أدى آلاف المسلمين الصلاة أمام متحف أيا صوفيا في تركيا السبت الماضي، بعد حظر استمر عقودًا بعد قانون يعود إلى عام 1934 يمنع إقامة شعائر دينية في المتحف.

جاء ذلك وسط دعاوى تطالب بعودة المتحف لمسجد مرة أخرى، آيا صوفيا الذي كان كنيسة ثم مسجدًا ثم أخيرًا متحفًا، انطلقت الهتافات أمامه “اكسروا السلاسل وافتحوا مسجد أيا صوفيا” و”الله أكبر”.

فما هي قصة أيا صوفيا؟ ولماذا تحوّل البناء من كنيسة لمسجد لمتحف؟ ولماذا يطالب المسلمون بعودته لمسجد مرة أخرى؟

تاريخ آيا صوفيا:

كنيسة آيا صوفيا..

في عام 360م، بنى الإمبراطور قسطنطين الأكبر كنيسة آيا صوفيا، وسميت في البداية باسم الكنيسة الكبيرة، ثم سميت بعد القرن الخامس هاغيا صوفيا أي (مكان الحكمة المقدسة).
في 404 احترق البناء في إحدى حركات التمرد، ولم يبقَ منه شيئًا، مما جعل الإمبراطور تيودوروس الثاني يقوم ببناءه مرة أخرى، ويفتتح للعبادة في عام 415.
وفي 532 احترق المبنى تمامًا مرة أخرى إثر ثورة نيكا عام 532، قرر بعدها الإمبراطور جوستنيان بإعادة تشييد الكنيسة مرة أخرى، وانتهى البناء الثالث للكنيسة عام 537م.
لم يشأ الإمبراطور أن يبني الكنيسة على الطراز المألوف، فاستدعى أشهر معماريي العصر لبناءه في ذلك الوقت، واستخدم في العمل عشرة آلاف عامل، وأنفق عليه 320 ألف رطل من الذهب (ما يعادل 134 مليون دولار أمريكي)، وهو كل ما كان في خزانة الدولة، واستغرق البناء خمسة سنوات متتالية.

رسوم مسيحية من متحف أيا صوفيا

ظلّت أيا صوفيا كنيسة على مدار 916 عامًا، تقوم فيها بمهام الكنيسة الشرقية في العالم القديم، وترعى المذهب الأرثوذكسي، ونالت كل الاهتمام والرعاية من مسيحيي الشرق ومناطق شمال شرق أوروبا وهضبة البلقان، إلى أن تحولت إلى مسجد بعد فتح القسطنطينية عام 1435.

مسجد أيا صوفيا..

بعد فتح القسطنطينية، أمر السلطان محمد الفاتح بتحويل الكنيسة إلى مسجد خلال ثلاثة أيام، بعد أداء أول صلاة له فيها وهي ركعتين شكر لله.
وقد كان ذلك لحاجة المسلمين لأداء الصلاة لجماعية في منطقة تخلو تمامًا من المساجد والجوامع، مع الظروف الطبيعية للمدينة من الطقس البارد، أدت هذه الظروف لإصدار فتوى من علماء الإفتاء في الدولة العثمانية تجيز تحويل الكنيسة لمسجد والاستفادة منها بدلًا من تركها على حالها المهجور.
وأمر الفاتح بإزالة الصليب من أعلى القبة، ومن الأماكن البارزة، واضيف للمبنى مآذن من الخارج، وتركت الزخارف والنقوش المسيحية على الجدران والسقف دون تغير حتى يومنا هذا، لكن المسلمون قد وضعوا غطاءًا فوق هذه الصور دون إزالتها، وكُشف عنها بعد ذلك عندما أصبحت متحفًا.

وُضِعَت لوحات قرآنية، مع لوحات كتابية دائرية ضخمة كُتِب عليها: ” الله، محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، علي”.

لوحة كُتِب عليها محمد "صلى الله عليه وسلم"، بجانب رسم مسيحي للسيدة مريم العذراء

ظل بناء أيا صوفيا مسجدًا لمدة 481 عام حتى أمر أتاتورك بتحويل البناء إلى متحف.

أيا صوفيا متحف، ونداءات بالعودة للمسجد أو الكنيسة مرة أخرى:

في عام 1935، أمر مصطفى كمال أتاتورك تحويل بناء أيا صوفيا إلى متحف يضم المئات من الكنوز الإسلامية والمسيحية، وأصدر قانونًا يمكنه من إقامة الشعائر الدينية بشكل رسمي فيه.
وظل حتى يومنا هذا من أهم المعالم التاريخية في تركيا، حيث يقع في مكان بارز على أعلى ربوة مطلة على نقطة التقاء مضيق البوسفور بمضيق القرن الذهبي في القطاع الأوروبي من إسطنبول.

ظهرت نداءات تطالب بعودة متحف أيا صوفيا لمسجد أو كنيسة مرة أخرى، من كل من المسيحيين والمسلمين لإقامة الصلاة فيه بشكل رسمي، لأهمية المكان للديانتين من الناحية التاريخية والروحية، وكانت تُقابل بالرفض من الحكومة.

منذ منتصف الثمانينات ظهرت مجموعة دينية في اسطنبول من الشباب تقوم بحركات اعتراض ومقاومة أمام المتحف، تطالب الحكومة التركية بإعادة الصلاة فيه، لكن قوات الأمن كانت تعتقل بعض أفراد هذه المجموعة.
وقد سبق وأعلن نجم الدين أربكان أكثر من مرة خلال الحملات الانتخابية التي أجريت عام 1989 عن نيته إعادة فتح المسجد للصلاة حال فوزه بأغلبية المقاعد البرلمانية.

مرة أخرى .. نداءات ومخاوف واتهامات لأردوغان بـ “أسلمة” البلاد:

مصلّون أمام متحف أيا صوفيا

في تصريح له قال صالح تورهان رئيس جمعية شبان الأناضول -التي نظمت الاحتجاج- للحشد إن: “الإبقاء على مسجد أيا صوفيا مغلقًا يمثل إهانة لسكاننا البالغ عددهم 75 مليون نسمة ومعظمهم من المسلمين. إنه يرمز لسوء معاملة الغرب لنا”.

يُذكر أن الجمعية قد جمعت 14 مليون توقيع للمطالبة بإعادة تحويل المتحف إلى مسجد، لأنه -على حسب قولهم- المسجد هو “رمز للعالم الإسلامي ورمز لفتح إسطنبول، وبدونه لا يكتمل الفتح”.

وقال شاهين ألباي أستاذ العلوم السياسية بجامعة بهتشه شهير إن “أي تعهد بجعل أيا صوفيا مسجدًا قد يعيد التفاف بعض الناخبين القوميين والمتدينين حول أردوغان في انتخابات الرئاسة، لكنه قال إن هذا سيكلفه كثيرًا، بحيث ستزيد من الشكوك المتبادلة والاستقطاب بين الغرب والعالم الإسلامي.”

في تصريح سابق له آخر أعرب بولنت ارينتش -نائب رئيس الوزراء- رغبته في تحويل المتحف إلى مسجد، وفي خطوة رأى كثيرون أنها تحمل دلالة، وقف أرينتش خارج أيا صوفيا وقال إنه: ” دعا الله أن يبتسم المكان مرة أخرى قريبًا”، وتلا قانونًا يمنع استخدام دور العبادة لأغراض أخرى.

ويرى المؤرخ التركي يوسف هالاجوغلو واثنين من زملائه أنه لا يمكن استمرار أيا صوفيا كمتحف، لأن تحويلها إلى متحف عام 1934م، تم بطريقة غير شرعية، من خلال تزوير توقيع مصطفى كمال أتاتورك حول الموضوع.

من جهة أخرى، أصدرت المفوضية الأمريكية للحرية الدينية في العالم بيانًا قالت فيه إن مثل هذا التحرك سيعرض وضع تركيا الدولي للخطر، وسيعيد إلى الأذهان إساءة معاملتها للمسيحيين خلال القرن الماضي.
وأضافت المفوضية أن فتح أيا صوفيا كمسجد، سيكون خطوة استفزاية من شأنها أن تحدث انقساما، داعية أردوغان للتأكيد على استمرار وضع أيا صوفيا الحالي.
كما ظهرت بعض الأصوات المعارضة لأردوغان والتي ترى في هذه الخطوة استمرارًا لسياسة أردوغان التي تسعى إلى “أسلمة” تركيا.

وفي تعليقه على الموضوع، قال ممثل الخارجية اليونانية كوستاندينوس كوتراس في مؤتمر صحفي إن تصريحات المسؤولين الأتراك عن تحويل معابد مسيحية بيزنطية إلى مساجد تشكل إهانة لمشاعر الملايين من المسيحيين، وهي تصرفات غير مفهومة ورجعية من دولة تسعى لتصبح عضوًا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي الذي يشكل احترام الحرية الدينية أحد أهم مبادئه.

كما طالب البطريرك برثلماوس الزعيم الروحي لنحو ثلاثمائة مليون مسيحي أرثوذكسي في أنحاء العالم بأن يظل موقع أيا صوفيا متحفا.

من جهتها، قامت الجالية اليونانية في الولايات المتحدة بجمع توقيعات بهدف منع تحقيق هذا المطلب، وتم تسليم التوقيعات إلى اليونسكو التي أعلنت عام 1985 أيا صوفيا واحدة من مواقع التراث العالمية.

أما عن رد فعل الحكومة التركية الرسمي، فقال إبراهيم كالن -أحد مستشاري أردوغان- أنه ما من خطط لتغيير وضع أيا صوفيا الحالي، وأن التكهنات المتعلقة بتحويله إلى كنيسة أو مسجد هي مجرد تكهنات، وأيا صوفيا مفتوح لكل الزائرين من تركيا ومن أنحاء العالم وسيظل كذلك.
وقد قال أردوغان في تصريح له العام الماضي أنه لن يفكر في تغيير وضع أيا صوفيا طالما هناك صرح عظيم آخر مخصص للعبادة في إسطنبول هو مسجد السلطان أحمد الذي يرجع للقرن الـ17 شبه خاو من المصلين، وإسطنبول بها أكثر من ثلاثة آلاف مسجد.

ردود الأفعال:

لم تتوقف ردود الافعال على الداخل التركي، بل وصلت إلى العالم العربي، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي في ردود أفعال متباينة ما بين التأييد الشديد للحدث لما فيه من انتصار رمزي للمسلمين، أو الاستنكار من الحدث ومن الدعاوى المطالبة بإعادته إلى مسجد، مع التأكيد على أن الصلاة لم تتم في المتحف، ولم يتم تحويله إلى مسجد، وذلك نظرًا لما فهمه البعض خطُأ بأنه قد تم تحويله إلى مسجد.
كما ظهرت ردود أفعال عالمية تنادي بإنقاذ أيا صوفيا، على الوسم “هاشتاج” #SaveHagiaSophia تنادي اليونسكو بالحفاظ على أياصوفيا كمتحف للجميع، ومنع تحوّله إلى مسجد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد