تلقى اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضربة موجعة للغاية بخسارته مدينة غريان الاستراتيجية، وأهم معاقل قواته في غرب ليبيا، وقبل أن يلتقط أنفاسه من هذه الهزيمة بدأ في كيل التهديدات لأنقرة؛ بسبب «تدخلها في المعركة مباشرةً بجنودها وطائراتها وسفنها»، على حد تعبيره.

لم يكتفِ حفتر بإعلانه قائمة من التهديدات ضد مصالح تركيا في ليبيا، مثل أمر قواته بضرب المصالح التركية، ومنع الرحلات من تركيا وإليها، والقبض على الرعايا الأتراك في ليبيا، وأوامره للقوات الجوية باستهداف السفن والقوارب داخل المياه الإقليمية، بل نفذت قواته بالفعل خلال الساعات القليلة الماضية عمليات اعتقال أتراك في ليبيا، وأغلقت محلات تجارية لهم.

وردًا على أية خطوات عدائية في ليبيا ضد تركيا من قبل قوات حفتر قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: «سنتخذ التدابير اللازمة، ولقد اتخذنا بالفعل الاحتياطات اللازمة بشأن هذه المسألة على أية حال، من الآن فصاعدًا سنتخذ الاحتياطات بطريقة مختلفة أيضًا».

ما الدوافع الحقيقية وراء تهديد حفتر لتركيا؟

يقول المحلل السياسي التركي يوسف كاتب أوغلو، لـ«ساسة بوست»: إن «حفتر يريد من تهديد تركيا أن يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. يريد أن يظهر أن سبب هزيمته هو الدعم التركي لحكومة الوفاق الشرعية، وحاجته لمزيد من الدعم لمواجهة هذا التدخل التركي، وإدخال المزيد من القوات الأجنبية لدعمه في الحرب. ويريد أن يجد مبررًا للخسارة بنقل المعركة من كونها معركة محلية إلى القول بأنها إقليمية ودولية».

دبابة عسكرية كانت تستخدمها قوات حفتر سيطرت عليها قوات الوفاق في غريان

ويبين أوغلو أن تلك الممارسات التي يقوم بها حفتر ناجمة عن تضييق الخناق عليه من قبل حكومة الوفاق في ليبيا؛ إذ يحاول خطف الأنظار لموضوع آخر من أجل تخفيف الضغط عليه، وتشتيت الأنظار عن الهزيمة التي تلقاها مؤخرًا، وأفشلت مخططاته هو والأطراف الدولية الداعمة له في ليبيا.

وأردف أوغلو خلال حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول: «لا يمكن أن يقوم حفتر بعمل عسكري ضد تركيا، وممارساته لا تتعدى أكثر من صراخ لجذب الأنظار لوجوده، وأن التهديد الحقيقي لمصالح تركيا في ليبيا قد يأتي من قبل الأطراف المسيطرة على قوات حفتر، والتي تدعمها بالمال»، مضيفًا: «ربما تضرب المصالح خاصة في ظل الدعاية التي يُروج لها حفتر بأن تركيا لها سفن إرهابية تحمل سلاحًا، وأن لها مصالح إرهابية في ليبيا».

بدأت قضية عداء حفتر لتركيا مع انطلاق عملية الكرامة بضواحي مدينة بنغازي في مايو (أيار) 2012، فكانت أول القرارات التي اتخذها هي تهديد تركيا؛ مرتكزًا على دعم بعض الأطراف الدولية التي كانت تروج عبر وسائل إعلامية مختلفة أن كل ما يتم من إرهاب وعمليات في ليبيا سببه الدعم المادي والعسكري التركي.

ما سبق يذكره الباحث في الشأن الليبي فرج حسن في بداية حديثه لـ«ساسة بوست»؛ إذ يؤكد أن جماعات حفتر قامت في وقتٍ لاحق بطرد الأتراك من مناطقها إلى المناطق الشرقية في بنغازي، وبعض المناطق المحيطة بها، وعمدت أيضًا إلى إغلاق القنصلية التركية، وقامت تلك القوات بقصف سفينة تجارية كانت تمر بالقرب من الميناء في مدينة درنة عام 2015، وقتل أحد أفراد الطاقم.

رغم الدعم الدولي الكبير.. لماذا لم ينتصر حفتر حتى الآن؟

هل يستطيع حفتر تهديد المصالح التركية حقًا؟

تسبب اندلاع الثورة الليبية عام 2011 في توقف العلاقات والاتفاقات التجارية بين أنقرة وطرابلس، بيد أن الفترة الأخيرة شهدت تقاربًا كبيرًا في العلاقة، خاصة في الملف الأمني والاقتصادي. إذ وقعت «بروتوكولات» لتدريب أفراد الشرطة الليبية في تركيا، واستُئنف عمل الشركات التركية في الداخل الليبي.

رئيس تركيا رجب طيب أردوغان ورئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج في المجمع الرئاسي بأنقرة

ويشدد الباحث في الشأن الليبي فرج حسن على أن ليبيا تشكل لتركيا أهمية كبيرة من ناحية استراتيجية واقتصادية؛ فهي ترتبط منذ عهد القذافي، وتحديدًا عام 2010، باتفاقية تجارية تُعد الأكبر في تاريخ تركيا بقيمة 100 مليار دولار، وبرغم أن هذه الاتفاقية معطلة منذ «ثورة 17 فبراير» إلا أنها ستُفعل حال استقرار الأوضاع.

ويرى حسن أن حفتر قد لا يشكل خطرًا كبيرًا وتهديدًا حقيقيًا لتركيا، خاصًة وأن المناطق الموجود فيها لم تكن لتركيا مصلحة فيها، بعكس المناطق الغربية التي حاولت تركيا أن توجد لها فيها بصمة عبر دعمها لحكومة الوفاق. ويُشير إلى أن ما حدث في مدينة غريان يُمكن تجاوزه وتفويت الفرصة على حفتر الذي يُحاول المناورة في كسب أطراف سياسية معادية لتركيا، مثل محور السعودية، والإمارات، ومصر.

وعن الرد التركي يعتقد أوغلو أن إحداث تهديد في أي من المصالح التركية سيكون الرد عليه موجعًا – على حد تعبيره – من قبل أنقرة، التي تتأنى في ردود الأفعال، ولا تعتمد على ردود آنية غاضبة، وإنما ردود استراتيجية موجعة وفق القوانين الدولية، ووفق ما يحفظ صورتها أمام العالم، ولا تُلام عليه. خاصة من قبل الأطراف التي تُريد ضرب المصالح التركية خارج تركيا، ويوضح أوغلو: «تركيا دولة ذات سيادة، ولا يُمكنها أن تتصرف كما يتصرف المرتزقة، لذا فالمواجهة العسكرية الآن غير واردة وغير متوقعة، فأنقرة لا يمكنها أن تنزلق لهذا المستوى من ردة الفعل»، بحسبه.

من وراء تهديد حفتر لتركيا؟

تنفيذًا لأوامر حفتر، اعتقلت مديرية الأمن بمدينة إجدابيا شرق ليبيا مساء أمس، 30 يونيو (حزيران) 2019، اثنين من الأتراك العاملين بالمدينة، وأقفلت جميع المحلات والمطاعم التركية بالمدينة. ولم تكتفِ المديرية بذلك، بل دعت السكان لإبلاغ الأجهزة الأمنية عن أي شخص تركي، أو شركة تركية تعمل في المدينة. كما طالبت بإقفال المحلات والورش والمطاعم التي يعمل فيها مواطنون أتراك، وحصر الشركات التركية العاملة في هذه المناطق، وإزالة اللافتات التي عليها شعارات تركية.

حفتر مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

يعتقد الباحث في الشأن الليبي ياسين خطاب أن الأخطر في الإجراءات التي يقوم بها حفتر هي دعمها من قبل أطراف دولية مثل مصر، والذي يدل عليه تصريح مسؤول اللجنة المصرية المعنية بمتابعة الملف الليبي، الفريق محمود حجازي، الذي أكد فيه حرج بلاده من تصرفات حفتر، خاصة وأنها لا تُبدي تهديدًا ومقاطعة علنية لتركيا وحرصها على الاحتفاظ بماء وجهها أمامها.

موضحًا: «تشير إجراءات حفتر أنه لا يتحرك في إطار وطني، وإنما في إطار ردود فعل وتبعية مطلقة، فهو يحاول أن يكون طيعًا لمصر والإمارات والسعودية، وقد بدا ذلك واضحًا في تصريحات حجازي لبعض الصحف ووسائل الإعلام؛ إذ قال نحن طلبنا من حفتر أن يتخذ موقف تجاه تركيا، لكن ما قام به قد يرتقي لأن يكون تهديدًا إرهابيًا؛ لأنه تهديد للمواطنين ولشركات عاملة وهو مخالف للقانون الدولي وأحرجنا أمام تركيا».

من جانبه يقول الباحث في الشأن الليبي فرج حسن أن تركيا فطنت مبكرًا إلى أهداف حفتر وأيقنت أنه أداة في يد أطراف دولية أخرى؛ ما دفعها إلى تهدئة الأوضاع قليلًا. وأمام تلك الاتهامات والإجراءات اضطرت لاتخاذ إجراء يحد من توافد الليبيين على تركيا، واشترطت لدخولهم الحصول على تأشيرة.

خاصة وأنها كانت تمنح المواطن الليبي الدخول إلى أراضيها دون تأشيرة، وتسمح له بالبقاء لمدة ثلاثة أشهر ليتمكن بعدها من اتخاذ قرار الاستمرار والبدء بإجراءات الحصول على الإقامة أو المغادرة.

أوراق جديدة قد تقلب المعادلة.. آخر تطورات الوضع العسكري في ليبيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد