يحكى أنه في خريف عام 2002، قبل أيام من بداية شهر رمضان، في مصر، كان أطفال يستمعون بعناية لحديث الآباء والأقارب، الذين يتكلمون بشغف عن مسلسل منتظر بعد أيام، اسمه «فارس بلا جواد»، تعترض الولايات المتحدة وإسرائيل بشدة على عرضه؛ لأنه سيفضح الصهيونية، ويروي قصة بطل شعبي مجهول يُدعى «حافظ نجيب».

كانت الانتفاضة الفلسطينية قد اشتعلت منذ عامين، وكانت وسائل الإعلام العربية الرسمية تتناقل مقطعًا مؤثرًا لمقتل الطفل الفلسطيني «محمد الدرة»، وكان الشباب العربي قد انفجر من «بغداد إلى نواكشوط»، في مظاهرات تندد بصمت الأنظمة العربية إزاء ما يحدث في الأراضي المحتلة، وكان الأطفال يتمنون لو يسمح لهم بالخروج في المظاهرات مع الشباب؛ لنصرة القضية الفلسطينية؛ ولم يكن هؤلاء الأطفال يتخيلون أنهم بعد 10 سنوات فقط، سيخرجون في ثورة، لا مظاهرة، ستسقط معها سطح النظام المصري بأكمله.

من أكثر الأحداث كوميدية نبدأ

في عددها الصادر بتاريخ 27 مارس (أذار) 1912، تحدثت جريدة «المحروسة» المصرية، التي كان يتولاها آنذاك «إلياس زيادة» وابنته «مي زيادة»، عن كتاب جديد لعالم اجتماع فرنسي يدعى «شارل وانير»، يحمل اسم «روح الاعتدال». وقالت الجريدة «ألف وانير كتابًا تحدث فيه عن روح الاعتدال، فأبدع وأجاد، وهدى وأفاد، فأرادت حضرة السيدة المترجمة (وسيلة محمد) ألا يحرم أبناء الشرق من جني ثمار الانتفاع من روض ذلك السفر النفيس. فألبسته من العربية ثوبًا أنيقًا بسيطًا، وزاهرًا في وقت واحد».

في الواقع، لم تكن المحروسة، الجريدة الوحيدة التي تحدثت عن الكتاب؛ فقد استقبلت جرائد مصرية عديدة النسخة المترجمة للكتاب بحفاوة بالغة، وقد كتبت جريدة «الملاجئ العباسية ومكارم الأخلاق الإسلامية»، أن الكتاب متين الأسلوب وعالي التعبير، وغزير المادة.

حافظ

صورة من مسلسل فارس بلا جواد

لكن الخبر الصادم والمدهش الذي اكتُشف فيما بعد، هو أن هذا الكتاب المحتفى به، ليس من تأليف عالم اجتماع أجنبي، وإنما من ألفه هو المحتال الشهير، الذي تبحث عنه الشرطة والمطلوب للعدالة «حافظ نجيب»، وقد كتب فيه فلسفته الخاصة عن السعادة؛ إذ اضطر نصاب مصر الشهير، وحديث الصحافة والشارع في العقدين الأولين من القرن العشرين، إلى نشر كتبه بهذا الشكل؛ لأنه مطارد من الشرطة المصرية، فاستطاع أن يحتال عبر التنكر في شخصية وسيط، قال إنه وكيل للمترجمة المسنة «وسيلة محمد»، فعل ذلك بدار المعارف، لتنشر الكتاب، وتصدق أنه كتاب مترجم لعالم الاجتماع الفرنسي.

وكانت وسيلة محمد، السيدة التي ترعاه في منزلها بمصر القديمة؛ إذ تنكر حافظ هناك باسم الشيخ «عبد الله المنوفي»، وأطلق لحيته، وعرفه أبناء المنطقة بالزهد والورع وحظي بمحبة الجميع.

بطل شعبي .. أو «روبن هود» مصر

في الواقع كان اسم حافظ نجيب هو حديث الساعة في البلاد، وكان الناس ينسبون إليه من قصص الاحتيال، ما لا يصدقه عقل؛ كان بطلًا شعبيًا، اسمه حاضر بقوة في كل جلسات السمر.

يحكي المؤلف الدرامي المصري «محفوظ عبد الرحمن»، عن ذكرياته وهو طفل، مع سيرة حافظ نجيب، فيقول «سألت والدي ذات مرة عن حافظ نجيب، فرد بإعجاب، وقال إنه أعظم من أرسين لوبين. وكنت أعرف أرسين لوبين، وعرفته أكثر فيما بعد، لقد كان البطل الشعبي في زماننا، اللص الشريف الذي يسرق من أجل الخير، ويحقق العدالة، ويقوم بمغامرات لا يصدقها عقل».

وبعيدًا عن أن حافظ كان محتالًا بارعًا، يتحدى كل المؤسسات بقدرته على التنكر، وعلى تنفيذ عملياته، على الرغم من استنفار تلك المؤسسات بكامل قواها ضده، وبعيدًا عن أن ذلك في حد ذاته كفيل لشرائح عديدة أن تفتن به وبذكائه، فإن فكرة اللص الشريف في زمن الاحتلال، كانت في حد ذاتها فكرة ثورية، تروق للشعب، ويتحول عبرها المحتال إلى بطل شعبي، يثأر من كل أذناب المحتل.

حافظ

مصر قديمًا (مصدر الصورة: دوت مصر)

وكان يُنظر إلى اللص، الذي لا يوظف احتياله ضد الفقراء، على أنه رد فعل ثوري ضد الاحتلال، وخصوصًا إذا كان هذا اللص يخدم وطنه أثناء قيامه بالاحتيال، وإذا كان صديقًا لزعماء الحركة الوطنية، مثل «مصطفى كامل ومحمد فريد».

بطل محمد صبحي في مقابل بطل الشعب

حين قدم محمد صبحي، شخصية حافظ نجيب للمشاهدين العرب في رمضان 2002، كان الشارع العربي، وربما الإسلامي أيضًا، يحلم ببطل يمحو حدود «سايكس ـ بيكو» المرسومة بين الشوارع العربية؛ تقسمها إلى دول، ويوحدهم تحت راية جيش واحد؛ لنصرة فلسطين، وانتفاضتها الثانية «انتفاضة الأقصى»، وتحريرها من الاحتلال، خصوصًا مع وصول خطاب الإسلام السياسي آنذاك، إلى ذروة نجاحه بين الشعوب العربية، بشرائحها المختلفة.

لذلك اختار صبحي، بأسلوبه الفني التلقيني، أن يجعل من البطل الشعبي المنسي، بطلًا يتمتع بالكمال؛ خاليًا من النقائص والعيوب، ومناضلًا يحتال على الجميع؛ ليحرر بلاده من الاحتلال البريطاني، وفي طريق نضاله يكتشف وثائق «بروتوكولات حكماء صهيون»، التي تجعله يكتشف بدوره أن العدو الحقيقي، ليس هو «بريطانيا»، وإنما «إسرائيل».

وبالطبع بروتوكولات حكماء صهيون، هو كتاب يشكك أغلب المؤرخين في صحته. وفي هذا الصدد يقول المفكر المصري المعادي للصهيونية، وصاحب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، «عبد الوهاب المسيري»، عن كتاب بروتوكولات حكماء صهيون الذي اعتمد عليه المسلسل «مجرد كلام ساذج .. كأن يجلس رجل وزوجته لكتابة خطة فضفاضة للاستيلاء على العالم، فلم تذكر البروتوكولات أية آليات لتنفيذها. إن العقل البشري إن لم يجد نموذجًا تفسيريًا ملائمًا لواقعة ما، فإنه يميل إلى ردها ليد أو أياد خفية، تنسب إليها التغييرات والأحداث التي لا تكون حسب هذا المنظور؛ نتيجة تفاعل بين مركب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة والمجهولة من جهة، والإرادة الإنسانية من جهة أخرى، وإنما هي نتاج عقل واحد وضع مخططًا جبارًا، وصاغ الواقع حسب هواه، وهو ما يعني أن بقية البشر مجرد أدوات».

ويقول المسيري أيضًا عن تلك الوثيقة التي تسمى «بروتوكولات حكماء صهيون»، إن «الرأي السائد في الأوساط العلمية، التي قامت بدراستها أنها وثيقة مزورة، ونبرة البروتوكولات ساذجة للغاية، فمن الواضح أن كاتبها الذي زيفها لا يجيد التزييف».

لكن من بين كل الانتقادات التي وجهت لمسلسل «فارس بلا جواد»، يبقى ما قاله آنذاك الناقد «أسامة عفيفي»، هو الأكثر اقترابًا من جذر المسألة؛ إذ رأى أسامة أن شخصية حافظ نجيب، كانت محبوبة للغاية من الشارع المصري في زمن الاحتلال البريطاني، ولهذا فقد أضاف لها من عنده أيضًا حكايات أسطورية، ارتبطت بوجدانه، ثم جاء «صبحي» وقصرها على مسألة التنكر، ثم ضيقها على نفسه أكثر؛ فجعل للبطل وجهًا واحدًا، هو وجه المناضل من أجل الاستقلال، ولو جعل صبحي الشخصية من لحم ودم، لاكتسبت أبعادًا إنسانية، وأصبحت مثل شخصية «زوربا اليوناني»، وخاصة أنه كان يتمتع بخفة الظل و«فهلوة ابن البلد المصري».

في الواقع، اكتسبت شخصية حافظ نجيب بعدًا وطنيًا، من خلال المعلومات التي تقول إنه كان صديقًا لزعماء الحركة الوطنية المصرية ضد الاحتلال، مثل «محمد فريد ومصطفى كامل»، لكن هذا البعد الوطني حتى، قد ارتبط بحكاية ذات لحم ودم.

حافظ

صورة لحافظ نجيب (المصدر: موقع المعجم)

فبحسب حافظ نجيب نفسه، فإنه بكل حيله وذكائه، لم يسلم من خيبة الأمل في الحب والغرام، وحينها أراد أن يختفي بدير، ويتحمل نفسه بداخله، ويأنس بها ويتعرف عليها، وتكون تلك واحدة من وسائل التنكر من الشرطة التي تتمنى صيده.

وبالنقاش مع من سماهم بأصدقائه من الحركة الوطنية، رأوا في تلك الوسيلة من التخفي عن أعين الشرطة، ما قد يفيد القضية الوطنية بشدة، ويحول الهروب من الحب الفاشل ومن الشرطة، إلى عمل وطني كبير؛ إذ قال له أحدهم – ويرجح أنه الزعيم الوطني محمد فريد – وهو ما استقروا عليه بالفعل «يجوز أن يكون الدير وسيلة لذهابك في منصب مطران الحبشة، وذلك البلد لا يزال مستقًلا، ومنصب المطران هناك منصب عظيم جدًا، واحترام الأحباش للجالس على كرسي المطرانية أعظم من إجلالهم للجالس على العرش ذاته، وفي مقدور المطران المثقف ثقافة عالية أن ينشئ هناك جيشًا يعلم ضباطه في النمسا أو ألمانيا، فيصير في مقدوره السيطرة على السودان، وإنقاذ مصر من المحتلين».

لكن السبب الأساسي الذي شكل نجيب على هيئة بطل في الوجدان المصري، لم يكن نضاله وكراهيته للمحتل؛ وإنما لأنه ذلك الفرد الذي امتزج بداخله كل الذكاء وخفة الظل، اللتين يجلهما «الفلاح المصري» في مواجهة خصومه ومحتليه وجباة ضرائبه، منذ عصر «الإمبراطورية الرومانية».

كان نجيب في نظر المصريين، الذين يتناقلون حكاياته، هو النموذج الصافي للمقاومة بالحيلة؛ فهو الذي احتال على الأغنياء والمؤسسات، وأخذ منهما المال عن طيب خاطر، وهو الذي لم يُذكر أبدًا بتهمة الاحتيال على فقير، لم تأخذه رحمة أبدًا بالمؤسسات، لكنه أبدًا لم يكن عدوًا ومحتالًا على أبناء شعبه من الفقراء.

كان نجيب بطلًا؛ لأنه ببساطة كان لصًا يسرق الأغنياء، لا الفقراء، ولأنه جعل من جهاز احتكار العنف والاحتيال، «الشرطة»، أضحوكة في أعين البسطاء؛ ففي كل مرة يحاولوا أن يقبضوا عليه فيها كان يحولهم إلى أضحوكة، بالرغم من أنه فرد وهم مؤسسة كاملة تحتكر العنف.

ويُمكن المجازفة بالقول، إنه بطل شعبي؛ لأنه محتال وبارع في فنون التنكر، وفي فنون «الإتيكيت» أيضًا، يضاجع الأجنبيات، ويسرق الأغنياء، ويجعل من المؤسسات المهيبة والقاسية، أشباحًا مضحكة لا تقدر على فعل شيء، يدمن الخمر والحشيش، ثم يشتهر بالتقوى والورع، ثم يتنكر في شخصية راهب بدير، ثم يحب ويفشل في الحب، ويقرأ كثيرًا، ويؤلف كتبًا في الفلسفة بأسماء فلاسفة غربيين، فتحتفي بها الصحافة، ثم تكتشف أن المؤلف هو المجرم الهارب حافظ نجيب. باختصار، يُمكن القول «إن حافظ نجيب، كان بطلًا شعبيًا؛ لأنه كان بطلًا من لحم ودم».

عرض التعليقات
تحميل المزيد