بعد عشرة أعوام كاملة من الانقطاع عن العمل مُخْرِجًا، يعود النجم الكبير ميل جيبسون (60 عامًا) إلى كرسي الإخراج بفيلمه الملحمي «جبل المنشار – Hacksaw Ridge»، بعد آخر فيلم عرض له في 2006 تحت اسم «Apocalypto»، الذي استكشف فيه انهيار حضارة المايا في أمريكا الجنوبية.

وينتمي الفيلم إلى مجموعة أفلام الحرب العالمية الثانية، التي تتضمن على سبيل المثال فيلمي ستيفن سبيلبيرج «قائمة شاندلر»، و«إنقاذ الجندي رايان». وتدور أحداث «Hacksaw Ridge» على الجبهة اليابانية عام 1945، قبل شهور قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث تحاول القوات الأمريكية السيطرة على جزيرة أوكيناوا ذات الأهمية الإستراتيجية، وذلك للهيمنة من خلالها على الأرخبيل الياباني.

ويحكي الفيلم قصة مُستوحاة من أحداث حقيقية، تدور حول المجند ديسموند دوس، الذي يلتحق بجيش الولايات المتحدة الأمريكية من أجل أن يعمل مسعفًا طبيًا، مشترطًا ألا يحمل سلاحًا في يده أبدًا، وبتعبيره فهو يريد أن ينقذ الأرواح لا أن يأخذها.

البداية

يبدأ الفيلم في ولاية فيرجينيا جنوب شرق الولايات المتحدة، ساردًا قصة أسرة متدينة ورقيقة الحال، مكونة من أب وأم وطفلين، مع التركيز على تفاصيل طفولة بطل الفيلم ديسموند (يُؤدي دوره الممثل الشاب أندرو جارفيلد)، والذي يظهر سُلوكًا عنيفًا طوال الوقت، في طرازٍ فريد، يجمع ما بين البراءة والاندفاع وإساءة تقدير المخاطر والتبعات، في آن واحد. وفي أحد الأيام يخوض عراكًا مع أخيه المُقرّب إليه. يبدأ العراك كلعب، لكنه ينتهي بخروج الأمور عن السيطرة، حيث يعتدي ديسموند على أخيه بضربه بصخرة كبيرة على رأسه، حتى كاد الأخ أن يلقى حتفه.

في مشهد آخر تالٍ، يقف ديسمون أمام لوحة في المنزل تمثل قصة الخلق، يحدق في صورة قابيل وهو يحطم رأس أخيه هابيل بصخرة، فتشاهد في عيني الطفل الصغير إدراكه لمدى فداحة تصرفاته.

من جهة أُخرى، تعاني الأسرة من السلوك العنيف للوالد السكّير (يُؤدي دوره هوجو ويفنج)، والذي تظهر شخصيته مُركبة أيضًا، جامعة بين حبه لأسرته من جهة، وفقدانه لأعصابه لأقل سبب من جهة أُخرى. كما يبدو الوالد كروح مُعذّبة تطفو فوق أحداث الفيلم، بسبب شعوره العميق بالذنب، والحزن الذي يكاد لا يُفارقه لفقدانه أصدقائه وأقربائه أثناء تأديتهم خدمتهم معه خلال الحرب العالمية الأولى، ما يُضيف على ابنه ديسمون، ودافعًا آخر للانعتاق من بُؤس الأسرة، وتحقيق الذات بشكل ما.

غرام الطب

يصبح ديسموند شابًا، ويقع حادث آخر كاشف، لا يقل أهمية عن حادثة اعتدائه بالضرب على أخيه، ففي يوم ما يُصادف ميكانيكيًا يعمل تحت سيّارة لإصلاحها، ويحدث خلل في الرافعة التي تحمل السيارة، فتسقط على ساق الرجل الذي يصرخ من الألم، بالتوازي مع انفجار شريان دم في فخذه.

ما يحدث، أن ديسموند، وبشكل مفاجئ دون تخطيط مُسبق منه، يُسرع لإنقاذ الرجل، فيخلع حزام سرواله، ويُحكم ربط فخذ الرجل أعلى موضع القطع ليمنع مزيدًا من الدماء أن تسيل، ثُم يصطحبه إلى المستشفى، وهناك يُخبره الطبيب أن الميكانيكي سيشفى بسبب تدخله السريع.

بداية من هذه اللحظة، يقع ديسموند في غرام الطب، ويتكشّف له مراده: أن يكون مُسعفًا لينقذ حياة الناس. من وقتها، بات ذلك هدفه لتحقيق ذاته.

الحب والحرب

يقع ديسموند في غرام طبيبة في المستشفى، ولا يمضي وقت طويل حتى يتفقان على الزواج، في الوقت نفسه، يجد ديسموند أغلب شباب مدينته وقد التحقوا بالخدمة العسكرية، كان من بينهم أخوه هال، الذي كان والده في غاية الفخر به، رغم أن عينيه تقولان إنه يعلم جيدًا أن ابنه قد لا يعود إليه مرة أُخرى.

من جانبه، ينتاب ديسموند شعور بالواجب تجاه بلاده، و«قيم الحرية»، فيتقدم هو الآخر للخدمة العسكرية بصفته مُسعِفًا يشترط ألا يحمل السلاح. أخبر والديه وحبيبته بذلك، ثم ذهب.

ينتقل لمعسكر التدريب في قاعدة قريبة، ويبدأ التدريبات الشاقة مع زملائه استعدادًا للسفر والخدمة على الجبهة، حين يكتشف أنه مجبر على حمل السلاح وإنهاء التدريب عليه، وإلا فعليه أن يختار إما أن يُسرّح من الخدمة العسكرية، أو يبقى مع إصراره على عصيان أوامر قادته العسكريين، وبالتالي فمصيره السجن.

يُحاول ديسموند أن يُقنع قادته بعدم حمله للسلاح، مُوضحًا أنه اشترط ذلك من البداية، وأنه لا يريد التورط في قتل أي إنسان «الدين يمنعني عن ذلك»، يشرح لهم ديسموند.

يتضح أيضًا أن موقف ديسموند الرافض لحمل السلاح، ليس نابعًا فقط من معتقداته الدينية التي يتمسك بها بشكل كبير في مختلف أوجه الحياة، وإنما أيضًا لذكرى قاسية على نفسه، حين كان والده يتعدى بضرب والدته وهو سكران، حتى بلغ به الأمر في إحدى المرات أن صوّب المسدس إلى رأسها، ولولا تدخل ديسموند في آخر لحظة، لكانت والدته في عداد الموتى على يد والده. حينها أقسم ديسموند على ألا يحمل سلاحًا مرة اُخرى.

ورغم الضغط الشديد عليه من قبل قادته، ومن زملائه الذين وصفوه بالجبان، حتى إنه كان يتعرض للضرب منهم طوال الوقت، إلا أن ديسموند أصرّ على موقفه دون أن يترك الخدمة، فطُلب للمحاكمة العسكرية، وكاد القاضي العسكري أن يحكم عليه بالسجن، إلا أن والده ظهر في اللحظة الأخيرة، مُرتديًا ملابسه العسكرية، وفي يده خطاب من قائده السابق، الذي أصبح الآن رجلًا نافذًا في الأوساط السياسية بواشنطن. يلقي القاضي نظرة على الخطاب، ثم يلغي القضية من أساسها، ويسمح لديسموند بالذهاب إلى خط النار دون سلاح، إذا كانت تلك رغبته.

لا يمضي وقت طويل وتنتقل فرقة ديسموند تحت قيادة الكابتن جلوفر (يُؤدي دوره سام ورذينجتن) وبمعاونة العريف هويل (يُؤدي دوره فينيس فون) إلى واحدة من أكثر نقاط الاشتباك خطورة، وهي جزيرة أوكاناوا، التي يدافع عنها المقاتلون اليابانيون بشراسة منقطعة النظير.

تقصف مدافع المدمرات الأمريكية شواطئ الجزيرة، فتحيلها جحيمًا، إلا أن المقاتلين اليابانيين يظهرون مرة أُخرى من العدم، ليشتبكوا مرة أُخرى مع الجنود الأمريكيين، ليقضوا على أربع فرق عسكرية كاملة، وحان دور الفرقة التي يخدم فيها ديسموند لتجرّب حظها مع هؤلاء.

يقفون على الشاطئ يرمقون الجرف العالي حاد الحواف الشبيه بالمنشار، ويلاحظون شبكة الحبال الغليظة التي تهبط من الأعلى، والتي عليهم تسلقها للوصول إلى نقاط ارتكاز اليابانيين.

في هذه المشاهد، ينقل ميل جيبسون الحرب كما لم تُرَ من قبل على الشاشة، عبر كادرات انطباعية عميقة، تترك أثر الرعب في القلوب من ويلات الحروب وقسوتها، لاجئًا إلى التصوير البطيء ليُكرّس للفكرة، بمشاهد شوي اليابانيين بلهيب القاذفات الأمريكية، ومشاهد غربلة أجساد الأمريكيين برشاشات اليابانيين، وسقوط الأشلاء من السماء وكأنها تُمطرها على أحياء الأرض.

ويُسيطر اللون الأحمر على المشهد، وتصمت الموسيقى التصويرية تمامًا، ولا نسمع إلا صوت الحرب. هذه الأجواء القاتمة بواقعية، ربما لم تُنقل بهذا الشكل كما حدث في هذا الفيلم، وأفلام قليلة ركزت معظمها على حرب فيتنام، مثل «Platoon» لأوليفر ستون، و«Full Metal Jacket» لستانلي كوبريك، و«Apocalypse Now» لفرانسيس كوبولا.

بطولة الجندي الأعزل

تبلي فرقة ديسموند بلاءً حسنًا، لكن مع خسائر فادحة، ويظهر ديسموند بطولة فائقة في إنقاذ زملائه وحملهم للخطوط الخلفية، والهبوط بهم إلى أسفل الجرف، ليتم إجلاؤهم للسفن الحربية التي تحملهم للوطن مرة أخرى.

يوم بأكمله قضوه في القتال فقط ليتقدموا أمتارًا قليلة إلى الأمام، وهم يعلمون أنه ربما عليهم القتال الشرس أيامًا متتالية ليكون أمامهم أمل للسيطرة على الجزيرة.

يبدأ زملاء وقادة ديسموند في إبداء التقدير الواجب تجاه شجاعته وبطولته، مُعربين عن ندمهم لما بدر منهم من سوء معاملة وسوء تقدير للقيم التي يعبر عنها، بخصوص موقفه من حمل السلاح.

لا تقف شجاعة ديسموند عند هذا الحد، ففي أحد الأيام، وبعد هجوم مباغت وشرس من اليابانيين، كان على القوات أن تتقهقر لأسفل الجرف، تاركين الموتى والجرحى من زملائهم خلفهم. لا يلاحظون أن ديسموند لم يهبط معهم واعتبروه في عداد القتلى، إلا أنه في المقابل قضى الليلة بأكملها مُتسللًا وارء خطوط العدو وعبر أنفاقهم بحرص بالغ، باحثًا عن الجرحى لإسعافهم، ثُم حملهم إلى حافة الجرف، وهناك يربطهم بحبل ينزلهم به على مهل لأسفل الجرف، وهناك يستقبلهم زملاؤهم دون أن يعرفوا من يُؤدي تلك المهمة.

يتقطع جلد كفي ديسموند من احتكاك الحبال به، وتخور قواه، بخاصة وأنه لم يأكل أو يشرب أو ينَمْ منذ أيام، كان ينقذ كل جندي ثم يدعو الله وشفتاه ترتجفان: «إلهي ساعدني كي أنقذ واحدًا إضافيًا». ويعود مرة أخرى، وثانية وثالثة، وهكذا عشرات المرات لينقذ آخرين، وفي كل مرة يُردد دعاءه.

مسيح ميل جيبسون

ويظهر من الفيلم رغبةُ ميل جيبسون في منح الولايات المتحدة مسيحًا جديدًا، بطلًا مُعجزًا، يتمثل في بطولته كل ما يُعرف عن التضحية والسلام، مع تحمّل أذى الآخرين ومُساعدتهم إذا احتاجوا إلى ذلك.

ولعب أندرو جارفيلد دور ديسموند ببراعة، بعد خيبة أمل مني بها جمهوره في فيلمي سبايدر مان و« The Social Network»، ليمثل له هذا الفيلم إعادة ميلاد نجم، حيث استطاع ميل جيبسون نقل أدائه وشخصيته التمثيلية لمستوى جديد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد