«لقد دقَّت الساعة وآن الأوان، اليوم سنزلزل الأرض تحت أقدام الظالمين، حان موعد الفتح العظيم. لبيك يا طرابلس لبيك، سندخلها بأمان سالمين».

لم تكن هذه الكلمات للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي مهدّدًا بها الثوار الليبيين الذي انتفضوا ضدّ نظامه؛ بل كانت جزءًا من خطاب المشير خليفة حفتر يوم الخميس الماضي؛ يعلن فيه بصفةٍ مفاجئةٍ انطلاق عملية «الفتح المبين»، قصد تحرير العاصمة طرابلس، ممّن سماهم بالمتطرفين. ويومًا بعد يوم تزداد خسائر قوات حفتر بسبب المقاومة العنيفة التي تواجهها قواته في محيط طرابلس؛ إذ إنه في المقابل أعلنت القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا على لسان المتحدث باسمها العقيد محمد قنونو يوم الأحد الماضي، انطلاق عملية «بركان الغضب» التي تهدف إلى «تطهير كل المدن» من «المعتدين والخارجين على الشرعية» صدًا لهجمة حفتر.

في هذا التقرير نسلط الضوء أكثر على القوات والكتائب المشاركة في عملية بركان الغضب.

وعد بإنهاء أزمة ليبيا في أسبوعين.. هل ينجح حفتر بالسياسة فيما فشل فيه السلاح؟

رغم الدعم الإقليمي حفتر لا يزال «تائهًا» في معركة طرابلس

منذ أكثر من ست سنوات ونصف لم تشهد العاصمة الليبية طرابلس معارك حامية الوطيس مثلما تشهد هذه الأيام؛ وذلك بعد أن أعلن المشير خليفة حفتر انطلاق عملية «الفتح المبين» لتحرير العاصمة طرابلس. فقبيل الشروع في العملية كان حفتر يظنّ أنّ معركة طرابلس ستكون لقمةً سائغة في طريقه نحو المجد، وتحقيق طموحاته لحكم البلاد؛ وهذا ما فُهم من خلال خطابه المستنسخ من خطابات سلفه الراحل معمر القذافي، غير أنّ المعارك الدائرة حاليًا في محيط العاصمة الليبية أثبتت العكس، مؤكدة استعصاء العاصمة طرابلس على حفتر وقواته.

فطيلة الأيام الخمسة الماضية تكبدت قوات حفتر خسائر فادحة، عقب خسارتها مواقع مهمة في مواجهة تقدم قوات عملية «بركان الغضب» التي أطلقتها حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا، بدايةً بمطار طرابلس الدولي المدمر، الذي أعلنت قوات تابعة لحكومة الوفاق الأحد الماضي السيطرة عليه، بعد أن شنّت قوات حفتر هجومًا عليه منذ الخميس الماضي.

كما تعرضت عدّة كتائب تابعة لحفتر إلى عمليات أسرٍ جماعية خلال ساعاتٍ فقط من انطلاق حملة حفتر لتحرير طرابلس، وهو ما شهدته معركة كوبري الـسابعة والعشرين على الشريط الساحلي لطرابلس، حيث سقطت قوةٌ لحفتر مكونة من أكثر من 40 آلية عسكرية، في قبضة ثوار الزاوية. وكانت حكومة الوفاق الوطني أعلنت الاثنين الماضي سقوط أكثر من 35 قتيلًا منذ بدء المعارك، في حين أقرت قوات حفتر بمقتل 22 من جنودها، فيما أفادت مصادر ليبية من داخل مدينة غريان التي استولت عليها قوات حفتر أنّ مستشفى المدينة لم يعد قادرًا على استيعاب ضحايا أفراد قوات حفتر، بينما أعلنت منظمة الصحة العالمية مقتل 47، وإصابة 181 خلال الأيام الماضية في المعارك الضارية على تخوم طرابلس.

وأمام الأوضاع على أرض المعركة، والتي كشفت عن تراجعٍ وتيهٍ لقوات حفتر؛ بدأت الدول الإقليمية الداعمة لحفتر وعمليته في التدخل لإنقاذ عملية «الفتح المبين»، إذ أشارت صحيفة «الأخبار اللبنانية» أنّ طائراتٍ تابعةٍ لحفتر انطلقت من الأراضي المصرية، وتحديدًا من «قاعدة محمد نجيب» العسكرية، المطلة على ساحل البحر المتوسط لتشنّ غاراتٍ جوية على مطار طرابلس الأحد الماضي، وأضافت الصحيفة أنّ طيارين مصريين وإماراتيين يتواجدون بالقاعدة المصرية العسكرية لتنفيذ طلعاتٍ جوية دعمًا لتحركات قوات حفتر.

الرئيس المصري وولي عهد أبوظبي واللواء متقاعد خليفة حفتر

على الجانب الآخر، أبلغ رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية، فايز السراج، السفيرة الفرنسية في طرابلس، بياتريس دو إيلين، احتجاج حكومته الشديد على موقف باريس الداعم لحفتر وعملياته العسكرية، وكان حفتر قد زار الرياض قُبيل الهجوم على العاصمة الليبية بأيامٍ؛ حيث استقبله الملك سلمان وولي عهده، والتقى أيضًا عددًا من المسؤولين السعوديين من بينهم وزير الداخلية السعودي، ورئيس الاستخبارات العامة، وهي الزيارة التي اعتبرها متابعون للشأن الليبي بمثابة الضوء الأخضر لبداية الهجوم على العاصمة الليبية طرابلس.

«بركان الغضب» في مواجهة «الفتح المبين»

بعد ثلاثة أيامٍ من انطلاق عملية «الفتح المبين» الذي أذِن فيها المشير خليفة حفتر لقواته بدخول العاصمة طرابلس، أعلن المتحدث باسم القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا العقيد، محمد قنونو، انطلاق ما سماها عملية «بركان الغضب»، التي تهدف حسبه إلى «تطهير كل المدن من المعتدين والخارجين على الشرعية»، في إشارةٍ إلى قوات حفتر؛ ليزداد وطيس المعارك اشتعالًا. فلم تمض سوى سُويعاتٍ من إعلان حكومة الوفاق الهجمة المرتدة ضد قوات حفتر حتى بدأت جحافل قوات حفتر في الانسحاب من أكثر من موقع.

ومع الكرّ والفرّ الذي ميّز المعارك في محيط مطار طرابلس في الأيام الماضية، تمكنت أخيرًا قوات الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني، صباح الاثنين الماضي، من الدخول إلى مطار طرابلس الدولي، جنوب العاصمة الليبية، عقب اشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة مع قوات المشير خليفة حفتر. وأكّد مصدر ليبي مطلع لـ«ساسة بوست» انسحاب قوات تابعة للمشير خليفة حفتر تاركةً أسلحتها ومعداتها العسكرية، والهروب إلى مدينة غريان جنوب العاصمة طرابلس. وأكّد المصدر ذاته أيضًا انضمام كتائب عسكرية من المدن القريبة إلى العاصمة طرابلس، للمشاركة في عملية بركان الغضب.

وتشارك في «عملية بركان الغضب» عدّة مجموعات مسلحة تابعة لحكومة الوفاق أبرزها «كتيبة ثوار طرابلس» التي تشكلت بعد الثورة الليبية سنة 2011، على يد مهدي الحاراتي، وعبد الحكيم بلحاج، ويقودها حاليًا هيثم التاجوري، وهشام بشر. وتمتلك كتيبة ثوار طرابلس بعض الآليات العسكرية، ولا يعرف العدد الحقيقي لها، خاصة أنّها تتبع جهاز الأمن المركزي التابع لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق. وانتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر آمر كتيبة ثوار طرابلس، هيثم التاجوري، وهو يتوعد القوات المسلحة في طرابلس بالهزيمة. وقال التاجوري إن كتيبته لم تستعمل إلا القليل من قوتها، حسب تعبيره.

وإلى جانب كتيبة ثوار طرابلس نجد «قوة الردع الخاصة» التابعة لحكومة الوفاق، وهي الأكثر تسليحًا وتستحوذ العدد الأكبر بين المقاتلين في طرابلس، وتقع إمرتها تحت يد عبد الرؤوف كارة، وضمّها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني لجهاز ردع الجريمة غير المنظمة والإرهاب، لتلعب دورًا مهمًا في المعارك التي يشهدها مطارا معيتيقة وطرابلس الدولي ضد قوات حفتر. ويشارك أيضًا في عملية بركان الغضب «لواء النواصي»، والذي يُعرف أيضًا بـ«القوة الثامنة»، وهو إحدى المجموعات المسلحة الموالية لحكومة الوفاق الوطني، وتمتلك عتادًا عسكريًّا ثقيلًا، وعددًا من الدبابات الحربية، وانضمت «كتيبة أبو سليم» القوة المعروفة بـ«الأمن المركزي أبو سليم» إلى ركب عملية بركان الغضب، بقيادة عبد الغني الككلي، وهي الكتيبة التابعة للأمن المركزي لوزارة الداخلية بحكومة الوفاق.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى انضمام كتائب عسكرية من مدنٍ قريبةٍ من طرابلس أيضًا، أبرزها «قوات كتائب مصراتة» التي تعدّ أضخم القوات العسكرية الليبية المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني، إذ تشير مصادر إعلامية إلى بلوغ عدد المقاتلين الفعليين لمصراتة 25 ألف مقاتل، موزعين على قرابة 230 كتيبة. وتمتلك هذه الكتائب مجتمعة ما يزيد على 3500 سيارة مجهزة بمضادات الطائرات وراجمات صواريخ، وما يزيد على 200 دبابة، وتَتمركز أغلبها في معسكرات تابعة للنظام السابق، كما تتمركز باقي الكتائب في ضواحي المدينة، وفور إعلان حفتر هجومه على طرابلس بدأت قوات ضخمة من مدينة مصراتة في الزحف إلى مصراتة للدفاع عن حكومة الوفاق الوطني، كما أعلن ثوار الزنتان التحاقهم بمعركة طرابلس، وانضمام «المجلس العسكري للزنتان»، أكبر حلفاء حفتر في الغرب، إلى حكومة الوفاق، وتعيين قائده أسامة الجويلي قائدًا للمنطقة العسكرية الغربية.

قصة الصراع الممتد في ليبيا على عرش القذافي

هل ينجح «بركان الغضب» في دحر قوات حفتر؟

مع توحد الكتائب العسكرية للغرب الليبي؛ باتت مأمورية قوات حفتر في كسب معركة طرابلس صعبة، وهذا ما أكده الخبير الليبي في القضايا الأمنية، مصطفى الساقزلي، بالقول إنّ: «القوى المدافعة عن طرابلس حجمها كبير، وتمثل 70% من سكان ليبيا، ولديها عدد كبير من الأسلحة، ومن مناطق قوية مثل مصراتة والزنتان وطرابلس، وهذه المناطق جميعها توحدت ضد هذه الهجمة». وأضاف الساقزلي أن قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود الجيش في الشرق، لن تتمكن من حسم معركة طرابلس، دون أن يكون هناك دعم خارجي، وخاصة من فرنسا والإمارات ومصر.

ومنذ إعلانه الانقلاب في فبراير (شباط) 2014، وإطلاقه عملية «كرامة ليبيا»، والتي كان الهدف منها بحسبه تطهير البلاد من الكتائب المسلحة، تَواجه المشير خليفة حفتر مع المجموعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق حاليًا في عدّة معارك، تكبد خلالها حفتر وقواته خسائر كبيرة، ما جعل المراقبون يتنبؤون بصعوبة معركة حفتر الحالية في السيطرة على طرابلس.

وطيلة ثلاث سنواتٍ قضتها قوات حفتر في حربٍ مفتوحةٍ للسيطرة على بنغازي، كانت «كتائب ثوار ليبيا (طرابلس حاليًا)» و«درع ليبيا» من أعتى الميليشيات المسلحة التي وقفت في طريق حفتر، وأخرت سيطرته على عاصمة الشرق الليبي بنغازي، التي انطلقت منها شرارة الثورة ضد نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، وهي المدينة التي قال عنها حفتر في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 إنّ «تحريرها سيستغرق ساعاتٍ فقط»، قبل أن تمتد المعارك للسيطرة على المدينة قرابة ثلاث سنوات، بعد تلقيه مساعدات عسكرية ولوجستية من دولٍ عربية للقضاء على خصومه في بنغازي.

وكان حفتر قد أعلن بعد سيطرته على بنغازي سنة 2017، التزامه بتحرير كامل المدن الليبية من الميليشيات المسلحة، ففي السابع من مايو (أيّار) 2018، أعلن حفتر بدء عملية عسكرية للسيطرة على مدينة درنة الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق، وخلال كلمةٍ ألقاها بمناسبة إعلان بدء حملته ضدّ درنة قال حفتر إنّ تطويع المدينة لن يحتاج سوى إلى حصارها برًّا وبحرًا، قبل أن تبقى الحملة على درنة تراوح مكانها بسبب مقاومة الكتائب والمجموعات العسكرية في المدينة لقوات حفتر، التي لم تحسم المعركة إلّا بعد ضربات عسكرية من جهاتٍ إقليمية أصابت مواقع تمركز القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

ومع انتهاء الأسبوع الأوّل من حملة المشير خليفة حفتر على طرابلس، لا تزال قوات الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر تراوح مكانها، نظرًا إلى المقاومة الشديدة التي تلقتها من عملية بركان الغضب، وهي العملية التي اجتمعت فيها معظم الكتائب المعادية لحفتر، والتي كانت سببًا في تعثر عملية «الكرامة» التي أطلقها سنة 2014، وبالإضافة إلى قوة المجموعات المسلحة المشكلة لعملية بركان الغضب، يجد حفتر نفسه مجبرًا على عدم التعويل على سلاح الجو الذي لطالما استخدمه لتركيع تلك الجماعات المسلحة في الشرق الليبي، بسبب بعد قواعده الجوية عن العاصمة طرابلس.

صحيفة فرنسية: هذا ما تفعله السعودية والإمارات لدعم حفتر للاستيلاء على طرابلس

المصادر

تحميل المزيد