بالرغم من الدعم غير مشروط الذي حصل عليه الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر لإسقاط حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، وفرض نفوذ إقليمي جديد لصالح الحلفاء ضمن حرب الوكالة التي تشهدها ليبيا، إلا أنّ كافة التقديرات السياسية والعسكرية التي دفعت حفتر لخوض معركة طرابلس في أبريل (نيسان) العام الماضي اتضح بعد ذلك أنها لم تكن محسوبة بدقة، فامتدت المواجهة 14 شهرًا بدلًا عن أسبوعين، وهي المدة التي كانت مقررة لها الحرب في حساباته.

وبينما لم تكن حكومة الوفاق المنتصر الوحيد في تلك المعركة، لم يدفع حفتر وحده الخسائر، ففي ظل انضمام خصوم جدد، واختفاء لاعبين قدامى، تبرز ليبيا واحدة من أهم مناطق الصراع في الشرق الأوسط، وأغناها بالنفط، بينما الواجهة العلنية لهذا الصراع الممتد؛ هما جنرال ليبي مُتمرسٌ في الحروب، ومهندسٌ ترك الهندسة والتحق بالعمل السياسي. التقرير التالي يشرح لك ماذا خسر حلفاء حفتر بتراجعه السياسي والعسكري في ليبيا.

مصر.. كيف ربحت تركيا قطاعات الطاقة والبناء والخدمات المصرفية؟

في عام 2012 وفي عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، كانت ليبيا تشهد تحولات ما بعد الثورة تمثلت في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين حزب «العدالة والبناء» ليكون أكبر الأحزاب الإسلامية، وأكثرها نفوذًا، وتصدرًا للمشهد، لكنه فشل في كافة الانتخابات والاستحقاقات السياسية التي تزامنت مع ظهور شخصية عسكرية – حفتر – والذي وجد في أحداث الثالث من يوليو (تموز) 2013، وما تبعها في القاهرة، فرصة مثالية للحصول على حليف إستراتيجي ممثل في السيسي. يقول حفتر بعدما أخضع الشرق الليبي تحت قبضته: «لولا السيسي لما استطعنا الوقوف على أرجلنا ومواجهة الإخوان في مصر، وليبيا».

على الجانب الآخر كانت مصر تلعب على حبال حكومة السراج المُعترف بها دوليًّا، فبينما كانت القاهرة تدعم حفتر عسكريًّا في الشرق، قامت بطرد القنصل الليبي التابع لبرلمان طبرق المؤيد لحفتر، كما قبلت على مضض استقبال السفير الحالي محمد عبد العزيز بالرغم من أنه استقبل دبلوماسيين قطريين في القاهرة في الوقت الذي دعمت فيه مصر الحصار الخليجي المفروض على قطر منذ يونيو (حزيران) عام 2017.

بودار التحولات السياسية العلنية تجاه حفتر تبعها تحولات اقتصادية في تجاه حكومة الوفاق، وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن عملية إعادة إعمار ليبيا قد تصل إلى 100 مليار دولار، وقد تمتد إلى 10 سنوات، وهي الصفقة الرابحة التي سُرعان ما انتزعتها مصر من حكومة الوفاق التي تعهدت على لسان وزير ماليتها أن تكون الأولوية للشركات المصرية في عملية الإعمار، بالاستعانة بقطاعات التشييد والبناء والكهرباء، والتي يفوق تعدادها 500 شركة مصرية، ما كان من المقرر أن يوفر فرص عمل لـ3 ملايين مصري.

ومع بدء معركة طرابلس التي مثلت أكبر فرصة لحفتر في إسقاط حكومة طرابلس بعدما سيطر على شرق ووسط وجنوب ليبيا، لم تعد مصر قادرة على الحفاظ على حيادها العلني تزامنًا مع إعلان حكومة الوفاق العثور على أسلحةٍ وذخيرة مصرية في المواقع التي انسحب منها حفتر خلال المعارك، ليصدر أول اتهامٍ رسميٍ من الوفاق موجه للقاهرة بالتدخل في الشؤون الداخلية لليبيا.

ومع دخول تركيا طرفًا أساسيًا في الصراع الليبي بتوقيع الاتفاقية الأمنية في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، لم يكن الدور يقتصر فقط على الأهداف السياسية، فخيار الدخول في الحرب في ظل تفاقم أزمات الاقتصاد التركي حمل دلالة واضحة على البُعد الاقتصادي للصراع نفسه.

أولى دلالات الاتفاق الأمني، هو ما نقلته «رويترز» عن مسئول تركي في قطاع البناء كشف أنّ حجم الأعمال التركية المتعاقد عليها في ليبيا يبلغ 16 مليار دولار، ولا يقتصر الوجود التركي على اقتطاع حصةٍ من السوق، بل تركزت المباحثات بين الجانبين على إرسال مستشارين أتراك إلى طرابلس للمساعدة في إعادة بناء المنظومة المصرفية.

وتركز تركيا وجودها على الملفات التي سبق للمخابرات المصرية العمل للاستحواذ عليها بعد انتهاء الصراع ضمن ترتيباتٍ سابقها خاضتها القاهرة، لكنّ الوجود التركي حاليًا انتزع قطاعات الطاقة والبناء والخدمات المصرفية في وقتٍ قرر فيه البرلمان المصري إعطاء الضوء الأخضر للجيش للقيام بعملياتِ خارجية في حال أقدمت حكومة الوفاق على اقتحام مدينة سرت – وسط ليبيا – مفتاح الشرق الليبي، والطريق الواصل إلى حقول النفط الإستراتيجية، وهو ما وضع القاهرة في موضع العدو العلني للوفاق.

الإمارات.. حلمٌ لم يتحقق من 10 سنوات

تدخلت الإمارات في ليبيا مُبكرًا حين شاركت بصورةٍ استثنائية في التدخل العسكري الذي شنّه حلف الناتو في مارس (أذار) عام 2011، لإسقاط حكم الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي، الذي رأت بقاءه تهديدًا مباشرًا لمصالحهما، خاصة أنّ القذافي حاول رسم نفوذٍ إقليمي مُعاكسٍ للمعسكر الخليجي في ذاك الوقت، كما أنّ مشروعه «ليبيا الغد» الذي أطلقه، مثّل تهديدًا اقتصاديًا مباشرًا لأبوظبي، والتي تعتمد في جزء كبير من اقتصادها على الموانئ.

ومع بروز حفتر في المشهد الليبي، استفاد من انعكاس الأحداث على الوضع الإقليمي، عقب عزل الرئيس محمد مرسي في يوليو عام 2013، فضاعف نفوذه السياسي عبر قوى إقليمية، وقبلية، وعربية، وكوّن جيشًا بجنود الكثير منهم من التيار السلفي، إلى جانب قيادات وألوية عسكرية متذمرة من السلطات، وتكشف صحيفة «وول ستريت جورنال» الدور الإماراتي في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدعم حفتر، بمسوغ أنّ المقاتلين في طرابلس لهم ارتباط بـ«القاعدة» وتنظيم «داعش».

الطريقة التي انخرطت بها  أبوظبي في الصراع الليبي تسببت فيما بعد في وقوعها تحت طائلة الاتهام الأممي الذي وجّه لها باختراق حظر تصدير السلاح المفروض على ليبيا وبتقديم مروحيات قتالية وطائرات حربية لقوات حفتر، تزامنًا مع التسريبات التي نشرتها صحيفة «الجارديان» البريطانية والتي كشفت تدخل الإمارات في أعمال المبعوث الأممي إلى ليبيا للتأثير في العملية السياسية لصالحها، نهايةً بالاتهام الرسمي لها من قبل حكومة الوفاق بدعم الفوضى في ليبيا.

الخسارة الميدانية التي مُني بها حفتر في الغرب الليبي تهدد بدورها مشاريع أبوظبي في الشرق، وسعت الإمارات أيضًا من خلال شركة موانئ دبي – تمتلك الحكومة 80% من أسهمها – في إنشاء شركة متخصصة في إدارة الموانئ بليبيا لتكون امتدادًا للموانئ التي تديرها أبوظبي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتسيطر حاليًا على مينائي طبرق برقة شرق ليبيا.

سقوط حفتر يهدد السعي الإماراتي في إعادة بناء المنظومة المصرفية التي سيطرت عليها الإمارات حاليًا بموجب اتفاقات مسبقة مع حكومة الوفاق، وقد نشر موقع «الإمارات» المعارض معلومات لم يتثنى لنا التأكد من صحتها عن رغبة الإمارات في تأسيس بنك بقيمة 164 مليون دولار يهدف في إحدى مهامه للسيطرة جزئيًا على الاقتصاد الليبي ومنع الشركات الأجنبية قدر الإمكان من الاستثمار، بهدف أن تكون الإمارات هي الشركة الوحيدة العاملة في ليبيا، بحسب الرموقع الإماراتي المعارض، وهو ما لم تؤكده مصادر أخرى.

وبحسب تحليل صادر عن مركز «سينترو ستادي» الإيطالي المتخصص في العلاقات الدولية، فاهتمام الإمارات بالسيطرة على البنى التحتية للمواني في ليبيا (مثل بنغازي، وطبرق)، يعد جزءًا أساسيًا من إستراتيجية أبوظبي لتصبح الفاعل الإقليمي الرئيس في التجارة البحرية.

فرنسا.. ماذا خسر ماكرون بالوقوف مع حلفاء حفتر؟

في عُمق الأرض الليبية احتياطاتٌ نفطيةٌ هائلة تُقدر بنحو 48 مليار برميل، إضافةً إلى احتياطات النفط الصخري بسعة 26 مليار برميل، وهي الثروة التي حوّلت الصراع الليبي بالأساس إلى حربٍ بالوكالة بحثًا عن حصةٍ من كنوز النفط الليبية، وبالنسبة لفرنسا، فيحتل النفط الليبي 99% من وارداتها.

استثمارات فرنسا الكبرى في مجال الطاقة عبر شركة «توتال» تتركز أغلب مشاريعها في الأراضي الواقعة في قبضة حفتر، لذا بدا هناك سبب مهم للانحياز إلى الجنرال الليبي، إلى جانب عداء فرنسا الدائم لكل مشروع يرتبط من قريب أو بعيد بالإسلام السياسي.

مع اندلاع الثورة الليبية قادت فرنسا حملة لحشد المجتمع الدولي لبدء عملية عسكرية أملًا في الإطاحة بآمال إيطاليا التي تعد الشريك الأول للنفط في ليبيا والمنافس لها، لكنّ روما عبر شركة «إيني» الإيطالية نجحت أواخر عام 2018 في الاستحواذ على نصف أصول ليبيا من النفط والغاز، وهو ما أفرز صراعًا سياسيًا خالصًا انتهى بدعم فرنسا لحفتر في المعركة التي شنها لإسقاط طرابلس في أبريل (نيسان) العام الماضي.

لكنّ خسارة معركة طرابلس دفعت فرنسا بعيدًا عن المشهد نوعًا ما بعدما لم تعد تصبح لاعبًا أسياسيًا في ظل انضمام أطراف جديدة مؤثرة ممثلة في موسكو، وواشنطن، وتركيا، وهي الخسارة السياسية التي كلفت باريس سابقًا اتهاماتٍ أوروبية ودولية بالعمل على تقويض الديمقراطية في ليبيا؛ مما أضر بسمعتها.

العداء الذي تناصبه حكومة الوفاق لفرنسا قد يحرمها مستقبلًا من الاستثمار في المزيد من مشروعات التعدين والطاقة، بالإضافة إلى التهديد المتمثل بحصتها من إعادة إعمار ليبيا، وهي الرسالة الصريحة التي أطلقتها فرنسا بعد مساعدتها للثوار في إسقاط القذافي: «من المنصف والمنطقي أن تستفيد الشركات الفرنسية من إعادة الإعمار».

تحول ليبيا إلى ساحة جديدة بين روسيا، وواشنطن، وتركيا أفقد فرنسا نفوذها السياسي، لكن مشاريعها النفطية ظلت حتى الآن بمأمن من الاستهداف، ونجحت باريس مؤخرًا في انتزاع حصة 16.33% من شركة «الواحة» – أهم شركة نفط في ليبيا – التابعة لمؤسسة النفط الليبية، والصفقة جاءت بعد سنواتٍ من رفض طرابلس التي اشترطت دفع 650 مليون دولار، وكانت تحمل تحفظاتٍ على تمرير الصفقة نظرًا للدور الفرنسي في دعم حفتر.

وبحسب المستجدات العسكرية الأخيرة، فمعركة سرت المرتقبة تهدد مصالح فرنسا والإمارات البحرية لصالح تركيا، وسبق لأنقرة أن طلبت رسميًا من حكومة الوفاق الحصول على إذن بالتنقيب في شرق البحر المتوسط، وسط اعتراضٍ فرنسي علني، وخوف إماراتي من خسارة موانئ شرق ليبيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد