عقد تحت شعار «المصالحة بين إسرائيل وليبيا» مؤتمرًا إسرائيليًا – ليبيًا على أرض جزيرة رودوس اليونانية قبل بضعة أيام، وحضر مجموعة من الشخصيات الليبية والإسرائيلية، من الكنيست ومن الحكومة، بالإضافة إلى سياسيين وأمنيين إيطاليين في إطار هذا المؤتمر.

يأتي هذا التحرك في إطار إصرار إسرائيل على الدخول في المشهد الليبي، وتحديدًا عبر اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، الذي لا يتوانى عن التعاون مع أي عدو لخصومه بغية تحقيق شرعيته في ليبيا.

«يهود ليبيا».. مبرر إسرائيل للتطبيع مع ليبيا

«جميع الفصائل في ليبيا تريد بناء علاقات مع إسرائيل، على الرغم من أنّ الدولة تعاني الانقسام في الوقت الراهن»، جزء مما قاله رئيس اتحاد يهود ليبيا في إسرائيل، ريفائيل لوزون.

رئيس اتحاد يهود ليبيا، ووزير الإعلام الليبي ووزير الإعلام الإسرائيلي (المصدر :نون بوست)

ومن أجل ذلك، عقد لوزون وغيره مؤتمر إسرائيليًا – ليبيًا في جزيرة رودوس اليونانية قبل أيام، لمناقشة إمكانية إقامة العلاقات بين ليبيا وإسرائيل، حيث بدأت سلطات شرق ليبيا غير المعترف بها دوليًا خطوات واضحة نحو تطبيع العلاقات بمباركة مصرية، وفتح المشاركة السياسية، وإعادة إعمار ليبيا لليهود من أصل ليبي، وذلك في ذكرى «طرد يهود ليبيا من الدولة الإسلاميّة» كما تسميه المصادر الإسرائيلية، وبغية تحقيق ما سمى بـ«المصالحة وبدء حوار بين اليهود الذين طردوا من ليبيا عام 1967 وليبيا الرسمية في الوقت الراهن».

يقول وزير الإعلام الإسرائيلي «أيوب قرا»: «حان الوقت ليكون ليهود ليبيا الحق في المشاركة في بناء بلدهم ليبيا، والحضور في المشهد السياسي»، مضيفًا: «هناك اتصالات مستمرة لقيادات يهودية وإسرائيلية مع جهات ليبية مسؤولة من أجل إيجاد سبل ترقية العلاقات، فالاتصالات بينه وبين حكومة السراج والقائد العام للقوات المسلحة التابعة للحكومة المؤقتة خليفة حفتر موجودة، وهناك رغبة لتوطيد العلاقات والتعامل بين الجانبين».

يؤكد الكاتب الصحفي الليبي «عصام الزبير» أن الوفد الذي تم اللقاء به في اليونان لا يمتلك أية صفة رسمية ليبية، بينما تريد إسرائيل من ذلك إثارة الأمر إعلاميًا، وإظهار ليبيا بأنها تسعى لإقامة علاقات معها، وفيما يتعلق باليهود من أصل ليبي، يقول الزبير لــ«ساسة بوست»: «حاول القذافي فك الحصار بإعادة العلاقة معهم عبر ريفائيل الذي زار ليبيا كثيرًا في عهده، وهم الآن يمدون جسور العلاقة ويريدون العودة إلى ليبيا، ويقولون بأنهم لم يذهبوا إلى فلسطين، بل بقوا في إيطاليا في انتظار العودة إلى ليبيا، ويريد ريفائيل استعادة أموال هؤلاء وممتلكاتهم في ليبيا».

ولا يستبعد الزبير أن يكون هناك مطامع إسرائيلية في ليبيا، البلد الذي يتمتع بموقع استراتيجي وخيرات وثروات معدنية ونفط وغاز، فهو مطمع للعديد من الدول والشركات المتعددة الجنسية، مضيفًا: «هناك دائمًا سعي للسيطرة على المنافذ والتجارة واحتكار معظم الثروات كالنفط والغاز والسلاح وغيرها».

لنزع الشرعية الدولية.. السبيل الأقصر «تل أبيب»

«ولم لا، فعدو عدوي هو صديقي»، لم يمحُ التاريخ هذا الجملة التي قالها اللواء المتقاعد خليفة «خليفة حفتر» ردًا على سؤال لصحيفة «كوريرا لايلا سيرا» الإيطالية، حول استعداده لتلقي الدعم من إسرائيل في لقاء أجرى معه في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2014.

اللواء المتقاعد خليفة «خليفة حفتر» (المصدر: نون بوست)

حفتر الذي أعلن صراحًة عن رغبته في «التعاون مع إسرائيل وتلقي الدعم منها»، حاول في مارس (آذار) 2015 وخلال زيارته إلى العاصمة الأردنية، عمّان، الالتقاء بإسرائيليين، بل إن صحفًا إسرائيلية قالت آنذاك: إن حفتر التقي بممثلين عن الجيش والاستخبارات الإسرائيلية في عمان، ويكشف موقع «ديبكا» الإسرائيلي أن حفتر أيضًا نسق في عام 2015 مع إسرائيل للقيام بعملية عسكرية كبرى في ليبيا.

ويذكر تقرير نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية أن «خليفة حفتر وضع نفسه في صورة المحارب ضد الإرهاب الإسلامي، وينظر إليه البعض في صورة المنقذ، لذلك لم يضيع الفرصة للإشادة بالسيسي، وانضمت طائراته مع نظيرتها المصرية لقصف مواقع يشتبه بكونها تابعة لـ«تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا»، بعد نشر التنظيم لفيديو يوضح قطع رأس أقباط مصريين»، ولذلك لم تتوانَ إسرائيل عن التحذير من «خطورة أن تتحول ليبيا إلى قاعدة تنطلق منها ما أسماها بـ(دولة الخلافة)؛ لتصبح تهديدًا مباشرًا لكل من الولايات المتحدة وأوروبا»، كما جاء في تقرير مركز أبحاث «يروشلايم لدراسات المجتمع والدولة»، بل إن السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة «تسفي مزئيل»، حرض مباشرة على ضرب ليبيا عندما قال: إنّ «تنظيم داعش في ليبيا والمليشيات الإسلامية الأخرى العاملة هناك، مثل فجر ليبيا التابعة للإخوان المسلمين، لن توقف عملياتها، وستواصل الحرب على مصر؛ بهدف إرباك جهود السيسي لدفع الاقتصاد، وبهدف زعزعة استقرار مصر؛ حتى تصبح دولة فاشلة، مثلما نجح الإسلام الراديكالي في أن يفعل في ليبيا نفسها والصومال والعراق وسوريا واليمن».

عناصر مسلحة ليبية (المصدر: أ.ب.ف)

يرى الكاتب والمحلل السياسي «علاء فاروق» أن إسرائيل دائمًا معنية بالتطبيع مع أي ديكتاتور يقبل بها في المنطقة ويعترف بوجودها كدولة لها سيادتها، في مقابل أن أي شخص يسعى للسيطرة على الحكم بنفس منهجية دولة الاحتلال الإسرائيلي يحرص على التواصل مع إسرائيل لمعرفته بمدى قدرتها على التأثير في المحافل الدولية، وخاصة اللوبي اليهودي المتحكم في سياسة الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ويوضح «فاروق» لـ«ساسة بوست»: «حفتر يدرك أهمية التقارب مع إسرائيل، فهو يريد إقناع الأمريكان بوجوده وقوته، ويرى أن السبيل الأقصر هو التواصل مع تل أبيب، ولذلك فهو لن يمانع أبدًا بالتواصل في أي وقت من أجل التأثير على القرارات الدولية تجاهه، وأهمها الاقتناع به كحاكم للبلاد أو قائد عام للجيش الليبي».

ذراع إسرائيلي في المشهد الليبي

عقود بملايين الدولارات حصلت عليها المجموعات الانفصالية في ليبيا من عميل إسرائيل؛ وذلك بغية الدفع نحو الانفصال وإضفاء شرعية على هذه المجموعات، وذلك عبر تقديم الأموال الإسرائيلية لحشد الاعتراف الدولي بحفتر.

آبار نفط ليبية

تلك القضية كشفتها صحيفة «الجارديان» البريطانية، وشكلت واحدة من أهم فضائح ارتباط حفتر بإسرائيل، فعميل مخابراتي إسرائيلي يُدعى «آري بن ميناشي» ويقيم في كندا بدأ علاقته بانفصالي شرق ليبيا في العام 2013، ذاك العام الذي زار في بنغازي، وتحديدًا في شهر سبتمبر (أيلول) منه، التقي «ميناشي» بالزبير السنوسي، الذي كان يحاول بلورة حراك فيدرالي كي يصبح كيان سياسي تحت اسم «المكتب السياسي لإقليم برقة»، وتؤكد الصحيفة أن عقد بقيمة ستة ملايين دولار، قدم بهدف الضغط على الإدارة الأميركية وحكومات مختلفة في العالم، من أجل تغيير سياساتهم إزاء ليبيا بما يخدم مصالح حفتر.

في المحصلة لم يستطع «بن ميناشي» إكمال مهمته ولم يحقق أي نتائج ملموسة لأنصار حفتر، ويظهر ذلك بوضوح بعد تورط مكتب حفتر في حادثة سفينة «مورننق غوري» التابعة لشركة كورية، وذلك بعد أن منعت سلطات حكومة المؤتمر الوطني بطرابلس توريد شحنة نفط جاءت بوساطة بن ميناشي من ميناء السدرة في مارس (آذار) 2014، فقد تمكنت من التفاهم مع المجتمع الدولي لإجبارها على الرسو في أحد موانئ طرابلس بعد وصولها المياه الإقليمية لمالطا، كما ثبت في هذا الوقت أن حكومة برقة على علاقة بشركة كندية مقرها مونتريال، حيث وقعت اتفاق بقيمة 2 مليون دولار لدعم قضية استقلال برقة، وحشد الاعتراف بها خاصة لدى الولايات المتحدة وروسيا.

ويؤكد تقرير «الجارديان» البريطانية، على أن بن ميناشي لا يزال على اتصال بحفتر، وتنقل مصادر خاصة لــ«العربي الجديد»، أن: «حفتر لا يعول كثيرًا على بن ميناشي، وأن الأموال التي قُدّمت للأخير لم تكن بموافقة مباشرة منه، وإنما باقتراحات من قبل أنصاره في شرق البلاد، لكنه في الوقت نفسه لم يرفض هذه الاتصالات والتعاقدات، لكونه رجلًا ذكيًا لا يمكن أن يتورط بشكل مباشر وشخصي مع علاقات مشبوهة كهذه».

من جانبه، يشير الكاتب الصحفي الليبي «عصام الزبير» إلى أن هناك أطرافًا ليبية تسعى إلى البقاء في السلطة، ولا يهمها مع من تتعاون في سبيل البقاء، وهي تعتقد أن الحل بيد الإسرائيليين؛ لكونهم سياسيين ولهم تأثير دولي، هذه الأطراف تعمل على خلق توازنات في إطار الصراع على السلطة، ولذلك دفعت بإسرائيل لتكون داعمًا، يتم التعاون معها، من ثم دفع المجتمع الدولي للاعتراف بهذا الطرف، مضيفًا: «تسعى إسرائيل للدخول إلى ليبيا والتأثير في المشهد الليبي واللعب بورقة قوية ورابحة لها، وذلك كي تستثمر الموقف، وتكون لها ذراع في زيادة الصراع والتأثير في المشهد الليبي مع زيادة المساحة لها في دول شمال إفريقيا».

المصادر

تحميل المزيد