اقتحمت حماس السجون المصرية أثناء ثورة 25 يناير. حماس وراء حادث قتل الجنود المصريين. حماس أدخلت أسلحةً ومقاتلين لسيناء عبر أنفاق غزة. حماس تُعالج مقاتلي السلفية الجهادية بغزة. أما آخر حلقة في سلسلة الاتهامات الرسمية المصرية هذه، كان أن حماس ضالعة في حادثة اغتيال النائب العام المصري السابق هشام بركات، كما أعلن أمس وزير الداخلية المصري، اللواء مجدي عبد الغفار.

تبدأ هذه الرواية الجديدة حسب عبد الغفار، بعدما كُلفت خلية مكونة من 14 عنصرًا (من أصل 48 عنصرًا) من جماعة الإخوان المسلمين وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) لتنفيذ عملية اغتيال النائب العام وعمليات أخرى، صدرت الأوامر لهذه المجموعة من «طبيب إخواني»، يدعى يحيى السيد إبراهيم موسى. موسى أصدر التكليف لأحد كوادر حركة حماس في غزة، بتنفيذ هذه العملية في إطار عدة علميات متتالية –والرواية ما زالت لوزير الداخلية المصري- ثم دُرّبت تلك العناصر على استخدام المتفجرات وإعداد العبوات، وآلية رصد المواقع. حدث ذلك تحت إشراف عناصر في حركة حماس، ومن داخل قطاع غزة!

لم يكتفِ وزير الداخلية بما سبق، بل قال إن «موسى» أشرف على تهريب الخلية من سيناء إلى قطاع غزة، بمساعدة بَدو من سيناء. في النهاية تمكن هؤلاء من تجهيز عبوة وزنها 80 كيلوجرامًا وتركيبها، قبل أن ينفذوا عملية اغتيال بركات في يونيو (حزيران) الماضي.

المتهمون باغتيال هشام بركات

في صباح 29 يونيو (حزيران) 2015، وبعدما تحرك موكب النائب العام، هشام بركات (64 عامًا) مسافة 200 متر فقط، في شارع عمار بن ياسر، الواقع في حي النزهة (كان بركات يقيم فيه)، انفجرت سيارة كانت بجوار الرصيف، عندما اقترب موكب النائب منها. وحينها أعلن أن الانفجار استهدف موكب النائب العام، الذي خرج من سيارته مصابًا بخلع في الكتف، وجرح قطعي في الأنف، ونزيف داخلي، وشظايا، وتهتكات في الكبد، وفقًا لما أعلنته المصادر الرسمية المصرية.

 

لم ينجُ بركات بعدما أجريت له عملية جراحية عاجلة، إذ فارق الحياة في مستشفى النزهة الدولي. بعد الإعلان عن مقتله، طُرحت العديد من التحليلات والسيناريوهات حول «من قتل النائب العام المصري؟»، واتهمت جماعة الإخوان المسلمين بالتورط في عملية قتل الرجل الذي أصدر سلسلة من الأحكام والاتهامات بحق قيادات وأعضاء في الجماعة.

طرح الجانب المصري أيضًا، وبتركيز أقل، اقتراح اتهام بوقوف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) خلف الحادث، فتنظيم «ولاية سيناء» ذراع «داعش» في سيناء المصرية، كان قد دعا قبل شهر واحد من مقتل بركات، إلى استهداف القضاة.

وعلى نهج الموقف الرسمي، استكمل الإعلام المصري الترويج إلى أن من يقف خلف عملية الاغتيال هم الإخوان، حتى وصل الأمر لحد القول، إن الرئيس المعزول محمد مرسي أشار أثناء محاكمته في قضية التخابر مع قطر بعلامة الذبح، بعد اغتيال بركات. هذا الإعلام أيضًا وضع حركة حماس في دائرة الاتهام، إذ قال حينها الإعلامي المصري المثير للجدل بشكل عام، أحمد موسى، إنّ «في كل مرة نفتح فيها معبر رفح يحصل عمل إرهابي، هل قلبنا رُهيّف على حماس الإرهابية؟»، مُعتبرًا أنّ «السر وراء عملية اغتيال بركات يكمن في معبر رفح».

المحللون والمتابعون للشأن المصري، تحدثوا عقب عملية اغتيال بركات، عن «لغز» وراء عملية الاغتيال، مستشهدين بظهور بركات عقب الانفجار مستلقٍ على الأرض، وملابسه غير مضرجة بدماء كثيرة، واستشهدوا كذلك بروايات شهود العيان، التي أكدت أن قوةً «أنزلت بركات من السيارة وأجلسته أسفل شجرة، وأحضرت له ماء في محاولة لالتقاط أنفاسه وتهدئته». كذلك استشهدوا في تحليلهم، بتصريح المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية، والذي قال فيه، إن «إصابات الحراسة والسائقين طفيفة، عدا النائب العام الذي كانت إصابته بليغة».

حماس.. «العدو الخارجي»

سارعت حركة حماس بإصدار بيان رسمي تنفي الاتهامات التي ألقاها ضدها وزير الداخلية المصري، فرغم أن الحركة محط اتهامات عدة من قبل النظام المصري الذي أعقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، إلا أنها أدركت أنّ هذا الاتهام يُعدّ مرحلة خطيرة للغاية في العلاقات بينها وبين النظام المصري.

 

«ساسة بوست» اتصل بأكثر من مسؤول وناطق رسمي في حركة حماس عقب المؤتمر، إلا أنّهم جميعًا رفضوا التصريح، فيما اكتفى المتحدث الرسمي باسم الحركة، سامي أبو زهري، بالتأكيد على ما جاء في بيان الحركة، المُوقّع باسم «أبو زهري» نفسه.

هذا وقد جاء في البيان، أن «اتهام وزير الداخلية المصرية، لحركة حماس غير صحيح، وتلك التصريحات لا تنسجم مع الجهود المبذولة لتطوير العلاقات بين حماس والقاهرة». وأضاف البيان: «ونحن نهيب بالغيورين في مصر، تحمل مسؤولياتهم لعدم الزج باسم الفصائل الفلسطينية في الخلافات المصرية الداخلية».

من جانبه، يرى الكاتب الفلسطيني ساري عرابي، أنه «لا يبدو أن هناك إمكانية لتغيير موقف نظام السيسي تجاه حماس، أو تجاه قطاع غزة». عرابي يوضح أن سبب اعتقاده في ذلك راجع إلى «السياسات الخطيرة والمرعبة التي اتخذها هذا النظام (المصري)، من حيث خدمة الأجندة [الصهيونية] وتنفيذ السياسات الأمنية للاحتلال».

عودة لمربع الاتهامات

المحلل السياسي الفلسطيني، طلال عوكل، علقّ لـ«ساسة بوست» على الحدث، قائلًا: «عدنا لدوامة الاتهامات التي يطلقها الجانب المصري، وتنفيها حركة حماس طوال الوقت. هذا الإعلان يعيدنا إلى مربع التحريض وتأجيج الصراع والخلاف أكثر، الاتهام مثل دفعة كبيرة نحو الخلف».

 

يصف عوكل الاتهام بـ«المفاجئ»، بسبب أنه جاء في وقت تحدث فيه قادة حماس عن وعود وتحركات لوفد برئاسة «موسى أبو مرزوق» إلى القاهرة. يضيف طلال عوكل: «كانت هناك حالة من التفاؤل. فالعلاقات يبدو أنها كانت ستتحسن. لكن ما حدث أخيرًا يكسر الموجة، ويعيدنا إلى مربع المناخات السلبية».

لا يبدو إذًا أن للنظام المصري رغبةً في إعادة المياه إلى مجاريها مع حركة حماس المُسيطرة على قطاع غزة المُحاصر، إذ ما يزال الربط الصريح بين عداء النظام للإخوان بحركة حماس، رغم أنه على جهة أخرى، قد يبدو اتهام جماعة الإخوان «أمرًا طبيعيًّا، كون هناك حالة صراع بين النظام في مصر والجماعة. لكن ذكر حماس كمشارك مُباشر في عملية الاغتيال، أمر ينطوي على دلائل»، كما يرى المحلل السياسي الفلسطيني.

على جانب آخر، يرى عوكل أن حماس ما تزال غير قادرة على تلبية الشروط التي يتطلع إليها النظام في مصر لاستعادة هذه العلاقة، ولذا فإنّه يعتقد جديًّا في أنّ «الطريق ما يزال طويلًا أمام حركة حماس لاستعادة العلاقات مع مصر».

فك الارتباط مع إخوان مصر!

جاءت اتهامات وزير الداخلية المصري لحماس، في الوقت الذي كانت فيه الحركة تأمل في تحسين علاقاتها بالجهات الرسمية المصرية، إذ تحدثت وسائل إعلام فلسطينية، في الأيام الأخيرة، عن تفاؤل قادة الحركة بتحسين العلاقة مع مصر، إلا أن هذا الاتهام بالتأكيد أفسد الأجواء وحصرها في مربع العداوة القائم بين الطرفين.

 

على هذا يُعلّق أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر في غزّة، مخيمر أبوسعدة، قائلًا إن «التوقيت سيء، هناك حديث عن تحسن أو قرب انفراج لحماس في الموقف مع مصر، تحدثوا عن إمكانية ذهاب وفد من الحركة للقاء مسؤولين في مصر والتباحث في تحسين العلاقات».

أبو سعدة يرى أن التوقيت يُؤثر بشكل سلبي على إمكانيات تحسين العلاقات بين الطرفين، كما قال لـ«ساسة بوست»، لافتًا إلى الدور الذي يلعبه الإعلام المصري في «تسميم» العلاقات بين الحركة والنظام المصري.

عليه فإن أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني، يقترح على الحركة أن تفك ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، على غرار ما فعلته جماعة الإخوان في الأردن، واصفًا هذا التحرك –إن حدث- بـ«الجريء والمهم»، فأبوسعدة يرى أن استمرار وجود الارتباط بين الحركة، والإخوان في مصر في ظل الأزمة التي يمرون بها مع النظام، سيجلب لحماس «العزلة السياسية ومزيدًا من الإجراءات المصرية الصعبة، وأبرزها ملف إغلاق معبر رفح». فك الارتباط إذًا قد يُلطف الأجواء مع مصر، ويبعد الحركة عن الاتهامات الأمنية من جهة النظام المصري، على حد قول «أبو سعدة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد