تعيش حركة «حماس» الفلسطينية أزمةً ماليةً حادةً، لم تتعرض لها على مدار السنوات السابقة، على خلفية تبدل بوصلة تحالفاتها السياسية، والتغييرات التي وقعت لعددٍ من دول الربيع العربي، المرتبطة بحركة تبادل تجاري معها.

وظهرت تجليات هذه الأزمة المالية، خلال الشهور الأخيرة، على حياة المواطن الفلسطيني، حيث تضاعف حجم الضرائب المفروضة عليه ثلاث مرات، كما ارتفعت أسعار السلع بالأسواق الأساسية، وتأخر سداد رواتب أكثر من 40 ألف موظف، في الجهاز الحكومي بقطاع غزة.

إيران خفضت الدعم المالي لحليفتها بعد الأزمة السورية

ارتبط تأسيس حركة حماس الفلسطينية، في نهاية الثمانينيات، بتحالف إستراتيجي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحالف شهد قفزات في العلاقة الثنائية، بزيارة تاريخية لزعيم ومؤسس حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين، لإيران، بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال، في زيارة اعتبرها المحللون ممهدة لافتتاح مكتب للحركة في طهران، وتعيين القيادي بالحركة، عماد العلمي، ممثلًا لحماس في إيران.

قطاع غزة

من اليمين: مدير المكتب السياسي لحماس: خالد مشعل، والرئيس الإيراني السابق: أحمدي نجاد


تزامنت هذه العلاقة الوثيقة، مع دعم مالي من إيران للحركة، قدره دبلوماسيون إيرانيون بـ250 مليون دولار سنويًّا، إلى جانب الدعم المسلح، المقدم للجناح العسكري بالحركة، كتائب عز الدين القسام، دعم شمل صواريخ نوعية مضادة للدبابات، معروفة باسم الكورنيت، بجانب احتضان الأراضي الإيرانية والسورية لتدريبات عسكرية خاصة، لعناصر من المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها كتائب القسام.

وتعاظم حجم الدعم المالي، بعد فوز حركة حماس فى الانتخابات التشريعية، عام 2006، حيث بلغ حجم الدعم المالي للحركة ما بين 13 و15 مليون جنيه إسترليني شهريًّا.

ولم تكتب وقائع الثورة السورية الاستمرار لهذا التحالف، حيث كان التباين في المواقف، بين إيران الداعمة لنظام الرئيس السوري، بشار الأسد، دعمًا مفتوحًا، وحماس التي تجنبت الانخراط عسكريًّا في الحرب، لصالح نظام الأسد، ما أدى لخفض موارد الحركة المالية التي تأتي إليها من إيران، بجانب تعرض مكتب الحركة، بالعاصمة الإيرانية طهران، لشلل كامل، حيث لم يعد يوجد بالمكتب «مُمثل دائم»، بجانب تراجع دوره في الفترة الأخيرة.

الأنفاق تتسبب في خسارة حماس لعشرات الملايين

بحسب بعض المصادر، فإن حركة حماس استخدمت الأنفاق كمصدر حيوي، لعبور بعض الواردات إلى غزة، وكذلك تحصيل ضريبة المواد المهربة، وهي الضرائب والجمارك المفروضة من حكومة الحركة، على البضائع الواردة عبر الأنفاق، ما جعلها تُشكل مصدرًا مهمًّا لميزانيتها، وتغطية مصاريفها الجارية، وتسديد رواتب موظفيها على مدار السنوات السابقة.

قطاع غزة

أحد الأنفاق الفلسطينية


وكان قرار إغلاق الأنفاق، منذ عامين، قد ضاعف من أزمة حماس الاقتصادية، لعدم أحقيتها في فرض ضرائب، على معظم البضائع المستوردة، عبر المعابر الرسمية، كون جماركها تذهب إلى السلطة الفلسطينية في رام الله.

ويُقدر حجم استثمارات حماس، في الأنفاق الممتدة بين قطاع غزة ومصر، بنحو 140 مليون دولار سنويًّا، حيث يبلغ عدد العاملين فيها 7000 فلسطيني، بينما تبلغ تكلفة النفق الواحد 100 ألف دولار، لما مجموعه حوالي 1200 نفق.

وتزامن تعاظم أهمية هذه الأنفاق اقتصاديًّا، وتنوع استخدامها في عملية التبادل التجاري، مع إعلان الجيش المصري إغلاقها بشكل كامل، حيث لجأت القوات المسلحة المصرية لإغلاقها، بإغراق الأنفاق التي تربط بين سيناء وغزة بـ«مياه المجاري»، بدعوى «منع تدفق السلاح والمسلحين إلى الجانب المصري».

وحسب دراسة صادرة عن وزارة الاقتصاد في حكومة غزة، فحجم خسائر القطاع الاقتصادي، التي تعرض لها نتيجة إغلاق الأنفاق، بلغ 230 مليون دولار، منذ أحداث الثالث من يوليو (تموز) لعام 2013 في مصر، وحتى الآن. كما تراجعت قدرة الإنتاج في القطاعات الزراعية، والصناعية، تبعًا لما ترتب على إغراق الأنفاق، من شل حركة البضائع والواردات، المشكلة لأكثر من 50% من احتياجات قطاع غزة.

وأوضحت الدراسة فَقد القطاع لأكثر من 170 ألف فرصة عمل، لمدة شهر في كافة القطاعات الحكومية والخاصة، نتيجة أن أكثر من 80% من الأنفاق دُمرت، ما أدى إلى هذا العدد الضخم، نتيجة لعدم توفر الوقود، أو المواد اللازمة لتشغيل المنشآت الصناعية.

وتُشكل إيرادات الضرائب، المفروضة على البضائع الواردة عبر الأنفاق، المصدر الرئيسي لحكومة غزة، لدفع رواتب الموظفين، ومصروفاتهم الشهرية، حيث يُشكل هذا المصدر حوالي 40% من مجموع إيرادات حكومة غزّة.

تعثرات حماس المالية تلقي بظلالها على المواطن الفلسطيني

ألقت الضائقة المالية، التي تعيشها حركة حماس الفلسطينية، على خلفية الأزمات المالية المذكورة سلفًا، بظلالها على المواطن الفلسطيني، في أنماط حياته المعيشية.

أول مظاهر تجليات هذه الأزمة المالية، اتجاه حماس لزيادة الضرائب، منذ نحو ثلاثة أشهر، بارتفاع وصل إلى ثلاثة أضعاف النسبة السابقة، أمر أدى لرفع أسعار نحو 400 سلعة مستوردة، بنسبة 20%. ومن بين السلع الأكثر تأثرًا بزيادة الضرائب «السجائر»، التي زاد سعرها بنسبة 35%، منذ مارس (آذار) الماضي، وكذلك السيارات بنحو 25%، كما فرضت حماس رسوم ترخيص سنوية، بنحو 1000 دولار، على المقاهي والمطاعم والفنادق، كما تتجه في الفترة المقبلة لفرض ضرائب أخرى، على السلع غير الأساسية فقط، مثل الملابس والفواكه والأجهزة الكهربائية.

وتقدر قيمة الضرائب التي تجمعها حكومة القطاع، المسؤولة عن إدارة غزة، بنحو 15 مليون دولار شهريًّا، بينما يسدد المواطن الفلسطيني الضرائب المفروضة، على المنتجات المستوردة، لثلاث جهات: إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحماس.

وتنتقل قيمة هذه الضرائب لإسرائيل بشكل غير مُباشر، حيث تتولي إسرائيل جمع هذه الضرائب، المفروضة على الواردات، نيابة عن السلطة الفلسطينية، سواء كانت هذه الواردات إلى قطاع غزة أو الضفة الغربية، ثم تأتي الخطوة الثانية، في خصم إسرائيل الرسوم الإدارية من هذه الضرائب، قبل أن ترسل المتبقي منها للسلطة الفلسطينية.

ويذهب الجزء الرئيس من موارد حركة حماس، لتسديد رواتب الموظفين بأجهزتها الحكومية، البالغ عددهم 40 ألف موظف مدني، انعكست الأزمة الاقتصادية في عدم تسلمهم رواتبهم، بشكل كامل ومنتظم، منذ أكثر من عامين.

هل ستكون «السعودية» منقذًا ماليًّا لحماس؟

ظهرت تجليات الأزمة المالية، التي تعيشها حركة حماس، بعد فقدانها أكثر من حليف سياسي ومالي، وفقدانها لأكثر من مصدر دخل لها، خلال الفترة الماضية، الأمر الذي مثّل دافعًا للحركة، لإعادة ضبط بوصلة تحالفاتها السياسية، من خلال نسج علاقات مع المملكة العربية السعودية، في محاولة من الحركة لتعويض غياب إيران، الداعم المالي الأكبر لها في المنطقة سابقًا.

قطاع غزة

خالد مشعل في زيارة للسعودية


بدأت الحركة في نسج خيوط هذا التحالف، بتنظيم زيارات ثنائية للمملكة، واستثمار تقارب المواقف بين الجانبين، خصوصًا في الأزمة السورية، والأزمة اليمنية، ورغبة المملكة في الظهور في صورة «مناصر القضية الفلسطينية الأول» في المنطقة، عبر احتضان حركة حماس، واستثمار شعبيتها عربيًّا، ما جعل فرصة تأسيس تحالف مُشترك بينهما تزداد، في الفترة المقبلة.

وكانت المملكة العربية السعودية قد مولت غالبية عمليات حماس، بين عامي 2000 و2004، حيث بلغت قيمة هذا الدعم المالي 12 مليون دولار، من موازنة حماس السنوية، قبل أن يتراجع هذا الدعم المالي، بحلول 2004، بعد تقارب حماس مع إيران، والضغوط الأمريكية على المملكة لوقف هذا التمويل.

المصادر

تحميل المزيد