على مر العصور، كان «آيا صوفيا» الذي يقع في العاصمة التركية إسطنبول، محل جدل واسع؛ إذ تعرض للتحويل أكثر من مرة منذ العصر البيزنطي وحتى يومنا الحالي. ما بين كاتدرائية ومسجد ومتحف وكنيسة؛ كان آيا صوفيا ورقة ضغط سياسية، جرى استخدامها حسب متطلبات العصر. وفي الغد ننتظر جلسة قضائية مرتقبة، من المفترض أن تبت في أمر هذا الصرح المعماري. فهل يتحول إلى مسجد مرةً أخرى تقام فيه طقوس العبادة الإسلامية؟

«آيا صوفيا».. من كاتدرائية إلى مسجد ثم متحف

في يونيو (حزيران) الفائت، احتل آيا صوفيا عناوين الأخبار الرئيسية إثر إعلان موعد جلسة مرتقبة لأحد المحاكم العليا في تركيا؛ وذلك من أجل البت في أمره بشأن دعاوى جمعية «خدمة الأوقاف والآثار التاريخية» لتحويله إلى مسجد مرةً أخرى؛ والتي انطلقت في مارس (آذار) 2008 ضد قرار مجلس الوزراء لعام 1935، والذي قضى بتحويله من مسجد إلى متحف، إلا أن الدائرة العاشرة في مجلس الدولة قد رفضت تلك الدعاوى حينذاك، مشيرة إلى أن تحويل هذا الصرح المعماري إلى متحف لم يخالف أية قوانين شرعية. رغم ذلك لم تستسلم جمعية الأوقاف؛ إذ رفعت الأمر إلى مجلس محاكم القانون الإداري للدولة؛ وقد جرى تحديد موعد الثاني من يوليو (تموز) 2020، الموافق الغد، لعقدِ تلك الجلسة المنتظرة. 

في حال الإقرار ببطلان قرار مجلس الوزراء لعام 1935، بتحويل آيا صوفيا إلى متحف؛ فإن الصرح سيجرى فتحه مرةً أخرى دارًا للعبادة، وذلك بعدما أغلق مدة 86 عامًا، وذلك بحسب تقرير وكالة «ترك برس» الإخبارية، الذي أشار إلى أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، جاد هذه المرة بشأن إعادة فتح المكان للعبادة.

(رجب طيب أردوغان يطالب بفتح آيا صوفيا مسجدًا للعبادة)

كان الرئيس التركي قد أمر برفع الأذان في آيا صوفيا، مايو (آيار) الفائت، وقد قرئ القرآن في المبنى الأثري احتفالًا بالذكرى 567 لفتح القسطنطينية؛ وذلك ضمن خطة إقراره مسجدًا، إذ أشار أردوغان إلى أن المكان من الممكن أن يصبح مسجدًا ومزارًا سياحيًا في الوقتِ ذاته، كما هو الحال في الكثير من المساجد التركية الأثرية.

مجتمع

منذ 6 سنوات
أيا صوفيا كنيسة ثم مسجد ثم متحف .. هل يعود مسجدًا مرة أخرى؟

في الوقتِ ذاته، حذر الزعيم الروحي للمسيحيين الأرثوذكس في العالم، البطريرك المسكوني بارثولوميو، في تصريحٍ بالأمس، من أن فتح هذا المبنى الأثري مسجدًا مرةً أخرى، قد يؤذي مشاعر المسيحيين؛ إذ كان آيا صوفيا، والذي يعني بيت الحكمة، في البدء كاتدرائية مسيحية، أنشئت في العصر البيزنطي، تحديدًا القرن السادس الميلادي؛ وقد ظل المكان مركزًا للمسيحية الأرثوذكسية في العالم حتى عام 1453، وذلك حتى الفتح العثماني للقسطنطينية على يد السلطان محمد الثاني، المعروف باسم «الفاتح». وفي عصره، جرى تحويل المكان من كنيسة خدمت ما يقرب إلى 900 عام، إلى مسجد يرمز للفتحِ والنصر، استمر أكثر من 500 عام، وذلك حتى تولى مصطفى كمال أتاتورك مقاليد الحكم بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية؛ إذ أمر بتحويله إلى متحف فني بقرار عام 1935.

اليونان.. وريثة «الدولة البيزنطية» تعترض

يقع آيا صوفيا في النصف الأوروبي من مدينة إسطنبول، وقد بنيت عام 537 بأمرٍ من الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس الأول، الذي امتد حكمه من إسبانيا في الغرب، وحتى منطقة الشرق الأوسط؛ إذ كان ينظر لها باعتبارها درة معمارية قُدر لها أن تكون رمزًا للكنيسة إبان حكم الدولة الرومانية الشرقية؛ إلا أنه بسقوط بيزنطة وفتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الثاني؛ أراد لها أن تصبح مسجدًا يرمز أيضًا لقوة الدولة العثمانية وديانتها الإسلامية.

عن ذلك تشير جريدة «ديلي صباح» التركية، إلى أن اليونان تعتبر نفسها اليوم استمرارًا للدولة البيزنطية، وهو الأمر الذي جعلها تعارض بقوة تحويل الصرح المعماري آيا صوفيا إلى مسجد مرةً أخرى، وقد أتى ذلك التصريح، بعدما أعلنت أثينا أنه ليس من حق الدولة التركية إجراء مثل هذا التغيير، وقد استهجنت الحكومة التركية التصريحات اليونانية بخصوص هذا القضية السياسية الخاصة بجمهورية تركيا، وهي دولة ذات سيادة.

Embed from Getty Images

(مسجد آيا صوفيا)

كانت صحيفة «Greek City Times» اليونانية، قد أشارت في وقتٍ سابق من مايو الفائت إلى أن آيا صوفيا تمثل أثرًا هامًا للمسيحيين الأرثوذكس في العالم، تمامًا كما الفاتيكان بالنسبةِ إلى المسيحيين الكاثوليك، ومكة بالنسبةِ إلى المسلمين؛ إذ كانت مقرًا البطريرك المسكوني في القسطنطينية حتى عام 1453؛ والتي بحسب الصحيفة، تعتبر تحفة معمارية وفنية بنيت بأيدي اليونانيين. جاء ذلك بعدما انطلقت دعاوى إقامة صلاة الجمعة في المكان إبان انتشار جائحة الفيروس التاجي المعروف باسم «كوفيد-19»، إذ أشارت الصحيفة اليونانية إلى أن تركيا طالما هددت بتحويل المكان إلى مسجد، وأن الدفع من أجل تحقيق هذا الغرض صار قويًا في الآونة الأخيرة.

درة معمارية خاصة تحوي أسرار التاريخ

في العصور الوسطى، وعندما دخل السلطان محمد الفاتح من أسوار القسطنطينية، كانت الكاتدرائية «آيا صوفيا» طالها بعض الخراب، وقد اتجه إليها السلطان وتم تحويلها إلى مسجد، وهو الأمر الذي جعلها درة معمارية تمثل رمزًا مقدسًا لكل من المسيحيين والمسلمين على حدٍ سواء، كل منهما يرى فيها شيئًا من تاريخه.

تشير «ديلي صباح» إلى أن الأمر السلطاني بتحويل تلك الكاتدرائية إلى مسجد من قبل محمد الفاتح، لم يضر بالنسيج التاريخي للمبنى؛ إذ أضاف مسجدًا إلى جانبه، وبصفتهم المالكين الجدد لهذا المكان كلفوا أفضل المهندسين المعماريين بالحفاظ عليه وحماية الفسيفساء المميزة من عوامل الزمن والزلازل؛ إذ كان هذا البناء يمثل درة المعمار البيزنطي، بقبته الواسعة التي بلغ ارتفاعها 55 مترًا، والأعمدة المميزة الضخمة التي بلغ ارتفاع كل منها 24 مترًا؛ هذا بالإضافة إلى الجدران التي بنيت من الرخام وزينت بالأحجار الكريمة والفسيفساء الذهبية.

Embed from Getty Images

(مسجد آيا صوفيا من الداخل)

يشير التقرير إلى أن الحكومة التركية لم تعلن بعد عن تفاصيل فتح هذا البناء للعبادة؛ إذ ربما يجري فتحه بصورةٍ رمزية إذا جكمت المحكمة، بحسب «ديلي صباح» لإقامة الأذان وأداء بعض الشعائر الدينية البسيطة. الجدير بالذكر، أن القرن الفائت قد شهد صراعًا ما بين علمانية الدولة التركية ومسلميها؛ إذ كان مصطفى كمال أتاتورك الذي قاد الدولة التركية الحديثة، هو من اتخذ قرارًا بتحويلها من مسجد استمر في أداء شعائر الإسلام أكثر من 500 عام، إلى متحفٍ فني عام 1935، يجذب يوميًا آلاف الزائرين من السياح، وهو ما أثار استهجان قطاع من المسلمين المحافظين الذين رفع بعضهم الدعاوى لإعادة البناء إلى كونه مسجدًا، وهو الصراع الذي استمر حتى يومنا الحالي، ووصل الأمر إلى ما صرح به المؤرخ التركي يوسف هالاجوغلو أن تحويل آيا صوفيا متحفًا قد جرى بطريقة غير شرعية بتزوير توقيع كمان أتاتورك على القرار.

موقف الحركات السياسية التركية من تحول آيا صوفيا إلى مسجد

منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك، تعاقبت الحكومات العلمانية على تركيا، وقد أيدت القرار الخاص بتحويل المسجد «أيا صوفيا» إلى متحف؛ وهو ما اعتبرته بعض التيارات الإسلامية التركية حينذاك أمرًا يغطي على حقبة تاريخية هامة بالنسبةِ إلى المسلمين الفاتحين.

استمر الوضع كذلك حتى وصول حزب «الحرية والعدالة» بتركيا إلى سدة الحكم تحت قيادة أردوغان، وهو ما حرك المياه الراكدة؛ إذ قامت التيارات الإسلامية بتجميع ملايين التوقيعات التي تنادي بعودة البناء إلى كونه مسجدًا تقام فيه الصلوات، عن ذلك يقول رئيس جمعية «شباب الأناضول»، صالح ترهان، والذي قاد دعاوى فتح أيا صوفيا احتفالًا بالذكرى السنوية لفتح مدينة القسطنطينية: «باسم مئات الآلاف من إخواننا نطالب أن نتمكن من الصلاة داخل مسجد أيا صوفيا».

في الوقتِ ذاته، كان قطاع واسع من التيار العلماني التركي يخشى منذ بدء حكم رجب طيب أردوغان من أن يجري تحويل هذا الصرح المعماري إلى مسجد مرةً أخرى مما يعيد إلى الوراء من وجهة نظرهم عجلة علمانية الدولة في تركيا والمساواة بين جميع الأفراد دون تمييز معتقد على حساب الآخر، إذ يرون أن الحكومة التركية في الآونة الأخيرة تسعى إلى استقطاب الرأي العام التركي نحو إعادة فتح المتحف دارًا للعبادة، واصفين قادة تلك الدعاوى بالقوميين المتعصبين والإسلاميين الراديكاليين.

إبان العام الفائت، انتشرت دعاوى التحويل الرمزي للبناء مسجدًا، خاصةً بعدما ترك قاتل المصلين في نيوزيلندا رسالة مفادها أن آيا صوفيا ستكون خالية من المآذن، فهل تبت جلسة الغد في أمر هذا البناء لصالح التيار الإسلامي، أم يظل الحال على ما هو عليه خاصةً بعد اعتراف منظمة «اليونسكو» بالهيكل جزءًا من التراث الثقافي العالمي؟

المصادر

تحميل المزيد