هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

في السنوات القليلة الماضية توتَّرت العلاقات التركية – الأمريكية في عدّة قضايا، كان من أبرزها «قضية بنك خلق» المملوك للدولة التركية، تلك المشكلة المستمرة منذ 2017.

يستعرض هذا التقرير تفاصيل القضية والشخصيات المرتبطة بها، وجهود الضغط السياسي التركية في واشنطن لإسقاط القضية من الأساس، ثمّ التأثير في حكمها النهائي.

تدور هذه القضية بالكامل حول بنك خلق الذي تملك الحكومة التركية أكثر من نصف أسهمه، وهو ثاني أكبر بنك حكومي في تركيا، و«المتهم أمريكيًا» بالسماح بتحويل 20 مليار دولار لإيران بين أعوام 2012-2016.

النفط الإيراني مقابل الذهب

بدأت القضية في مارس (أذار) 2016، تتهم الدعوى الأمريكية البنك وعاملين فيه بالسماح بتحويلات مالية غير مشروعة لإيران، باستخدام شركات تعمل واجهاتٍ لهذه العملية، من إيران وتركيا والإمارات، هذه التحويلات مخالفةٌ للقانون الأمريكي وتعدُّ تجاوزًا للعقوبات الأمريكية ضد إيران التي تمنعُ القيام بمثل هذه التحويلات.

وفق القضيّة، فقد عملَ مسؤولون في البنك على بناء نظام لعمليات مالية، تسمح لإيران بتجاوز العقوبات الأمريكية والالتفاف عليها، وتمرر تحويلاتٍ مالية من العوائد النفطية لتستفيد منها إيران، كيف يتم ذلك؟ تُودَع دولارات بيع النفط الإيراني في حسابات لإيران في بنك خلق، هذه الحسابات يُمنع تحويل الأموال منها لإيران بسبب العقوبات الأمريكية، ولكن إدارة البنك استخدمت الأرصدة المالية المُودَعَة في هذه الحسابات لتشتري به الذهب وتقوم بشحنه لاحقًا لإيران.

في مارس 2016 اعتقلت السلطات الأمريكية رضا ضراب في زيارةٍ له للولايات المتحدة، وهو تاجر ذهب إيراني تركي، أشرف على العمليات المالية المُخالفة للعقوبات الأمريكية وخطط لها، طلبت الحكومة التركية في البداية الإفراج عن ضراب وإعادته لتركيا، ولكنه قدّم اعترافًا بمشاركته بالتآمر لتجاوز العقوبات، وأصبح شاهدًا على القضية وتعاون مع المحققين الأمريكيين وأدانَ مجموعةً من العاملين في البنك والمنخرطين في العملية.

سياسة

منذ 3 سنوات
«بلومبرج»: كيف تغسل مليار دولار من أموال النفط الإيراني؟ قضية رضا ضراب تشرح لك

صرّح ضراب في المحكمة الأمريكيّة نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «أمر شخصيًّا بالسماح لبنكين تركيين بالمشاركة» في هذه العملية، في مخالفةٍ للعقوبات الأمريكية على إيران. وذكرَ ضراب في شهادته أن أردوغان وجّه هذه الأوامر لبنكين: بنك وقف، وبنك زراعات التركي، وكلاهما بنكان حكوميان.

امتدَّت التُّهم الأمريكيّة لتشمل سبعة أتراك آخرين، برز من بينهم اسم محمد هاكان أتيلا، وهو مصرفي تركي عمل نائبًا للمدير العام للبنك للشؤون المصرفية الدولية، وبدأت محاكمته بالولايات المتحدة في نوفمبر 2017.

اتُهم أتيلا بستّ تُهم وأدين بخمسٍ، منها: الاحتيال المصرفي، والتآمر لخرق العقوبات الإيرانية، والاحتيال على الولايات المتحدة (الكذب على المحققين).

هاجمت الحكومة التركية المحاكمة من البداية، وقال أردوغان: «لم نُقدِّم أي التزامات للولايات المتحدة بشأن روابطنا في الطاقة مع إيران». وفي إشارة لحساسية القضية بالنسبة لتركيا قال: «إذا اعتُبر هاكان أتيلا مجرمًا فهذا يساوي اعتبار الجمهورية التركية مُجرمة».

Embed from Getty Images

محمد هاكان أتيلا، المصرفي التركي المتهم في قضية بنك خلق في أمريكا بعد عودته لتركيا وزوجته في استقباله، ويعمل الآن أتيلا مديرًا لبورصة مدينة إسطنبول بتركيا.

ذكر المحققون الأمريكيون أن أتيلا مُتمرسٌ في شؤون وتفاصيل العقوبات الأمريكية، وعمل عمدًا على بناء العملية بشكلٍ يُخفيها عن المراقبة الأمريكية. ووصف أحد المُحقِّقين العملية بأنها «أكبر قضية تهرُّب من العقوبات في الولايات المتحدة»، لأنها تمّت داخل النظام المالي الأمريكي كما تنقل مجلة «ذا أتلانتيك»، ووفقًا لشهادة ضراب في التحقيقات معه، فقد استطاع أتيلا تحويل ملايين الدولارات للإيرانيين من بيعهم للنفط.

أحد المتهمين الذين أدلوا بشهادتهم في القضية هو حسين كوركماز، ضابط شرطة ومُحقِّق تركي، حقَّق في رشاوى متعلقة بالبنك وعملياته مع إيران، ولكن السلطات التركية أوقفت التحقيق، وهربَ كوركماز إلى الولايات المتحدة وبحوزته وثائق وأدلة قدّمها للمحكمة الأمريكية ساعدت في إدانة أتيلا، وأدلى بعدها بشهادته واعتقل 18 شهرًا.

ونقلت وكالة الأناضول، وكالة الأنباء التركية الرسمية، أن كوركماز، المحقّق والشرطي التركي الهارب لأمريكا، ذكرَ في شهادته بالمحكمة تلقيه أموالًا من الادعاء العام الأمريكي ومن «مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي)» تصل إلى 50 ألف دولار، وتتهم الحكومة التركية كوركماز بالانتماء لتنظيم جماعة فتح الله جولن، المتهم الأول بالتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016. وقالت السلطات التركية إن الأدلة في القضية «مفبركة» ولا أساس قانوني للأحكام.

تركيا تستعين بأصدقاء ترامب

تعاقدت السفارة التركية بواشنطن في 11 مايو (أيار) 2017 مع شركة «بالارد بارتنرز- Ballard Partners»، للضغط على البيت الأبيض، وتحديدًا على مكتب نائب الرئيس الأمريكي السابق مايك بنس وعلى مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض. وضغطت الشركة أيضًا على مسؤولي وزارات الخزانة والخارجية والدفاع الأمريكية.

تنبع أهمية الشركة من العاملين فيها، فرئيسها هو براين بالارد، الذي يحظى بعلاقة وثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وشارك في حملته الرئاسية وتبرّع لواحدة من هيئات دعم ترامب بمبلغ 295 ألف دولار. ومنذ صعود ترامب للرئاسة، برز اسم بالارد أكثر في مجال الضغط السياسي، وقد قدَّم بالارد خدماته أيضًا لصالح قطر.

Embed from Getty Images

بارين بالارد، عامل بمجال الضغط السياسي ومقرّب من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يعمل لتركيا في ملف قضية بنك خلق.

تضم الشركة أيضًا روبرت ويكسلر، الذي يعمل مستشار شؤون دولية للحكومة التركية. كان ويكسلر عضو كونجرس ديمقراطي في الفترة بين أعوام 1997-2010، وعمل فيها بلجان القضائية والخارجية. إضافة إلى ذلك يعتبر ويكسلر مناصرًا عتيدًا لإسرائيل، وأحد زعماء المجتمع اليهودي الأمريكي.

بعد تعاقدها مع السفارة التركية، التقت الشركة مسؤولين من البيت الأبيض، فاجتمعت مع نيك إير، مدير فريق مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي السابق، واجتمعوا مع سين كارينكروس، مستشار أول لترامب. وتواصلت الشركة مع باحثين ومساعدين يعملون بمجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض.

وتواصلت الشركة أيضًا مع مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الدفاع الأمريكية، فاجتمعوا بكبير مساعدي وزير الدفاع، ومع أحد نوابه. والتقت الشركة مسؤولين في وزارة الخارجية، فاجتمعت مع مسؤولي ملفات أوروبا وتركيا في الوزارة، واجتمعت مع ويس ميتشيل، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية والأورو-آسيوية، الذي عيّن بقرار من ترامب.

من وثائق تعاقد السفارة التركية في الولايات المتحدة مع شركة «بالارد بارتنرز»، ويظهر في الصورة توقيع سردار كيليتش، السفير التركي إلى الولايات المتحدة. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

وتواصلت الشركة مع مسؤول بوزارة الخزانة معني بالشؤون القانونية. ومن المُلاحَظ أنّ الشركة لم تضغط على الكونجرس، سوى بتواصلها مع النائب الديمقراطي ستيف كوهين، وهو عضو في اللجنة القضائية بمجلس النواب. خدمت السفارة التركية منذ مايو 2017 وحتى نوفمبر 2018، وأخذت مقابل خدماتها مليونًا و875 ألف دولار أمريكي.

قدمت «بالارد بارتنرز» هذه الخدمات في إطار عقدها مع السفارة التركية. ووقعت عقدًا آخر مباشرًا مع بنك خلق في 21 أغسطس (آب) 2017، لتقدم استشارات للبنك بشأن علاقاته الدبلوماسية والحكومية في أمريكا.

وقدمت الشركة خدمات ضغط سياسي بالتواصل مع مكتب الرئيس الأمريكي، ومع مكتب شؤون جنوب أوروبا (مكتب معني بتركيا وقبرص واليونان) بوزارة الخارجية، بهدف شرح جهود البنك للعمل وفقًا للمعاير والمتطلبات الدولية المالية. ومثّلت الشركة البنك إعلاميًا بالتواصل مع صحافيين من «نيويورك تايمز» و«بلومبرج» و«هافنجتون بوست».

أنهت الشركة تعاقدها مع بنك خلق بعد يومٍ من صدور الحكم بسجن المصرفي التركي محمد هاكان أتيلا، وتحصّلت على 3 ملايين و137 ألف دولار مقابل خدماتها من أغسطس 2017 وحتى أكتوبر 2019.

وقد وصل مجموع ما حصلت عليه الشركة من السفارة التركية وبنك خلق مجتمعين إلى 5 ملايين و12 ألف دولار، وفقًا لوثائق الشركة على موقع وزارة العدل الأمريكية.

الضغط التركي على البيت الأبيض

لم تكتف تركيا بالضغط السياسي عبر اللوبي التركي وشركاته العديدة، بل تحدَّث أردوغان شخصيًّا عدة مرات مع ترامب في هذا الشأن، ما دفع الرئيس الأمريكي للعمل على حل المشكلة بطرقٍ مختلفة.

تنقل صحيفة «واشنطن بوست» أن ترامب دفع في 2017 وزير الخارجية آنذاك، ريكس تيلرسون، للتدخُّل في مسار القضية، ولكنّ تيلرسون لم يُحبِّذ ذلك. وتابع ترامب ضغطه على تيلرسون للعمل على حل المشكلة بتنسيق «صفقة دبلوماسية» تُسقط القضية وتنهي المسألة.

في تلك الفترة، انضم لفريق دفاع رضا ضراب كل من رودي جولياني ومايكل موكاسي، وجولياني كان عمدة نيويورك السابق وجمهوري بارز نافس جون ماكين في انتخابات الحزب للترشح للرئاسة لعام 2008، ولاحقًا عيّنه ترامب محاميًا شخصيًا له أثناء تحقيقات عزله، أما موكاسي فهو المدعي العام الأمريكي السابق في فترة جورج بوش الابن، وكلاهما ترأس سابقًا القضاء بجنوب نيويورك.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (يمين)، ورودي جولياني (يسار). ضغط جولياني على البيت الأبيض وترامب لصالح تركيا في قضية بنك خلق.

سافر جولياني وموكاسي إلى تركيا، بصفتهما من فريق الدفاع عن ضراب، للاجتماع بالرئيس التركي أردوغان للبحث في طرق حل القضية دبلوماسيًّا، قبيل أول زيارة لأردوغان للبيت الأبيض أثناء رئاسة ترامب في مايو 2017.

وزار جولياني وموكاسي البيت الأبيض للاجتماع بالرئيس ترامب بشأن القضية. وقدما مقترحًا بمبادلة رضا ضراب بالقس الأمريكي أندرو برونسون المُعتقل في تركيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016، ويبدو أنّ المقترح أعجب ترامب الذي طلب من جولياني أن يعرضه على وزير الخارجية تيلرسون. وبالفعل، جاء تيلرسون للبيت الأبيض في أحد الأيام لمقابلة الرئيس في اجتماع روتيني ليجد المحامين في انتظاره بمكتب الرئيس وضغطا عليه ليوافق على مقترح التبادل ويعمل عليه.

ولم يكتفِ جولياني بالضغط على ترامب وتواصل مع براين هوك، المبعوث الأمريكي الخاص لإيران، بهدف الضغط لإخراج رضا ضراب. وضغط جولياني أيضًا على وزارة العدل وعلى مكتب المدعي العام الأمريكي.

وفي كتاب جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترامب، يذكر أنّ أردوغان قد تحدّث مجددًا مع ترامب في مايو 2018 بشأن قضية بنك خلق. فأجابه ترامب بألا يقلق، وشرح له أن المحكمة يعمل فيها أتباع لأوباما (مسؤلون من الحزب الديمقراطي ومن غير معارف ترامب)، وستحلّ المشكلة فورَ استبدالهم.

دولي

منذ 8 شهور
الكتاب الذي حاول ترامب منعه.. قراءة شاملة في كتاب بولتون المثير للجدل

المعركة مستمرة.. محاكمة جديدة لبنك خلق

اعتُقل أتيلا في مارس 2017، وصدر ضده حكمٌ بالسجن 32 شهرًا في مايو 2018، أي بعد أكثر من عامٍ من القبض عليه. وهو حُكمٌ مخفّض جدًا مقارنةً بما أوصت به السلطات الرقابية الأمريكية بالسجن مدى الحياة، أو على الأقل 20 عامًا طلبها المحققون في القضية. مع الأخذ بالاعتبار أن عقوبة الاحتيال المصرفي قد تصل في المحاكم الفيدرالية الأمريكية إلى حكم بالسجن 30 عامًا، على أقصى تقدير.

في النهاية، أُفرج عن أتيلا في 19 يوليو 2019، بعد أن قضى في السجون الأمريكية 28 شهرًا من أصل 32، وجاء الإفراج المبكر بحسب وكالة الأناضول لـ«حسن السلوك»، وبعد فترة قصيرة عُيّن مديرًا لبورصة إسطنبول.

وفي وقت سابق تحدثت الأناضول عن رفع الادعاء الأمريكي طلبًا بتمديد الحكم نظرًا لقصر المدة، ولكن سُحب الطلب لاحقًا، أما بالنسبة لضراب، فينقل مقال لموقع «كورت هاوس نيوز» الأمريكي أنه أفرج عنه، بحسب بيانات المكتب الفيدرالي للسجون.

مقطع مصوّر لحظة عودة المصرفي التركي محمد هاكان أتيلا لتركيا.

ولكن القصة لا تنتهي هنا، ففي مطلع عام 2020 أعادت نفس المحكمة فتح ملف بنك خلق، ولكن وجّهت التهم هذه المرة للبنك، بالاحتيال وغسيل الأموال وأربع تهم أخرى. وذكر المحققون أن البنك نَفَّذ تحويلاتٍ مالية «غير قانونية أمريكيًا»، سمحت لعوائد النفط والغاز الإيرانية بالتدفُّق على الخزينة الإيرانية.

ومن اللافت أن المدعي العام للمحكمة، جيفري بيرمان، قد طُرد من منصبه في 21 يونيو 2020، وهو الذي أشرف على قضايا بنك خلق المختلفة وأعاد فتح الملف من جديد. طُرد بيرمان بأمرٍ من الرئيس ترامب، وكان يشرف أيضًا على قضايا وتحقيقات أخرى مرتبطة بمساعدين لترامب.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد