كأنّ ليس هناك أزمة بل تمردٌ مسلح بدأ يلقى تأييدًا من الشارع بعدما استقطب قيادات وألوية عسكرية متذمرة من السلطات، صادق المؤتمر الوطني العام (بليبيا)، على قرار تعيين رئيس الحكومة، بحيث أشار نص قرار المؤتمر الوطني (البرلمان) الموقع من رئيسه نوري أبو سهمين على أنه “يعين أحمد معيتيق رئيسًا للحكومة المؤقتة ويكلف بتشكيل حكومته وتقديمها إلى المؤتمر الوطني العام لنيل الثقة خلال مدة أقصاها خمسة عشر يومًا من تاريخ هذا القرار”.

خلاف حول معيتيق

رئيس الوزراء المعين أحمد معيتيق

القرار الموقع من طرف رئيس المؤتمر نوري أبو سهمين الذي لم يحضر جلسة التصويت على القرار، وهو وحده كان مثار خلاف كبير بين الأعضاء، بقدر ما اعتُبر معيبا في الشكل للسبب الأخير على الأقل بقدر ما أعاد إلى الواجهة الدعوات المتكررة الداعية إلى إنهاء العمل بالمؤتمر الوطني العام الذي يعتبره البعض “غير شرعي”، لأنه كان مفروضًا أن يتم انتخاب آخرٍ غيرِه في 17 فبراير الماضي، لكن إصرار كتلة “الوفاء للشهداء” التي يتحكم فيها حزب “العدالة والبناء” المحسوب على “الإخوان المسلمين” على استمرار العمل به، حال دون ذلك، وواصل العمل رغم المعارضة القوية له من طرف تيارات سياسية ومجموعات مسلحة لم تجد مانعًا في اقتحامه ومهاجمته أكثر من مرة.

الخلاف السياسي لم يركز فقط على غياب رئيس المؤتمر الوطني العام، وهو الغياب الذي لم يقتصر فقط على جلسة التصويت بل لوحظ منذ عدة أسابيع إلى درجة جعلت عدة نواب يطالبون باستقالة هذا الرئيس، بالرغم من أن تبريرات غيابه كانت ترجع إلى أسباب تتعلق بضرورة علاجٍ صحي، ولكن هذا الخلاف انصب أيضا على اسم “معيتيق” كرئيس للوزراء، بحيث لا يتردد كثير من السياسيين باتهامه بأنه من الموالين لـ”الإسلاميين” ولحزب “العدالة والبناء” تحديدًا. معارضة تعيين معيتيق التي صدرت عن عدد من نواب المؤتمر، كانت أيضا هي موقف نائب رئيس المجلس، عز الدين العوامي، الذي ترأس جلسة التصويت على تعيين معيتيق إلا أن كل ذلك لم يمنعه من إعلانه الانضمام إلى الأصوات الرافضة لتعيين هذا الاسم رئيسًا جديدًا للوزراء.

محاولات..

مقر المؤتمر الوطني العام كان أكثر من مناسبة عرضة لاقتحام المسلحين

محاولات ساسة طرابلس من أجل تدارك الموقف الآخذ في التطور نحو مزيد من التأزيم تواصلت بإعلان الحكومة، في وقت سابق، أنها أعدت قانونًا لمكافحة الإرهاب والذي يحتاج لمصادقة المؤتمر الوطني العام عليه؛ وهو ما اعتبره كثيرون بأنه محاولة “يائسة”، من المسؤولين في طرابلس الذين باتوا أكثر من غيرهم يدركون خطورة الأوضاع بالبلاد، كما أنها محاولة جديدة، تأتي في الوقت الميت لـ”إرضاء” المتمردين الموالين للواء خليفة حفتر.

وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك موقفا مسبقا من الليبراليين الذين يُحسب اللواء خليفة حفتر واحدًا منهم إزاء “المؤتمر”، بحيث يتهمون الكثيرَ من أعضائه بالتشدد والتواطؤ مع الجماعات الإسلامية المتطرفة التي أعلن حفتر الحرب عليها، فإن الأخير أبى إلا أن يرفض كل هذه الدعوات الآتية من ساسة طرابلس لـ”التهدئة”؛ ودعا قائد عملية (كرامة ليبيا) ورئيس “المجلس العسكري الأعلى”، اللواء خليفة حفتر، رئيس الوزراء الجديد أحمد معيتيق إلى الرحيل لأنه “لن يستطيع إعادة الاستقرار إلى البلاد”، بحسبه، وأن “لا شرعية لحكومته”، كما قال حفتر في تصريحات صحافية. بل إن حفتر رفض أيضا “أجندة” طرابلس التي تتضمن من بين ما تتضمن إجراء انتخابات برلمانية في الأفق القريب؛ وبعد يوم من منح المؤتمر الوطني العام (البرلمان) الثقة لحكومة معيتيق، دعا حفتر إلى تأجيل تلك الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في يونيو (حزيران) المقبل.

حفتر يتقدم !

اللواء خليفة حفتر قاد إلى جانب معمر القذافي انقلابًا عسكريًا أوصل الأخير إلى الحكم وهو اليوم يقود تمردًا عسكريًا

في سياق ذلك وبينما تتوجه الأنظار صوب مناطق الشرق حيث يواصل اللواء المتقاعد خليفة حفتر تقدمه الميداني، في حربه على ما يسميه “الإرهاب” بل وكذا على “جماعة الإخوان المسلمين”، وفي ظل تزايد طموحاته بحيث أعطى تصريحات صحافية لوسائل إعلام مصرية وسعودية ضَمّنها “إعجابه” بالمشير عبد الفتاح السيسي، المرشح فوق العادة لحكم مصر ما بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي، في ظل هذه التطورات يبرز على الساحة عنصر آخر على الساحة قد يحسم المعركة السياسية التي اتخذت واقعيًا وميدانيًا أبعادًا حربية. بحيث تظاهر نهاية الأسبوع الماضي آلاف الليبيين، في العاصمة طرابلس وفي مدينة بنغازي وعدد من المدن الأخرى، تأييدا ودعما لـ”عملية الكرامة” التي يقودها اللواء المنشق أو المقال، خليفة حفتر، منذ أسبوع، وهو ما جعل ساسة طرابلس في حرج كبير بل لم يخف البعض إبداء خشيته من أن تتطور الأمور إلى الأسوأ، لاسيما في ظل غياب أية بوادر لاستجابة “المتمردين” للدعوات الآتية من طرابلس من أجل الجلوس إلى طاولة الحوار.

مؤيدون لحفتر يرفعون صورته في التظاهرات الأخيرة

ففي طرابلس وحدها والتي تعتبر معقل دعاة “الشرعية” التي يتشبث بها المؤتمر الوطني العام ذو الأغلبية الإسلامية، تجمع آلاف المواطنين في ساحة الشهداء وسط العاصمة، وأكدوا دعمهم لـ”عملية الكرامة لمكافحة الإرهاب”، وإن رددوا في ذات الوقت شعارات تدعو إلى دعم المؤسسة العسكرية والشرطية الرسمية في مختلف ربوع البلاد، وأيضا وإن طالب هؤلاء المتظاهرون كل المليشيات المسلحة بمغادرة طرابلس وبأن تبقى بعيدة عن الساحة السياسية.

محتجون ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام

وفي بنغازي بدا المتظاهرون واضحين في تأييدهم الكلي للواء حفتر بحيث أعلن آلاف المواطنين في ساحة تقع مقابل أكبر فندق في وسط المدينة دعمهم للواء المتقاعد خليفة حفتر وطالبوه “بمواصلة عملية تطهير البلاد من الإرهاب”، كما رفعوا ذلك في شعاراتهم ولافتاتهم. وغير بعيد عن المكان تظاهر مئات من الثوار السابقين الإسلاميين في ساحة الحرية الواقعة إلى جانب محكمة شمال بنغازي معلنين رفضهم للعملية التي يقودها حفتر.

أي مآل؟

عناصر تابعة لإحدى الجماعات المتشددة

في ظل هذه التطورات والترقب المحلي والإقليمي لمآل الأوضاع في ليبيا، تبرز على السطح حقيقة لا يمكن إنكارها وهي كون العملية العسكرية التي يقودها اللواء المتقاعد أو المعزول خليفة حفتر ما كانت لتجد لها كل هذا الصدى والترحيب سواء من طرف قيادات عسكرية ومجموعات عسكرية محلية أو من لدن الشارع الذي خرج مرحبًا بعملية حفتر وهو يحمل صوره في الشوارع، لولا “تقاعس” أو “عجز” السلطات على نزع سلاح المجموعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة. كما لم تكن عملية حفتر المسلحة لتحقق هذه “المكاسب” لولا تمادي جماعات متشددة في ضرب كل مبادئ الثورة بعرض الحائط، وتغيير بعض تلك الجماعات شعار الثورة من ثورة من “أجل الكرامة” إلى الدعوة لإقامة “إمارة إسلامية” في محاكاة لا تخطئها العين للإمارات المتحدث عنها سواء في أفغانستان أو الصومال .. ها هنا يكمن المنعطف الخطير الذي تمر به ثورة 17 فبراير والذي قد يؤدي إلى كل الاحتمالات بما فيها الأسوأ!

عرض التعليقات
تحميل المزيد