سواء كان الحج إلى كامينيو دي سانتياجو (طريق القديس يعقوب) في إسبانيا، أو جبل كايلاش المقدس في الصين، أو تشار دهام في الهند، يأتي السياح الدينيون بعائد اقتصادي كبير للبلد المضيف.

ربما يستغرب البعض أن يكون بين الدين والسياحة هذا القدر الكبير من العوامل المشتركة، لكن المؤكد أن السياحة الدينية هي أقل القطاعات تأثرًا بالأزمات المالية العالمية، و«الفاتيكان» خير شاهد.

ولا تتمتع دولة في العالم بالوضعٍ المميز الذي تتمتع به بلاد الحرمين؛ بفضل أقدس مدينتين (مكة والمدينة) عند المسلمين، الذين يتخطى عددهم 1.5 مليار حاليًا، ويتوقع أن يرتفع تعدادهم إلى 2.8 مليار بحلول عام 2050.

وإذا كانت السياحة تعتبر في العديد من البلدان أحد أهم الصناعات وأكثرها نموًا وتوفيرًا للوظائف وجلبًا للإيرادات. فكيف إذا كانت الوجهة السياحية تتمتع بأماكن مقدسة، يتوافد عليها «المؤمنون» تعبُّدًا، من مختلف دول العالم، مع كل ما يجلبونه معهم من فرص اقتصادية؟

إنفوجراف: كم يُكلف الحج في كل بلد عربي؟

 

أعلى«كنوز المملكة» قيمة.. «صناعة الحج» تؤثر في الاقتصاد

للحج والعمرة تأثيرٌ «يغطي جميع جوانب الاقتصاد تقريبًا، ليس فقط في مكة والمدينة، ولكن في مختلف أنحاء المملكة»، كما يقول توماس ويجلي، شريك «مؤسسة ترورز & هاملينز» القانونية في عمان.

ومثلما يعتمد 25-30٪ من دخل القطاع الخاص في المنطقة المحيطة بمكة والمدينة على موسم الحج، وفقًا لغرفة التجارة والصناعة، فإن هناك تأثيرًا غير مباشر على مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وهو ما يتضح بجلاء في خدمات الطيران.

Embed from Getty Images

وتوجد علاقة سببية واضحة بين تزايد عدد الحجاج والنمو الاقتصادي على المديين القصير والطويل، حسبما خَلُصَت دراسة حديثة؛ إذ يبلغ متوسط ​​الإيرادات السنوية التي تجنيها المملكة من الحج حوالي 16 مليار دولار، ويمكن أن يكون الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، حسبما يلفت محسن توتلا، عضو «مجلس الحجيج البريطانيين».

ولمَّا كان الخبراء يتوقعون أن ترتفع عوائد الحج إلى 150 مليار دولار بحلول عام 2022. وتخطط الحكومة لرفع عوائد العمرة إلى 30 مليون دولار سنويًا وفق «رؤية 2030». فلا غروَ أن يصف الخبراء، أمثال ثيودور كاراسيك، كبير الاستشاريين في شركة «جالف ستيت أناليتكس (Gulf State Analytics)» الاستشارية ومقرها واشنطن، «صناعة الحج» بأنها «من أكثر كنوز المملكة قيمة؛ بسبب العوائد الهائلة التي تجلبها».

سباق محموم بين إيرادات النفط و«ذهب السعودية الأبيض»

يسهم قطاع السياحة بنسبة 3.5% من إجمالي الناتج المحلي السعودي، بما يعادل 85.5 مليار ريال (22.8 مليار دولار) سنويًا، بالإضافة إلى توفير حوالي 882.9 ألف فرصة عمل، بما يمثل 7.7% من إجمالي العاملين في المملكة، حسب البيانات الرسمية لـ«الهيئة العامة للإحصاء».

وعلى الرغم من تواضع مساهمة السياحة حاليًا في الناتج المحلي الإجمالي السعودي، يتوقع الخبراء الذين استطلعت هولي إيليات آراءهم عبر «سي إن بي سي» أن الإيرادات التي تجنيها المملكة من السياحة (80 مليار ريال/ 21.3 مليار دولار حاليًا) يمكن أن تتفوق على إيرادات النفط مستقبلا.

وإذا كان الحج والعمرة يشكلان حوالي 60% من الإيرادات السياحية السعودية (بين 20-26 مليار ريال في 2017)، فإن العائد غير المباشر من هذا القطاع يساوي أضعاف هذا الرقم؛ لأنه ينعش قطاعات أخرى كثيرة مثل: الإسكان والغذاء وتجارة الجملة والتجزئة والنقل والخدمات المالية.

وفي ظل تراجع أسعار النفط، والسعي الحثيث لتنويع الاقتصاد، ولأن السياحة الترفيهية والثقافية لا تزال في مهدها، تشق السياحة الدينية التي يصفها البعض بأنها «ذهب السعودية الأبيض»، طريقها بثبات صعودًا إلى عرش القطاعات الأكثر ربحية في المملكة. ورغم أن عوائدها لا تزال تشكل حوالي 10% فقط مما تجنيه السعودية من عائدات النفط، يتوقع بعض الاقتصاديين أن تتجاوز إيرادات الحج والعمرة 50 مليار ريال سنويًا.

ومثلما كانت مكة سوقًا دولية وقبلة للتجار، حتى قبل ظهور الإسلام، كما يؤكد المؤرخ لوك شانتري، وكان الاقتصاد السعودي يعتمد على الحج والعمرة قبل اكتشاف النفط، تبذل المملكة اليوم جهودًا حثيثة لتوسيع «خدمات الحج»، كجزء من استراتيجيتها الرامية لتقليل اعتمادها على عائدات النفط.

وتشدد «رؤية 2030»، التي أعلن عنها ولي العهد الأمير سلمان في عام 2016، على الدور المهم الذي تسهم به سوق السياحة الإسلامية في تنويع الاقتصاد السعودي. وبينما تركز الرؤية على رفع الطاقة الاستيعابية لضيوف الرحمن إلى 30 مليون معتمر بحلول 2030، فإنها تضخ استثمارات بقيمة 50 مليار دولار في مجال النقل والبنية التحتية الجديدة بهدف مضاعفة حجم الحج بنهاية العقد المقبل.

تحدٍ لوجستي هائل.. الجانب المُرّ من الكعكة الشهية

في مقابل العوائد المغرية، يشكل موسم الحج «تحديًا لوجستيًا هائلًا»؛ ليس فقط للحكومة السعودية، وإنما لمنظمي الرحلات السياحية أيضًا ومقدمي خدمات الضيافة وحتى تجار التجزئة. ولا يمكن إدراك حجم هذا التحدي إلا بتخيُّل ثقل العبء الملقى على كاهل بلدٍ مُكَلَّف باستضافة بطولة الألعاب الأولمبية العالمية كل عام.

«إنها عملية مذهلة، إذا فكَّرتَ في عدد الأشخاص الذين يتوافدون خلال فترة زمنية قصيرة جدًا.. من الصعب للغاية إدارتها». *توماس ويجلي.

قبل منتصف الخمسينات كان عدد الحجاج القادمين من خارج المملكة نادرًا ما يتجاوز 100 ألف شخص، نظرًا لأسباب كثيرة، أبرزها وسائل النقل غير المواتية. لكن بحلول الألفية الثانية تخطى العدد الإجمالي للحجاج مليوني شخص، بل تجاوز عددهم 3 مليون حاج في عام 2012.

Embed from Getty Images

من بين أكثر من مليوني مسلم تستقبلهم مكة لأداء فريضة الحج كل عام، يأتي حوالي 1.8 مليون شخص من خارج المملكة، طبقًا لـ«الهيئة العامة للإحصاء». وهناك أيضًا شعيرة العمرة التي يمكن القيام بها في أي وقت من السنة، وتجتذب حوالي 8 مليون معتمر سنويًا.

يأتي 75٪ من الحجاج غير السعوديين من ثماني دول هي: إندونيسيا، وباكستان، وبنجلاديش، وإيران، ومصر، ونيجيريا، وتركيا (جميعها دول ذات غالبية مسلمة) والهند، بحسب سان ماكلوجلين، كبير المحاضرين في الدين والإنثروبولوجيا والإسلام في «جامعة ليدز» البريطانية.

هذا يعني حوالي 54 مليون حاج خلال ربع قرن خلت؛ ما يضيف ضغوطًا هائلة على البنية التحتية السعودية، فضلًا عن حوادث التدافع الناتجة عن الزحام والتي تؤدي إلى وفاة المئات كل عام؛ ما يدفع السلطات السعودية إلى استثمار مبالغ ضخمة باستمرار لتحسين المرافق والارتقاء بمستوى إدارة موسم الحج.

استغلال تجاري.. المادية تطغى على روحانية الحج

لكن هذا التوسع يأتي على حساب «روحانية الحج» التي تأثرت بالمادية المفرطة حول المسجد الحرام، وأدى إلى ظهور التفاوت بصورة صارخة في العبادة التي يفترض أن تعلي قيمتي المساواة والبساطة، حسبما يشكو قاري عاصم في صحيفة «الإندبندنت».

تحت عنوان «نحن بحاجة لانتشال الحج من براثن الاستغلال التجاري»، كتب: «غيرت التجمعات السكنية الشاهقة والفنادق الفخمة تجربة الحج فجعلتها رحلة ترفيهية بالنسبة الأثرياء، ومعاناة صعبة بالنسبة للفقراء».

ولا يتحدث كثيرون عما رصدته رايا جلي في صحيفة «الجارديان» من «آلاف المنازل والأحياء التي دُمرت»؛ لإفساح المجال للفنادق والمساحات التجارية»، والشكوى هنا ليست في التوسعة الضرورية، ولكن في «تحويل الحرم المقدس إلى آلة، مدينة ليس لها هوية ولا تراث ولا ثقافة ولا بيئة طبيعية»، على حد وصف الدكتور سامي العنقاوي، مؤسس ومدير «مركز أبحاث الحج».

الاعتماد الاقتصادي على واردات الحج والعمرة.. مخاطر وفرص

في المقابل، يشكل الاعتماد الاقتصادي على واردات الحج والعمرة مخاطرةً؛ تتمثل في احتمالية انخفاض أعداد الحجاج والمعتمرين لأي سببٍ مستقبلًا، وهو ما سيضع المملكة «على حافة هاوية مالية حادة»، حسبما تحذر جيليان سيكويرا في موقع «لو ستريت».

Embed from Getty Images

وتتنوع الأسباب التي قد تؤثر على تدفق الحجاج والمعتمرين بين:

  • دوافع سياسية وأبرزها الحملة التي تقودها إيران، ووصلت ذروتها بالمقاطعة في عام 2016، وهي خطوة «قد تكلف السعودية مليارات الدولارات»، حسبما لفتت كاتي سولا في مجلة «فوربس».
  • عقبات مالية نتيجة الضرائب الباهظة التي وصفتها «الهيئة الدولية لمراقبة إدارة السعودية للحرمين» بأنها «جائرة وتؤدي إلى عزوف الآلاف من المسلمين حول العالم عن تأدية الفريضة الإسلامية الخامسة»، وارتفاع تكلفة النقل بنسبة تفوق 300%،
  • مخاطر أمنية وأبرزها هجمات الصواريخ الباليستية التي يطلقها الحوثيون من اليمن، وبلغ عددها بحلول مايو (أيار) الماضي 227 صاروخًا، استهدف ثلاث هجمات منها مكة المكرمة، لولا أن قوات الدفاع الجوي السعودية اعترضتها  في أجواء مدينتي الطائف وجدة.

ومع ذلك فإن دوافع الحجاج الدينية كانت دائمًا أقوى من أي ظروف، ناهيك عن أن هذا النوع من السياح هم الأكثر إنفاقًا مقارنةً بنظرائهم في القطاعات الترفيهية الأخرى. وبالتالي ستظل السياحة الدينية، بأوسع معانيها، تلعب دورًا حيويًا، ومصدرًا للنقد الأجنبي، وفرص العمل، وأداة لتحسين ميزان المدفوعات.

«مملكة الأمير محمد».. مكانة «بلاد الحرمين» الدينية في عهد ابن سلمان

«سواء نجحت إستراتيجية ولي العهد أم فشلت، فإنها ستغير المكانة الدينية السعودية في العالم الإسلامي». *فيصل ديفجي، أستاذ التاريخ في «جامعة أكسفورد».

إذ تبدو «مملكة الأمير محمد» أشبه بدولة «علمانية» أكثر من كونها دولة «ثيوقراطية»؛ إذ لم تعد السيادة في يد القبائل ورجال الدين، بل في قبضة القصر الملكي، بحسب المقال المنشور في صحيفة «نيويورك تايمز».

الحج في عهد ابن سلمان

ربما لا يؤثر هذا التغيير على تدفق الحجاج والمعتمرين، لكنه يمنح زخمًا لـمطالب البعض بـ«إشراف إسلامي مشترك على الحرمين الشريفين، وتنظيم السياحة الدينية إليهما بالعدل بناء على أسس وقواعد مضبوطة، بعيدًا عن اعتبارات السياسة وقيودها، والمذاهب، وضيق أفقها».

كما أن «تسليع» ملف الحج والعمرة، يُضفي بعض المصداقية على الانتقادات الساخطة التي ذهبت إلى حد القول بأن «السعودية تحقق مكاسب مالية وتجارية في موسم الحج، يقابلها خسائر تتحملها الدول الإسلامية الأخرى؛ بما يخلق خللًا في فرص التنمية وتناقضًا مع أحكام الشريعة الإسلامية».

كما أن السعودية «لديها أعداء أقوياء، في الخارج والداخل؛ لن يفوتوا فرصة زعزعة استقرار المملكة وإسقاط آل سعود»، وفق تحذير «مركز القدس للشؤون العامة»، الذي يديره دور جولد، سفير إسرائيل السابق لدى الأمم المتحدة.

قطر ليست الأولى.. شعوبٌ مُنعت من الحج ضريبة للسياسة

 

المصادر

تحميل المزيد