد المعلومات – في البداية عبر تمويل من البحرية الامريكية. كما أن صناعة الطائرات الأمريكية لم تكن لتصبح على ما هي عليه اليوم دون قيام سلاح الجو الأمريكي بدعمها على نطاق واسع بشكل غير مباشر من خلال دفع مبالغ ضخمة لطائراتها العسكرية، ثم توجيه الأرباح المحققة منها نحو تطوير الطائرات المدنية. ورغم ما قد يقوله لوبي الصيادلة، فإنه يجري توفير 30 في المئة من البحوث الصيدلانية في الولايات المتحدة من قبل الحكومة الاتحادية. القائمة مثيرة للإعجاب للغاية.

وقد كتبت الاقتصادية الأمريكية-الإيطالية، ماريانا مازوكاتو الأستاذة في في جامعة ساسكس ذات مرة مقالاً تبين كيف تم تمويل كل جزء هام من التكنولوجيا في جهاز الآيفون في البداية من قبل الحكومة الاتحادية في الولايات المتحدة. لا نستطيع أن نقول إن الولايات المتحدة تتقدم في قطاع التكنولوجيا الرائدة كنتيجة لمشروعات القطاع الخاص. فهي ليست كذلك. بل هي شراكة بين أصحاب المشاريع الفردية والحكومة الاتحادية في الولايات المتحدة. كما يمكنك حتى القول إن رجال الأعمال الأمريكيين يمكن أن يخوضوا مثل هذه المخاطر في تلك المناطق الريادية، بالضبط لأن لديهم شبكة أمان ضخمة في شكل تمويل الحكومة الفيدرالية الامريكية للبحث والتطوير.

وظائف والآلة العمرية الثانية

سيونغ يون لي: خَلُصَتْ ورقة بحثية صادرة مؤخرًا من جامعة أكسفورد إلى أن 47 في المئة من الوظائف في الولايات المتحدة مهددة بشدة بسبب التشغيل الآلي، نتيجة لما يسمى “عصر الآلة الجديد”، في رأيكم ما تأثير هذه التكنولوجيا الثورية الجديدة؟ كيف يجب أن نتعامل معها؟

ها جون تشانغ: حقيقة أن التقدم التكنولوجي قد دمر وظائف معينة كانت ثابتة في تطور الرأسمالية. وبدءًا من حرفيي النسيج “اللاضية” الذين خرجوا لكسر الآلات في الأيام الأولى من الثورة الصناعية، كان هذا مصدر قلق دائم. أمعن التفكير فقط في كل هذه الألقاب الإنجليزية والتي نشأت من مهن لم يعد لها وجود بعد الآن. ليس هناك جديد حول استبدال الإنسان بالتكنولوجيا والآلات. الجديد حول التقدم التكنولوجي الحالي هو أن وظائف ذوي الياقات البيضاء التي كنا نظن أنها لا يمكن أن تكون آلية باتت الآن تحت التهديد.

يمكنك أن نفكر في العالم البائس المنبثق منه، ولكن من الخطأ تمامًا أن نصدق أن مستوى المساواة الذي نصل إليه في نهاية المطاف يتحدد أساسًا عن طريق التكنولوجيا التي نستخدمها. على سبيل المثال، إذا نظرت إلى إحصاءات منظمة التعاون والتنمية ستجد أن هناك مجموعة متزايدة من الإحصاءات التي تبين توزيع الدخل في كل بلد يجري قياس قبل تحويل عائدات الضرائب والرفاهية وبعد خصم الضرائب والتحويلات الاجتماعية.

إذا نظرت إلى الأرقام، فستدرك في الواقع أنه قبل خصم الضرائب والتحويلات، فإن عدد غير قليل من الدول الأوروبية تزداد فيها نسبة عدم المساواة عن الولايات المتحدة. ومع ذلك، فبعد خصم الضرائب والتحويلات، ينتهي الأمر بهذه الدول على ارتفاع كبير في مستوى المساواة. ولأنهم يفرضون ضريبة وتحويلات مرتفعة، فهم يستبدلون عدم المساواة بطريقة جوهرية. ألمانيا أحد البلدان الذي تزيد فيه نسبة عدم المساواة عن الولايات المتحدة قبل الضرائب والتحويلات، وبلجيكا كذلك. أما السويد فلديها مستوى مماثل من عدم المساواة مع مستوى الولايات المتحدة قبل خصم الضريبة والتحويلات. جميع هذه الدول لديها مستوى عال جدًا من عدم المساواة قبل التدخل الحكومي.

“قبل خصم الضرائب والتحويلات، فإن عدد غير قليل من الدول الأوروبية تزيد فيه نسبة عدم المساواة عن الولايات المتحدة.”

والقول بأننا لا نقوى على فعل أي شيء بسبب التقدم التكنولوجي هو بالأحرى فكرة انهزامية لأن العديد من الدول قد فعلت الكثير لتعديل ناتج توزيع الدخل الذي ينتجه السوق. سيكون ذلك على الأرجح تحديا جديدًا من ناحية أن الناس الذين كنت تعتقد أنهم محميون من التقدم التكنولوجي والميكنة أصبحوا عرضة لذلك للمرة الأولى. ولكننا تعاملنا من قبل مع هذه المشكلة الأساسية في جميع أنحاء التاريخ الاقتصادي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد