«كان فيه حبٌ لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لُطّخ به وجهه».
*ابن كثير عن الحجاج بن يوسف الثقفي

في عام 35 هجريًا، حُوصر الخليفة عثمان بن عفان داخل بيته من المتمردين والثوار الذين أهدروا دمه، ولمّا وصلوا إليه طعنوه بسيوفهم حتى سالت الدماء وتسربلت بالمصحف الذي كان يقرأُ فيه، ثم شرعوا -وفق بعض المصادر التاريخية- يستبيحون حُرمات المدينة ويشيعون الفوضى والفزع بين أهلها؛ وكان حادثًا عظيمًا انتفض لمقتله عموم المُسلمين؛ وفي اليوم التالي بويع علي بن أبي طالب بالخلافة، فترك المدينة التي سيطر عليها قتلة عثمان وارتحل إلى الكوفة، واعتقد الجميع بما فيهم الصحابة أنّ الخليفة سيبدأ عهده بالقصاص أولًا؛ لكنّ الإمام كان له رأيٌ آخر بتأجيل ذلك إلى حين تستقر الأمور في المدينة وما حولها، وانقسم كبار الصحابة حول هذا الرأي، وكان من بين الرافضين، عائشة بنت أبي بكر، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام.

ونتيجة لذلك؛ رفض معاوية بن أبي سُفيان -وكان واليًا على الشامِ حينها- مبايعة خليفة المُسلمين، وحين أرسل علي بن أبي طالب ثلاث رسائل يدعوه فيها لمباعيته جاءه الرد أخيرًا: «دمُ عثمان قبل المبايعة»، وبعد أربعة أشهر، خرج  علي بن أبي طالب عام 36 هجريًا على رأس جيشٍ قاصدًا الشام لانتزاع البيعة من معاوية، لكنّ عيونه تُخبره بأن طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وعائشة خرجوا من مكة يقودون خلفهم جيشًا غاضبًا صوب البصرة للاقتصاص من قتلة عثمان، فاضطر عليٌّ  للحاق بهم، وحين التقى الطرفان من غير قتال لاحت بشائر الصُلح، لكنّ بحسب مصادر أهل السنة فإن بعضُ قتلة عُثمان خافوا على أنفسهم فاندسوا في الليل بين الفريقين يشيعون الفتنة والبغضاء، وفي الصباح استيقظ قادة الجيشين على صوتِ السيوف لتبدأ «موقعة الجمل»، التي يؤرخ لها باسم الفتنة الكبرى في الإسلام.

وفي عام 37 هجريًا؛ استعد الإمام عليٌ للخروج إلى الشام لعزل معاوية، فدارت معركة «صِفّين» في شهر رمضان، فرفع جيش معاوية المصاحف على أسنة السيوف وطلبوا التحكيم، وبعدما تراضى الطرفان وقبلا الصلح، خرج من جيش علي بن أبي طالب 12 ألفًا ممن رفضوا التحكيم ولُقبّوا بـ«الخوارج» الذين كفّروا خليفة المسلمين، وقاموا باغتياله فيما بعد عام 40 هجريًا، وتولى بعده الخلافة ابنه الحسن بن علي ثم تنازل عنها لمعاوية، لتلتئم دولة الإسلام شكليًا ومؤقتًا بذلك الصُلح عام 41 هجريًا المعروف باسم «عام الجماعة»، وفي تلك الأثناء وُلد الحجاج بن يوسف الثقفي، سفّاك الدماء الأشهر الذي ستنتهي قصة الفتنة بين المسلمين على يديه.

الحجاج بن يوسف.. «مُعلّم القرآن» الذي تمنى العرب أن يكون جده نبيًّا

حين ضاقت الكعبة بالأصنام التي التحفت بها -365 صنمًا-، كانت آذان العرب قد التقطت شيئًا من أطراف الحديث الذي تهامس به بعض اليهود في مجالسهم بشأن اقتراب الرسول الذي سيأتي في آخر الزمان، ولمّا بشّر رسول الإسلام محمد برسالته اسوّدت وجوههم كُرهًا له، بل إن العرب تحدثوا جهارًا وقالوا: «لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» [سورة الزخرف: 31]، وكان المقصود بالرجلين الذي تمنى العربُ أن يكون أحدهم هو صاحب الرسالة هما الوليد بن المُغيرة المخزومي من أهل مكة، أو عروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف؛ يقولُ الحجاج فيما بعد للصبية الذين جلسوا بين يديه لتعليمهم القرآن: أمّا الثاني فكان جدّي لأمي.

وللحجاج قصةٌ متناقلة أخرى تخشاها العرب، فحين وُلد لم يرتضع أيامًا، ولم يلقم ثدي أمه حتى خشوا عليه الهلاك، وظل هكذا حتى أشار أحدهم على أبيه بأن يُسقيه سقوه دم جَدْي ثم دم مقطور من السلاح، ففعل أبيه ما أُمِر به، حتى أنه لطّخ وجه الرضيع بالدماء حتى استجاب ورضع؛ يقول عنه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: «فكان فيه حبٌ لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لُطّخ به وجهه».

نشأ الحجاج في مدينة الطائف البعيدة عن صراعات الخلافة، في بيتٍ ذي حسبٍ رفيع بين العرب، فوالده يوسف بن الحكم الثقفي مُعلّم القُرآن، وأحد أرباب الفصاحة واللغة والحسب بين قومه، وورث الصغير عن أبيه كل شيء بما فيه حفظ القرآن، ثم تفقه في الدين على يد كبار الصحابة؛ فقد سمع الحجاج من عبد الله بن عباس، وروى عنه عددٌ من رواة الحديث أبرزهم أنس بن مالك، وثابت البناني، وحميد الطويل، وقتيبة بن مسلم -فاتح المشرق الإسلامي-، وسعيد بن أبي عروبة، وبلغ الحجاج بمعرفته القراءة والكتابة إلى جانب الفقه والقرآن شرفًا كبيرًا لم يُطفئ غضب صدره وجموح نفسه، لذا لم يرتضِ أن يظل مُحفِّظ الصبية في ثقيف، فترك مصحفه وودّع تلاميذه، ثم سحب بعيره وراءه صوب الشام، حيث الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

وفي الوقت الذي كان يتعلم فيه الحجاج أصول الفقه، ويتبحرُ في علوم القرآن، كانت شمسُ معاوية قد قاربت على الزوال بعد 40 عامًا قضى نصفها واليًا، والنصف الآخر قضاها خليفة المسلمين، ولمّا آل عهد البيعة من بعده لابنه يزيد، بايعه عموم الناس ورضوا به عند توليه الحُكم عام 60 هجريًا إلا الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، فأراد يزيد أن يُحاربهم فلاذ ابن الزبير بالكعبة فسُميّ بـ«عائذ البيت»، أما الحسين فسار إلى العراق بعد مبايعة أهلها له لكنّه لم يدخلها ووقف في كربلاء حتى تأتيه الرسل، لكنّ جيش يزيد باغته، وتتفق الروايات السُنية والشيعية على أنّ الحسين أراد الذهاب إلى الشام لمفاوضة الخليفة الجديد، لكنّ والي العراق منعه ثم قتله وقطع رأسه في حضور أهل بيته عام 61 هجريًا.

وحين مات يزيد بن معاوية عام 64 هجريًا،بايع الناس ابنه معاوية الذي سُرعان ما ترك الخلافة، وجاء من بعده مروان بن الحكم الذي تقلصت ولايته؛ إذ بايع كل من أهل الحجاز واليمن والبصرة والكوفة والشام كلها ما عدا دمشق، عبد الله بن الزبير الذي اتخذ من مكة عاصمة للخلافة الموازية، وخلال عامٍ واحدٍ هي فترة خلافته، استطاع أن يسترد أملاك دولته عدا الحجاز والعراق، ليأتي من بعده عام 65 هجريًا ابنه عبد الملك بن مروان.

كان الحجاج في تلك الأثناء أحد الرعية في دولة عبد الله بن الزبير، وتذكر بعض الروايات بأنه خرج من ثقيف متوجهًا صوب مكة وفي نيته الانضمام لجيش العائذ بالبيت، وفي مكان يُسمّى ماء هزيل، أوقف فرسه ليشرب، وحينها باغته جند ابن الزبير وحاصروه بسياطهم، وجعلوه يضربونه قائلين: «أما بلغك قول ابن الزبير فيكم بنى ثقيف: قصار الخدود، لئام الجدود، سود الجلود، بقية ثمود»، وكانت الكلمات كفيلة بأن توغر صدره، فلما انتهت الرحلة عاد إلى دياره قبل أن يودعها وينطلق إلى الشام، حيث دار الخليفة الأموية.

سفّاك الدماء الذي أصبح قائد الجيش

أنا رجلٌ لجوجٌ لدودٌ حقودٌ حسود.
*وصف الحجاج بن يوسف لنفسه

 وحين وصل الحجاج إلى الشام لم يُضع وقتًا كثيرًا حتى التحق بالشرطة، وتقرب لقائدها روح بن زنباع الذي كان يحظى بمكانة خاصة عند الأمير الأموي، ولمّا كان هدف الحجاج هو مقابلة الخليفة عبد الملك بن مروان لذا عمد إلى ضبط نفسه، وتنبيه قاداته إلى شدته وغلظته ثم إلى سوء تنظيم الجيش وعدم انضباط الجنود، إضافة إلى الترويج لنفسه باعتباره أحد حفظة القرآن والمتفقهين في الدين، والعالمين بالقراءة والكتابة، فأُسند إليه في البداية تنظيم سجلات الشرطة فنظمها وأظهر مهارته إلى جانب شدته؛ وفي حديثٍ عابر بين الخليفة وقائد الشرطة بعدما وصلت أخباره إلى الخليفة، أشار روح بن زناع بأنّ الثقيفي القادم من قطيف قد يعيد الانضباط إذ أُوكل الأمر له، فاستجاب عبد الملك بن مروان سريعًا، فرقّاه وأعلى منزلته فصار الحجاج قائدًا على الجنود وهم له كارهون.

ومنذ اللحظة الأولى، دوى صخب الحجاج في المدينة كلها، فالقائد الجديد لا يُكافئ مُحسنًا ولا يترك مُسيئًا، فأسرف في عقوبة المخالفين، واشتد على الجميع حتى انضبطت أحوال الشرطة، ولم يكن يأمن شره أحد إلا الجماعة المقربة من قائده روح بن زناع، وتحكي سطور السيرة أنه خرج إليهم ذات يومٍ فوجدهم يأكلون في عملهم، فنهاهم فاستخفوا به ولم يُطيعوه، فما كان منه إلا أنّ حبسهم وأحرق عليهم سرداقهم، حتى أنه كان يقتل من الجنود من يعصيه،فلمّا شكاه روح بن زنباع إلى عبد الملك بن مروان الذي دعاه للمثول بين يديه، فأتى الحجاج واثقًا وأخذ يدافع عن نفسه قائلًا: «إنما أنا يدك التي تضرب بها، وسوطك الذي تبطش به» ثم أشار عليه بألا يعاقبه خشية أن يُستهان به بين الجند.

بعد تلك الحادثة أصبح الحجاج أشد بطشًا وسفكًا للدماء، وحين أراد عبد الملك بن مروان أن يسير برأس جيش إلى العراق لانتزاعها من مصعب بن الزبير -شقيق عبد الله بن الزبير- عام 72 هجريًا قابلته مشكلة؛ يقول ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: «لم يكن أهل الشام يخرجون في الجيوش للقتال حتى ذلك الوقت»، وحينها طلب الحجاج من الخليفة أن يُسلطه عليهم، فلما أخذ الإذن بذلك، تقول بعض روايات أهل السنة أنه: «انطلق في القوم يصدحُ فيهم أنه أيما رجل قدر على حمل السلاح و لم يخرج معه، أمهله ثلاثًا، ثم قتله و أحرق داره و انتهب ماله، ثم طاف بالبيوت ضاربًا الاعناق وحارقًا الخيام على أهلها، فاجتمع للخليفة جيشٌ عظيم انطلق به إلى العراق».

جاءت فرصةٌ أخرى للحجاج للتقرب إلى عبد الملك بن مروان، فبالرغم من أنّ الخليفة كاتب أهل العراق يؤمنهم على أرواحهم ويدعوهم للانسحاب من جيش مُصعب إذا التقى الفريقان، إلا أنّ الحجاج أظهر تفوقًا في إراقة الدماء ونزع الرقاب، وبعدما انتهت الحرب بمقتل مصعب وقطع رقبته؛ سقطت العراق، وانحسرت دولة عبد الله بن الزبير في الحجاز، وأراد الخليفة الأموي أن يضرب ضربته الكبرى فأرسل الحجاج بن يوسف على رأس الجيش الذي سيقضي على خلافة ابن الزبير.

حرب مكة.. المناجيق تقصفُ الحجاز في موسم الحج

أما آن لهذا الفارس أن يترجّل.
*حديث أسماء بنت أبي بكر للحجاج عن ابنها المصلوب

كان أول ما فعله الحجاج هو أن توّجه بجيشه إلى الطائف، فمكث فيها هذه المرة ليس مُعلم الصبية، بل قائد الجيش الأموي الذي سيُسقط دولة ابن الزبير، وحين جاءه المدد توّجه الحجاج صوب مكه لحصارها، فمنع عن أهلها  الزاد والماء فكانوا يشربون من ماء زمزم، وكان هدفه ألا يُقاتل في الحرم لأنّ عبد الله بن الزبير لاذ بصاحب البيت، لذا فوضع الحجاج المجانيق على رؤوس الجبال وشرع في قصف أهل مكة بالحجارة قاصدًا إخراجهم؛ وتقول روايات بعض أهل السنة: أنّ جيش الشام لما رما بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود فأصابت منهم 12 جنديًا، فدبّ الفزع في قلوبهم لأنهم حاصروا البيت الحرام، لكن الحجاج بحسب تلك الروايات أراد تشجيعهم فصاح فيهم: «إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم»، فلمّا علموا أنّ الصواعق أيضًا قتلت عددًا من جيش الزبير عادوا مرة أخرى إلى القتال.

ولمّا جاء موسم الحج، لم يتوقف القتال، ولم يخف الحصار، حتى أنّ بعض الحجارة تساقطت من دون قصدٍ في الكعبة فصاح أهل مكة عائذبين بالبيت، حتى دب اليأس في قلوبهم وتفرقوا رويدًا عن عبد الله بن الزبير الذي تركه عددٌ من أهله وأبنائه وذهبوا إلى الحجاج الذي أمّنهم على نفوسهم، ولم يتبقَ مع ابن الزبير سوى ثلةٌ قليلة سُرعان ما أبادهم الحجاج الذي أمر بصلّب عبد الله بن الزبير، وظل هكذا ثلاثة أيام حتى انزعج كل أهل مكة لأنّ المصلوب كان أحد كبار الصحابة، فجاءت أمه أسماء بنت أبي بكر، فقالت للحجاج: «أما آن لهذا الفارس أن يترجل»، فأمر بإنزاله فدُفن.

أمر الحجاج أن يُجمع إليه الناس، فخطب فيهم قائلًا: «يا أهل مكة: بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله، ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الله، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة، اذكروا الله يذكركم».

بعدما دانت الجزيرة العربية لعبد الملك بن مروان، كافأ الحجاج الذي وحّد خلافة المُسلمين، فأمّره على المدينة المنورة والحجاز والطائف واليمن، لكنه لم يلبث سوى عامين، وفي عام 75 هجريًا، وصل الخليفة الأموي إلى مكة لأداء فريضة الحج، فلما انتهى استمع إلى الناس، فبثوه انزعاجهم من الحجاج وسطوته، حتى أنّ أهل المدينة كانوا يكرهونه ويبثونه العداء، لذا عزله من الحجاز وأقرّه على العراق التي مكث فيها 20 عامًا.

العراق.. سفّاك الدماء الذي وصل جيشه حدود الصين

أيها الناس من أعياه داؤه فعندي دواؤه، ومن استطال أجله فعلي أن أعجله، ومن ثقل عليه رأسه وضعت عنه ثقله.. إني أُنذر ثم لا أنظر، وأُحذّر ثم لا أعذر، وأتوّعد ثم لا أعفو.
*حديث الحجاج لأهل البصرة

كانت العراق منذ أيام الخليفة عثمان بن عفان أرض الفتن والثورات، ولطالما اشتهر أهلها بالتمرد على الولاة، وحين استعمل عبد الملك بن مروان الحجاج على العراق، كان الأخير يمقت أهلها، فلمّا دخل الكوفة أرسل  إلى الناس بأن يجتمعوا في المسجد، ثم دخل ملثمًا بعمامة حمراء، واعتلى المنبر ولم يتحدث حتى تعالت الأصوات بالمسجد استخفافًا بالرجل المُلثم، فخلع عمامته وصرخ فيهم: «أنا ابن جلا وطلاع الثنايا .. متى أضع العمامة تعرفوني» ثم أنشدهم خطبته المشهورة: «يا أهل النفاق والشقاق ومساوئ الأخلاق، أما والله فإني لأحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله»، فبث الرعب في قلوبهم، وتحكي سطور السيرة أنّه لما خرج من المسجد أشار أحد تابعيه إلى شيخٍ عجوز وصاح هذا أحد قتلة عثمان، فأمر الحجاج بقطع رأسه، ففزع الناس فوق فزعهم.

لم يكن يهزم الحجاج حتى ذلك الوقت سوى الخوارج الذين انتصروا على جيوش مصعب بن الزبير قبل زوال دولته، ثم انتصروا على الحجاج الذي أرسل جيوشه تلو الأخرى لقتال زعيم الخوارج قطري بن الفجاءة الذي ظفر بعدما استفحل الأخيره خطره طيلة 13 عامًا منذ كان ينتصر على مصعب بن الزبير حين كانت العراق ضمن أملاك عبد الله بن الزبير، وبعدها سيّر الحجاج تلك الجيوش فوجّهها للفتح الإسلامي حتى وصلت جيوشه إلى حدود الصين.

اختار الحجاج اثنين من خيرة قادته هما قتيبة بن مسلم، وابن أخيه محمد بن القاسم الثقفي لفتح آسيا الوسطى، فانطلق الجيشان أحدهما في الشمال والآخر في الجنوب في منافسة بينهما بعدما كتب إليهما الحجاج: «أيكما سبق إلى الصين فهو عاملٌ عليها»، فوصل قتيبة إلى سمر قند ففتحها ثم مضى إلى بلاد ما وراء النهر فأخضعها تحت سيطرة الدولة الأموية، حتى وصلت جيوشه إلى أسوار الصين فقاتل عندها نحو 13 سنة، ويعتبر فعليًّا فاتح آسيا، أما محمد بن القاسم فخرجت جيوشه من إيران شمالًا وانطلق نحو بلاد السند ففتحها ثم انطلق إلى باكستان بتشجيع الحجاج.

وبلغ نفوذ الحجاج في دولة بني أمية أنه كان الحاكم الفعلي للعراق وما حولها، فبعد موت عبد الملك بن مروان، تولى من بعده الوليد بن عبد الملك، فأبقاه على أملاكه جميعًا بعدما نهض بالعراق حضاريًا، فبنى مدينة واسط التي دُفن فيها -تربط الكوفة بالبصرة- وحفر الآبار ونهض بالزراعة وضبط العُملة، كما قام بتعريب الدواوين، كما يُنسب له بأنه أمر بتنقيط القرآن ووضع إشارات تدل على نهاية الأجزاء، ويذكر عن الحجاج رغم بطشه أنه لم يكن يتعرض لأهل القرآن سوى لسعيد بن الجبير أحد كبار التابعين الذي أمر الحجاج بقتله حين انضم إلى صفوف الثائرين عليه.

وفي عام 95 هجريًا أصيب الحجاج بداء في البطن فلزم الفراش في العشر الأواخر من رمضان؛ تقول الروايات أنه حين اقترب منه أحد أهل بيته وناشده بأن يتوب فأجابه: «إن كنت مسيئًا فليست هذه ساعة التوبة، وإن كنت محسنًا فليست ساعة الفزع»، وقبل أن يموت كتب وصيته التي جاء فيها: «أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث»، ثم توّج آخر كلماته: «اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد