بالأمس أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بيان مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد أن الإمارات وإسرائيل قد توصلا أخيرًا إلى اتفاقٍ مشترك لإقامة علاقات رسمية بين البلدين، وهو الأمر الذي يعتبر الأول من نوعه؛ إذ لم تقم إسرائيل من قبل أية علاقات دبلوماسية مع دولة خليجية.

وقد أشارت القناة التلفزيونية الإسرائيلية الرسمية «كان» إلى أن الملياردير الإسرائيلي «حاييم سابان» قد لعب دورًا هامًا في مساعدة البلدين للتوصل إلى اتفاق بشأن تطبيع العلاقات، فمن هو الملياردير سابان؟ وما الدور الذي لعبه للوساطة ما بين الإمارات وإسرائيل؟

«حاييم سابان».. الإسرائيلي المتعصب ابن مدينة الإسكندرية

يقول عن نفسه: «أنا مرتبط نفسيًا بإسرائيل، ففي كل مرة أطير وأشاهد من الطائرة شواطئها، تدمع عيناي». إنه الملياردير حاييم سابان، الذي يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والأمريكية، هو مصري الأصل، وابن مدينة الإسكندرية، إلا أنه لا يفوت فرصة دون إعلان حبه وولائه لإسرائيل، حتى أنه قال أكثر من مرة: إن هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقراره هناك كانت بهدف الحفاظ على مصالح إسرائيل.

بالرغم من ذلك لم تكن بداية حياته سياسية على الإطلاق؛ إذ كان يدير فرقةً موسيقية وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ويعمل كمروج للرحلات والحفلات داخل إسرائيل، إلا أن «حرب يوم الغفران» – كما يشير إليها – وهي حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، قد تركته غارقًا في الديون؛ إذ كان مدينًا بمبلغ يصل إلى 600 ألف دولار دفعهم مقدمًا للفنانيين مقابل حفلات موسيقية وعروض، لكن الحرب المصرية الإسرائيلية قد حالت دون إقامتها. كان ذلك قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويصبح أحد أباطرة الإعلام والسياسة.

Embed from Getty Images

(حاييم سابان)

انتقل سابان إلى لوس أنجلوس في ثمانينات القرن الماضي، واستطاع في وقتٍ قياسي أن يصبح من أثرياء الولايات المتحدة، بعدما اشترى حقوق مسلسل الرسوم المتحركة الياباني «باور رينجرز» وعمل على تسويقها من خلال شركته الخاصة «سابان للترفيه».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
هذا ما قد يفعله الفلسطينيون لمواجهة خطة الضم الإسرائيلية

عكف سابان في السنوات التالية لذلك على شراء أكبر القنوات التليفزيونية الأمريكية مثل «فوكس فاميلي» التي اشتراها عام 1997، هذا إلى جانب العديد من القنوات التلفزيونية العالمية وسيطرته على نسبة كبيرة من أسهم الشركات التي تدير القناة الثانية الإسرائيلية. وبذلك أحكم سيطرته على العديد من منافذ الإعلام العالمية؛ ليتوجه فيما بعد إلى عالم السياسة.

عندما اقتحم الملياردير «لُعبة السياسية» بالدولارات

في عام 2002 أراد حاييم سابان أن يلعب دورًا سياسيًا أكبر في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي دفعه إلى تأسيس «مركز سابان لسياسات الشرق الأوسط» في مايو (أيار) من نفس العام، وهو مركز تابع لمعهد بروكنجز الأمريكي ومقره في واشنطن العاصمة، ويختص بالأبحاث والتحليلات المتعلقة بالقضايا السياسية في الشرق الأوسط. وقد أسسه سابان بالتعاون مع السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل مارتن إنديك.

ينظم المركز حدث سياسي سنوي يعرف باسم «منتدى سابان»، ويعقد بالتوالي بين القدس وواشنطن؛ وفيه يجتمع القادة السياسيين ورجال المجتمع والاقتصاد والمفكرين من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لبحث طرق تعزيز التواصل بين البلدين.

عن ذلك تشير دراسة لـ«هارفارد» حول تدخل اللوبي الإسرائيلي في عملية صنع القرار بالسياسة الأمريكية؛ إلى أن مراكز الدراسات الأمريكية أصبحت في السنوات الأخيرة خاضعة لمجموعات موالية لإسرائيل، وقد كان «مركز سابان» واحدًا من ضمن هذه المراكز، التي يشار لها بالبنان فيما يخص التدخل في عملية صنع القرار الأمريكي من أجل دعم البرنامج الإسرائيلي.

Embed from Getty Images

(منتدى سابان السنوي)

أثناء وجوده في إسرائيل، خدم سابان في جيش الدفاع الإسرائيلي، والآن يعد واحدًا من أكبر المتبرعين له؛ إذ كانت ثروته الكبيرة دافعًا بالنسبة إليه لـ«خدمة إسرائيل» بشكلٍ أفضل بحسبه، وهو الأمر الذي حثه على الدخول إلى عالم السياسة وإتقان لعبتها.

هو بحسب يوري مسجاف، المحلل الشئون السياسية في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، رئيس الوزراء الفعلي لدولة إسرائيل والدولة اليهودية العالمية، في إشارة إلى يهود العالم، إذ يشير مسجاف إلى الدور الذي لعبه الملياردير الإسرائيلي في السياسة الأمريكية من أجل خدمة مصالح اليهود عامةً، وإسرائيل على وجه الخصوص.

«أشعر أنني وجدت في هذه الحياة لخدمة إسرائيل» *حاييم سابان

في الحقيقة، تردد اسم سابان كثيرًا في الساحة السياسية خلال السنوات الأخيرة؛ فيشير مسجاف إلى الدور الذي لعبه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، وما عرف عنه من دعم الديمقراطيين؛ إذ يشير التقرير إلى أنه على مدار أكثر من 25 عامًا، كان سابان هو المتبرع الرئيس لعائلة «كلينتون»، وقد كشفت الرسائل المسربة المتبادلة بينه وبين هيلاري كلينتون – وهو الممول الرئيس لحملتها الانتخابية – عن مدى تدخله في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهي الرسائل التي كشفت عنها تسريبات «ويكيليكس».

أراد الملياردير حينذاك أن يسترد ما فقده الحزب الديمقراطي من دعم اليهود الأمريكيين في الفترة التي فصلت ما بين انتخاب بيل كلينتون 1992 وإعادة انتخاب أوباما عام 2012. وقد كان بإمكان مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون في حال فوزها أن تغير النهج الذي اتبعته إدارة أوباما فيما يتعلق بسياسات إسرائيل حينذاك من وجهة نظرها، فالمفاجأة أن سابان كان من أكثر المناهضين لترشح دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية.

كيف ساهم «حاييم سابان» في قرار تطبيع الإمارات مع إسرائيل؟

بينما يصف بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي المبتهج بالإعلان الأخير، ليلة أمس بـ«الأمسية التاريخية» التي افتتحت حقبة جديدة في علاقات إسرائيل بالدول العربية. كان الملياردير الإسرائيلي حاييم سابان يحتفل بنجاح وساطته بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، والتي وصفها في تصريحات رسمية لموقع «جويش إنسايدر» الإخباري، بـ«الإنجاز الحاسم».

يشير الموقع إلى أن سابان قد زار دولة الإمارات العربية عام 2018 للقاء ولي عهد إمارة أبوظبي، محمد بن زايد، وقد حث الأخير على ضرورة التوصل إلى اتفاقٍ بخصوص تحسين العلاقات الدبلوماسية الرسمية ما بين البلدين؛ إذ كانت العلاقات غير الرسمية في ذلك الوقت، بحسب سابان، على خير حال، ولكن بعيدًا عن الأنظار، وقد أشار الملياردير في أكثر من مناسبة إلى أنه قد تواصل لسنوات مع ولي العهد محمد بن زايد ويوسف العتيبة السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

لم يكن قرار التطبيع الأخير وليد اللحظة بل أتى ذكره في يونيو (حزيران) الماضى، عقب نشر خطاب السفير يوسف العتيبة الموجه للرأي العام الإسرائيلي بشأن قرار ضم الضفة الغربية، والذي أفردت له صحيفة «يديعوت أحرونوت» – وهي أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارًا – مساحة خاصة؛ إذ تناول خطاب العتيبة المصالح المشتركة ما بين أبوظبي وتل أبيب، وإمكانية التعاون بين البلدين في العديد من القضايا المشتركة مثل الأمن والصحة والغذاء والتعليم، وأن تصبح الإمارات العربية هي الجسر الذي يربط إسرائيل بالعالم العربي، وهو الأمر الذي من الممكن أن يفسده قرار «ضم الضفة الغربية ووادي»؛ إذ أشار العتيبة في خطابه إلى أن هذا القرار قد يقف عقبة أمام التطلعات الإسرائيلية لتحسين العلاقات الأمنية والاقتصادية مع الدول العربية، ودولة الإمارات المتحدة.

(رسالة العتيبة للرأي العام الإسرائيلي)

عقب نشر هذا الخطاب، كشفت مصادر إسرائيلية مطلعة أن الملياردير حاييم سابان، كان حاضرًا في الكواليس؛ كما أعلنت القناة 13 بالتلفزيون العبري أن العتيبة كان قد توجه إلى سابان بصفته صديق قبل كتابة المقال بـ11 يومًا يستشيره في كيفية توصيل رسالته ضد «قرار الضم» إلى المجتمع والرأي العام الإسرائيلي، وقد نصحه سابان بأمرين: «أن تكون الرسالة باللغة العبرية، وأن تنشر في وسيلة إعلام إسرائيلية كبيرة».

عربي

منذ شهر
«اتفاق سلام تاريخي».. نص بيان ترامب عن تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل

في البدء، كان مقدرًا للخطابِ أن ينشر في «النيويورك تايمز» أو «الواشنطن بوست»، قبل أن يتولى سابان بنفسه مهمة نشر المقال بوسائل الإعلام الإسرائيلية؛ ويعد نشر المقال في صحيفة «يديعوت أحرونوت» وتوقيت نشره من بنات أفكار موشيه ديبي، مستشار حاييم سابان الإعلامي، وهو الأمر الذي جعل من خطاب العتيبة المنشور في يونيو الفائت تمهيدًا لتلك الخطوة الأخيرة من إعلان تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية وإسرائيل.

المصادر

تحميل المزيد