يتكرر الجدل من فترة لأخرى حول القدرات العسكرية لحركة «حماس»، وتحديدًا ذراعها العسكرية «كتائب القسام»، بين المُبالغة في حجم حركة المُقاومة الفلسطينية ونفوذها، والتهاون تجاه تلك القدرات، ووصفها بأنها محض تنظيم عسكري لا يُماثل عتاد جيوش الدول العربية، وغير قادرة على خوض حرب عسكرية في ظل قدراتها الحالية.

في التقرير التالي، نتتبع الوزن العسكري للحركة خلال العامين الأخيرين، في ظل ارتفاع التهديدات المُحتملة، والتي تُرشح دخولها حرب محتملة مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي انتقلت أجهزته الأمنية من التعامل مع «كتائب القسام» بوصفها الجناح العسكري لحركة «حماس»، إلى وصفها بـ«جيش حماس»، بعدما طورت الحركة من قدراتها العسكرية، وأصبح لديها قوات نظامية واحتياط ووحدات نخبة، ومقاتلون بحريون وبريون، وأسلحة متطورة كالطائرات المسيّرة المتفجرة.

لو قامت حرب على غزة الآن.. هل تستطيع «حماس» الصمود؟

40 ألف مقاتل وقوات نظامية واحتياط.. تعرف على «جيش حماس» الناشئ

تتباين التقديرات حول الوزن العسكري للحركة الفلسطينية؛ وسط صعوبات جمة للوصول إلى معلومات دقيقة في ضوء الحيطة والتكتم الشديدين التي تفرضهما الحركة على مقاتليها ومنظومتها العسكرية؛ غير أن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة في اعتماد مصطلح «جيش حماس» الجديد بديلاً عن الجناح العسكري (كتائب القسام) يشير إلى تحول نوعي في استراتيجية الحركة العسكرية، وحدوث قفزات نوعيّة في فعلها المقاوم برغم الحصار الخانق.

إحدى التدريبات العسكرية يؤديها أفراد تابعون لـ «حماس»

وينعكس هذا التحول النوعي في تطوير الحركة لهيكلها العسكري لينتقل من مجموعة مُقاتلين فدائيين إلى قوات نظامية واحتياط ووحدات نخبة، ومقاتلين بحريين وبريين، وأسلحة متطورة كالطائرات المسيّرة المتفجرة.

مع هذا الصعود والنمو الواسع في قدرات الحركة العسكرية، تحولت «كتائب القسام» في هيكلها البنائي بمرور السنوات لتصير أشبه بالجيوش. إذ يتكون من ستة ألوية، يضم كل لواء 5 آلاف مقاتل، وينضوي على أربع أو خمس كتائب، ويقدَّر عدد عناصر القسام بـ40 ألف مقاتل، يتوزعون على العديد من الوحدات والكتائب التي تنتشر في قطاع غزة، لكل وحدة مهام معينة منوطة بها، ومواقع تعمل انطلاقًا منها.

في سياق هذا التحول أصبح للحركة وحدات قتالية برزت مهامها في حروب السنوات الأخيرة، وبالأخص وحدة الإسناد والإمداد والتموين، المسؤولة عن توفير الدعم اللوجيستي للكتائب المنتشرة على حدود القطاع، من سلاح، وذخيرة، وغذاء، وأدوية، ووقود، ووحدة الإشارة والاتصالات. ومركز القيادة والتحكم الذي يوزع المهام وينشر التعميمات، ويقوم بالحرب الإلكترونية؛ كالتشويش على المحطات الفضائية الإسرائيلية، واختراق الترددات العسكرية والمواقع الإلكترونية.

بحسب الباحث والمُحلل الفلسطيني عدنان أبو عامر، فربما يكمن السبب الرئيس في إقدام إسرائيل على خطوة تغيير مسمى جناح «حماس» العسكري إلى «جيش حماس»، يعود إلى أن الحركة نجحت في استعادة قوتها العسكرية إلى الأيام الأولى التي سبقت حرب الجرف الصامد، رغم كونها في الوقت ذاته لا تنجح في التزوّد بالوسائل القتالية بكميات كبيرة، ولذلك شرعت في إنتاج وسائل قتالية محلية.

بُعد آخر لنتائج هذه الهيكلة انعكس في تطور تدريباتها ومناوراتها العسكرية، والتي حاكت خلالها جيوش الدول، وتحديدًا جيش الاحتلال الإسرائيلي، في التعبئة العامة لعناصر الاحتياط في أجهزة الأمن، ونشر حواجز في الطرقات، وإغلاق «حماس» لجميع المعابر البرية والموانئ البحرية، والحيلولة دون استخدام البحار لحين انتهاء هذه التدريبات.

اتضح هذا التطور الكبير في شكل وطبيعة مناورات الحركة التي انكشفت العام الماضي، وتحديدًا في 25 يوليو (تموز)، في الذكرى الخامسة لحرب غزة 2014 بين إسرائيل و«حماس»، والتي حاكى التمرين خلالها توغلًا لقوات خاصة إسرائيلية، «بسبب محاولات الأعداء تقويض الأمن والنظام العام»، حسبما ذكر بيان رسمي عن الحركة.

وشملت كذلك المُناورة وزارة الداخلية والأمن الوطني، والتي حاكت التعامل مع تهديد أمني مفاجئ؛ وذلك في إطار فحص جهوزية القوات والأجهزة الأمنية، وفقًا لإياد البزم، المتحدث باسم وزارة الداخلية في غزة.

يُضاف للنقلات السابقة التي تُحيلنا من التعامل مع الحركة بوصفها تنظيمًا عسكريًّا، إلى جيش نظامي؛ هو رفعها لوتيرة تجاربها الصاروخية من حيث أعداد الصواريخ، ومدى المسافة التي تنطلق خلالها، ليكون ذلك بديلًا لرفع قدراتها، وتطويرها محليًّا، بديلًا عن سياسة تهريب الصواريخ التي كانت تتبعها على مدار السنوات عبر أنفاق غزة، والتي كانت تتناسب مع وضع الحركة كذراع عسكري.

وانعكس تطوير تجارب الحركة الفلسطينية لصواريخها في ارتفاع مُعدل إطلاق الصواريخ خلال جولة القتال الأخيرة مع إسرائيل، في بداية مايو (أيار) الماضي، ليصل لنحو 700 صاروخ خلال المواجهات التي استمرت يومين، وذلك بهدف تجاوز منظومة القبة الحديدية التي شيدتها إسرائيل، وهي من النوع «إس 40» محلية الصنع، بحسب يكني أبو المعاذ، قائد في سلاح المدفعية بالحركة.

وكانت «حماس» قد أعلنت عن نفسها كيانًا سياسيًّا دون أن يتزامن ذلك مع إشهارٍ لجناحها العسكري، مكتفية بتشجيع الشباب على العمل الفدائي ضد الاحتلال الإسرائيلي، لتتشكل مجموعات مُسلحة غير مرتبطة بها تنظيميًّا، وتقتصر علاقة الحركة بها على ترحيبها بالعمليات التي ينفذها منتسبو هذه الكتائب، كحال «المجاهدين الفلسطينيين»  و«مجد» و«كتائب عبد الله عزام».

وبحلول عام 1992، أعلنت الحركة تأسيس جناح عسكري تابع لها مُباشرة تحت اسم «كتائب الشهيد عز الدين القسام» ويخضع لإدارتها ببنية هرمية مُحددة، ضمت خلاله الكتائب التي كانت ترحب بها، وتقاطعت أفكار منتسبيها معها.

بمرور السنوات، تطورت بنيتها التنظيمية لتضُم ألوية وكتائب وفصائل، داخلها وحدات مُستقلة في حد ذاتها، مثل الكوماندوز (النخبة)، والمضاد للدروع، والهندسة، والدفاع الجوي، والقنص، والمدفعية، ووحدة الاستشهاديين، والإسناد، والكمائن، وأخيرًا الضفادع البشرية التي أتقنت عملها لأول مرّة خلال العدوان الأخير.

ظل جناح الحركة العسكري على حاله في هيئته التنظيمية، يتطور بمرور الوقت، إلى أن شهدت النقلة النوعية في هيكلها العسكري عام 2012، مُشابهًا في بنائه الجيوش.

«جعبتنا لا تفرغ».. حركة حماس تتحدى إسرائيل بحملة تبرعات جديدة عبر «بيتكوين»

من يقف وراء هذه الهيكلة وكيف تمت؟

كان عام 2012 هو التوقيت الرسمي لحدوث هذه النقلة النوعية، من حيث إجراء الهيكلة الواسعة في بنيتها العسكرية، واتباع أساليب تجعلها تتنقل من محض حركة مُقاومة أو تنظيم مُسلح لجيش يتبع خططًا في إدارة معاركه، ويهيئ مُقاتليه لمهامهم الدائمة؛ التي لا تنتهي مع انتهاء حرب أو معركة في حالتي النصر أو الهزيمة، ليصيروا وفقًا لهذه الخطط جنودًا يترقوا في رتبهم، لا مجرد فدائيين متطوعيين.

بعض عناصر «كتائب القسام» في شوارع غزة

بحسب الكولونيل ريتشارد كيمب، من مركز «رويال يونايتد سيرفيسز للأبحاث» في لندن، فإن: «حركة «حماس» منيت بخسائر كبيرة على يد القوات الإسرائيلية في عام 2012، ولكن منذ ذلك الوقت أعيد تجهيزها بشكل كبير من قبل إيران، وبأسلحة من سوريا».

فقد كانت الهزيمة الواسعة التي مُنيت بها الحركة دافعًا لقادة الحركة آنذاك للسير نحو إعادة هيكلة الحركة، بعد مراجعة أسباب الهزيمة، واكتشاف طرق لتعزيز ترسانتها العسكرية بعيدة عن الطرق التقليدية في التهريب، أو استخدام الأنفاق في ذلك.

سبب آخر يقف وراء التعجيل بهذه الهيكلة وإعادة بناء المنظومة العسكرية، هو اغتيال أحمد الجعبري قائد عمليات «كتائب القسام» آنذاك، والمُشرف التنفيذي على العمل العسكري، وذلك في 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، في بداية العملية العسكرية على قطاع غزة عام 2012، والتي أطلقت إسرائيل عليها اسم «عمود السحاب» واستمرت لثمانية أيام.

كان وقوع أعداد كبيرة من قادة الجناح العسكري، على رأسهم الجعبري، قتلى، مُحفزًّا إضافيًّا لقائد كتائب عز الدين القسام، محمد الضيف، واسمه الحقيقي محمد دياب المصري – وهو الشخص الذي تفرض الحركة سياجًا من السرية حوله، ويعيش في عزلة وسرية تامة، ولا يستخدم أيًّا من وسائل التكنولوجيا الحديثة- لإعادة عملية البناء التي جعلت من الجناح العسكري أشبه بالجيش.

الضيف، وهو اسم حركي، والمعروف بسرعة بديهة غير عادية وذكاء بالغ، من مواليد عام 1965، في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة، وذاع صيته لتنقلاته المستمرة. ولا تتوفر صور للرجل الذي تعرض لخمس محاولات اغتيال نجا منها، فيما لقت زوجته وداد (27 عامًا) وطفله علي الذي يبلغ من العمر سبعة أشهر مصرعهما في غارة جوية إسرائيلية عام 2014، سوى صورة التقطت قبل 20 عامًا يظهر فيها عابس الوجه، حليق اللحية، مرتديًا بنطالًا وقميصًا.

وحمل الضيف شهادة بكالوريوس في علم الأحياء من الجامعة الإسلامية في غزة، وتبنى فكر «حماس» في بداية الثمانينيات، وتعرض للاعتقال من جانب إسرائيل والسلطة الفلسطينية عدة مرات، كان أبرزها في مايو عام 2000؛ لكنه تمكن من الفرار مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

بحسب مسؤول كبير داخل حركة «حماس»، تحدث لموقع «فرانس 24»، فإنه «بعد استشهاد الجعبري الذي كان نائب الضيف وقائدًا تنفيذيًّا يشرف على العمل العسكري، تم الإعداد لترتيبات جديدة في تشكيلات القسام، أعدها الضيف، ولكنها سرية جدًّا».

مضت الحركة في خطتها الرامية لتطوير شامل، بإشراف وتخطيط من الضيف، الذي وجد دعمًا من قادتها العسكريين على رأسهم محمد السنوار، القيادي في «كتائب عز الدين القسام».

وكان نتائج هذه التطوير واضحة في حرب 2014، بعدما ظهرت قدرات وآثار هذه الخطط الجديدة، والتي «برزت في اقتحام بعض المواقع، والإجهاز من نقطة صفر على جنود النخبة، والتسلل خلف خطوط العدو، وأسْر جنوده، وحرب الأنفاق الشرسة، مما منحهم امتيازًا غير مسبوق، وصورة غير معهودة»، وفقًا للباحث الفلسطيني، وأستاذ العلوم السياسية بـ«جامعة الأمة» في غزة عدنان أبو عامر.

غير أن انتخاب يحيي السنوار، القيادي العسكري والأسير المحرر، رئيسًا للمكتب السياسي داخل قطاع غزة، في أوائل العام 2017، ومعه في عضوية المكتب ورئيس أركان كتائب القسام مروان عيسى، مع أغلبية من الأعضاء المدنيين الموالين لكتائب القسام، والمحسوبين على جناح الصقور المتشددين، مثل محمود الزهار، وروحي مشتهى، وفتحي حماد؛ سرع من وتيرة العمل نحو هذه الهيكلة، وإعادة البناء العسكري لكافة وحدات الحركة.

كان انتخاب السنوار، وهو القائد العسكري، دافعًا نحو مزيد من التوسع في بنية الحركة عسكريًّا، فضلًا عن دوره في إعادة علاقات الحركة مع إيران وسوريا، اللذين شكلا دورًا رئيسيًّا في دعم الحركة بالمال والسلاح؛ كما أقر السنوار في مقابلة له مع عدد من الصحافيين بأن: «إيران هي الدّاعم الأكبر لكتائب عز الدين القسام (الجَناح العَسكري) بالمال والسّلاح»، مُعربًا عن أمله في «أن تتفكّك الأزمة السورية، وأن يَفتح هذا التفكّك الأُفق لترميم العلاقات معها، مع الأخذ في الاعتبار التوقيتات المُلائمة».

أدت هذه العوامل مجتمعة لإعادة بناء الحركة من جديد وفقًا لخطة مرسومة لها، والتي ظهرت نتائجها في صد الحركة للمُناوشات الدائرة بينها وبين إسرائيل، وهو ما تأكد عبر التصريح الرسمي الصادر عن السنوار، في الشهر الماضي، وذلك في كلمة له بمدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، قائلاً: «إن كل الفصائل والأجنحة العسكرية طورت عملها وراكمت قوتها من أجل التحرير والعودة، كاشفًا عن لقاءات عُقدت على مستوى عال جمع حركتي (حماس) و(الجهاد الإسلامي)، وبحضور قيادة (كتائب القسام)، و(سرايا القدس)».

«يعاملوننا كالكلاب».. كيف «تبيع» إسرائيل عملاءها بعد انتهاء أدوارهم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد