563

فيما كانت السيارات التابعة للمخابرات العامة تتجه صوب معبر رفح في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، كان وفد «حماس»  يستعد لخوض أهم وأنجح مفاوضاته في القاهرة؛ فإسماعيل هنية الذي تزامن صعوده لرئاسة المكتب السياسي للحركة مع انفراجة كبيرة في العلاقات مع الجهاز السيادي، استطاع أن يُقدم تنازلات حصد منها مكاسب أخرى.

والزيارة التي استمرت ثمانية أيام وقتها كان أبرز نتائجها: تخفيف الحصار عن قطاع غزة. وحلّ اللجنة الإدارية تمهيدًا لإتمام المصالحة الفلسطينية، في ظلّ صفقة جانبية برعاية القاهرة تصدَّرها محمد دحلان، القيادي المفصول من حركة «فتح»، بشأن تشكيل حكومة وفاق في حال فشلت المفاوضات مع عباس، وبعد أقل من شهر، كان مدير المخابرات المصري في القطاع يُضيف نجاحًا آخرًا للزيارة، وبُعدًا واضحًا للعلاقات التي شهدت تنسيقًا أمنيًا متبادلًا.

لكنّ الأوضاع سُرعان ما تغيرت؛ فالوفد الذي يمكث منذ 9 فبراير (شباط) الجاري، أوشك على دخول أسبوعه الثالث في ظل توقيتٍ سيئ للزيارة؛ فقيادات الجهاز السيادي القديمة توارت بصعود تيار «الصقور» المُعادي تاريخيًا للحركة، كما أنّ تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة يُمثّل حاليًا ضغطًا كبيرًا على خيارات المقاومة، إضافة إلى القصف الإسرائيلي المتواصل تزامنًا مع العملية الشاملة للجيش التي أعطت سببًا أخلاقيًا للقاهرة لغلق المعبر.

اقرأ أيضًا: شهر العسل بين النظام المصري وحركة حماس.. المخابرات المصرية كلمة السر!

القاهرة.. وسيط «غير نزيه» يمارس ضُغوطًا

بعد يومين فقط من الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، أُقيل مدير المخابرات العامة محمد رأفت شحاتة، أحد أهم كوادر الجهاز التي كانت تُمثل امتدادًا لإرثٍ ثقيل من المبادئ التي أرساها اللواء عمر سليمان في التعامل مع قضايا الشأن الفلسطيني، وكان البديل هو أبرز تيار «الصقور» محمد فريد التهامي، والذي يُطلق عليه «مُعلِّم السيسي»، مدير المخابرات الحربية السابق الذي عُيّن خصيصًا لتطهير المخابرات من الولاءات القديمة، وتشكيل ولاءاتها الجديدة، فأقال 113 من الصفوف الأولى، إضافة إلى مهتمه الثانية باعتباره فعليًا مهندس قطع العلاقات مع حركة حماس، وكان يصفها بأنّها «كانت الطفل المدلل لنظام الإخوان»، لذا واجهت حماس في عهده اتهامات بالضلوع في العمليات الإرهابية بسيناء.

(صورة متداولة لقيادة حركة حماس خلال وجودهم في القاهرة)

بقاء التهامي في منصبه لم يدم طويلًا؛ فسرعان ما أقاله السيسي بعد عامٍ واحدٍ؛ بدعوى تدهور حالته الصحية، لكنّ جريدة «الشروق» نقلت عن مصادر داخل الجهاز، أنّ قرار الإقالة جاء كأحد الضرورات لإعادة التوازن بتعيين مدير جديد من داخل الجهاز  يُعيد ملف المصالحة مع حماس على الطاولة، فجاء اللواء خالد فوزي الذي التحق بالمخابرات العامة، وهو برتبة نقيب، وبالرغم من أنّه قطع شوطًا كبيرًا في استعادة نفوذ القاهرة في الداخل الفلسطيني، إلا أنّ الإطاحة به أدت إلى تصدر تيار «الصقور» مجددًا بعدما أصبح اللواء عباس كامل القائم بأعمال الجهاز، وكان مديرًا سابقًا للحربية، لذا  فوفد حماس حاليًا في ضيافة أعداءه القدامى.

اقرأ أيضًا: الخطة مستمرة.. هكذا نجح السيسي في إخضاع أجهزة الدولة المتضاربة

الوفد الأول الذي زار القاهرة ضم كبار قادة المكتب السياسي  (إسماعيل هنية، وخليل الحية، وروحي مشتهى، وفتحي حماد)، بهدف بحث التخفيف عن الأزمة العالقة في قطاع غزة، إضافة إلى بحث إتمام ملف المصالحة الفلسطينية، وبحسب ما نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، فإنّ الوفد ضم قيادات من الجناح العسكري، لبحث عملية الأسرى المُحتجزين.

المثير أنّ مصر قبل تلك الزيارة أغلقت معبر رفح لنحو 38 يومًا، وفي الوقت الذي وافقت فيه إسرائيل على نقل الوقود ومعدات البناء داخل القطاع تجنبًا للأزمة الإنسانية التي قد تقود إلى حربِ حتميَّة، كانت مصر ترفض دخول شاحنات السولار لتزويد مولدات محطة توليد الطاقة الوحيدة في القطاع، بدعوى عمليات الجيش في سيناء، ما بدا أنه نوع من ممارسة الضغط الممنهج على الحركة، قبل أن تُعاود فتحه ثلاثة أيام قبل الزيارة.

الضغوطات أيضًا شملت – بحسب تسريبات – منع هنية من السفر في جولة خارجية، إضافة للتحكُّم في اختيار الأسماء التي ستتفاوض مع الجهاز السيادي، وكان ضمن الممنوعين من الحضور  موسى أبو مرزوق، نائب إسماعيل هنية، لكن يبدو أنّ الوفد بعد احتدام المفاوضات أصرّ على استدعاء شخصيات بعينها، لذا وصل الوفد الثاني في 18 فبراير (شباط)، وضم شخصيات أبرزهم (أبو مرزوق وعزت الرشق ومحمد نصر)، وهم أعضاء المكتب السياسي.

عقب وصول الوفد الثاني، أعلنت مصر فتح المعبر لأربعة أيام، ما تُرجم على أنه تقدم ملحوظ في المفاوضات، لكنّ اليوم الأول لم يكد يمرّ حتى وجّهت حماس في بيان رسمي شكرًا للحكومة المصرية التي قررت إغلاق المعبر  في نفس اليوم لأسباب غير معروفة، تزامنًا مع تغريدة مثيرة للمرزوقي، الوجه غير المُفضَّل للقاهرة، جاء فيها: «أي مشروع يرفضه شعب فلسطين لن يمر»، ومن الأرجح أنّ الحركة علمت الخبر من وسائل الإعلام، أو قبل إغلاق المعبر بوقتٍ قصير، نظرًا لضيق التوقيت بين البيان والقرار.

صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية علقت على الزيارة التي وصفتها بالأصعب؛ نتيجة أنها تتناول كافة حقول الألغام المؤجلة منذ توقيع اتفاق المصالحة، ويبدو أنه حتى الآن لم يتم التوصل لصياغة أخيرة لأبرز نقاط الخلاف، وبالرغم من أنّ حماس تتفق مع القاهرة في ضرورة إتمام المصالحة، وإنهاء الوضع الكارثي لغزة، إلا أنّ نقاط الاختلاف هي ذاتها من وجه آخر نقاط اتفاق تجمع مصر وإسرائيل والحكومة الفلسطينية ضد حماس، وأبرزها سلاح الحركة، لذا بدا منطقيًا أنّ  الزيارة ستطول.

 وقبل يومين، وصل القاهرة وفد ثالث يُمثل الورقة الأخيرة لآخر ما يُمكن استدعاؤه من شخصيات قوية، مثل الشيخ صالح العاروري، الرجل الثاني في الحركة، وأحد مؤسسي الجناح العسكري، وزاهر جبارين عضو المكتب السياسى، وأعضاء المكتب السياسي للحركة في الخارج.

اقرأ أيضًا: المخابرات المصرية.. أذرع السيسي الناجحة في 5 دول عربية

عبّاس ودحلان.. سيناريوهات الاختيار ما بين عدوٍّ وآخر

المكاسب الوحيدة التي حصدتها حماس حتى الآن من المفاوضات، تمثلت في التسريبات التي تحدثت عن وجود أعضاء من الجناح العسكري في الزيارة التي جاءت مفاجئة لحماس بعد ثلاثة أيام فقط من عودة السيسي من الإمارات، كما أن منع هنية من السفر، ويبدو أنّ الحركة عمدت إلى تجاهله وتمريره، دون نفي ذلك أو تأكيده عبر القنوات الرسمية.

هناك أيضًا صورة تسربت من الداخل أظهرت اجتماعًا لقادة حماس مع سمير المشهراوي الرجل الثاني في تيار  محمد دحلان، القيادي المفصول من حركة فتح، والصورة لها دلالة واضحة أظهرت الخطة البديلة التي تُناقش حاليًا للوصول إلى تسوية في حال فشلت المصالحة.

(الصورة المُسربة من لقاء وفد حماس مع سمير المشهراوي مُمثل دحلان في القاهرة) المصدر: الجزيرة

وبحسب جريدة «الأخبار» اللبنانية نقلًا عن مصادر داخل الوفد، فإنّ القاهرة عرضت على الوفد خيارات إتمام المصالحة، متمثلة في الموافقة على طلبات السلطة  الفلسطينية من أجل الانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية مع تعديلات طفيفة على ميثاقها، ثم بحث «تشريع سلاح» للاتفاق حول مصير 25 ألف مُقاتل يُمثلون الجناح العسكري لكتائب القسام.

وفي مقابل ذلك تتعهد مصر برفع الأزمة الإنسانية وإلغاء العقوبات المفروضة في القطاع من خلال فتح معبر رفح، وإعادة صرف رواتب الموظفين، إضافة للاتفاق على موعد الانتخابات القادمة، والسماح لوجود حركة تجارية ضخمة تنتشل القطاع من أزماته من جهة، ومن جهة أخرى  سوف تستفيد الحركة من الواردات، اللافت للنظر أنه عقب وصول الوفد الثالث بيوم سمحت القاهرة بدخول 40 شاحنة عبر معبر رفح مُحمّلة بالوقود المصري والبضائع.

ورغم أنّ مسألة نزع سلاح الحركة تُعتبر أهم الإشكالات التي تُرجح فشل المفاوضات؛ لأنها تتطلب تنازلًا كبيرًا من أحد الأطراف، خاصة أنّ حماس سبق أنّ أعلنت موقفها الذي لن تتنازل عنه بشأن كون «سلاح المقاومة خارج كل المعادلات، وأنها لن تقبل أن يُطرح على طاولة المفاوضات»، إلا أنّها لم تشأ أن تتحمل وحدها نتيجة فشل المصالحة، فعادت وناورت من جديد على لسان هنية الذي أعلن أنّ حركته مستعدة لوضع استراتيجية مع حركة فتح والفصائل الفلسطينية لإدارة سلاح المقاومة، وهو التفاف على مطلب عباس لصالح حماس.

السيناريو الثاني خططت له القاهرة مُسبقًا، رغم أنه ليس مُفضلًا لديها؛ ففي حال فشلت الضغوط المصرية لإتمام المصالحة، فإن القاهرة – وبحسب التسريبات – تتكفل بوضع خارطة طريق جديدة، ملامحها: تشكيل حكومة وفاق وطني منفصلة بالقطاع، يشارك فيها تيار القيادي المفصول محمد دحلان بالمشاركة مع كافة الفصائل بما فيها حماس، على أن تحظى بغطاء سياسي أمريكي وعربي تتكفله مصر، وتمويل خليجي إماراتي يتكفله دحلان، بقيمة 150 مليون دولار، بحسب مصادر أخرى، مع استمرار احتفاظ الحركة بسلاحها، والسماح لها بالانخراط في الجهاز الحكومي والإداري في القطاع.

ورغم أنّ الحركة نجحت حتى الآن في القبول بالمصالحة الفلسطينية، والتقارب مع دحلان دون انقسامات داخلية، إلا أنّ التحدي الحقيقي لها يتمثل في القبول بأحد الخيارين الذي يتبعه تفاهمات طويلة الأجل مع أحد أعدائها (عباس أو دحلان) في ظل رعاية مصرية دائمة، وتبدو المعادلة مستيحلة، لعدة أسباب أبرزها أنّ الرئيس محمود عباس يرفض المصالحة الفلسطينية؛ لأنه لا يرغب في حماس، ولا في سلاحها، كما أنّ دحلان يرى في الحركة – التي نكّل بقيادتها بالأمس –  فرصة ذهبية لعودته للسلطة، كما أنّ القاهرة في ظل النظام الحالي لا يُمكن أن تخاطر بمغادرة دور الوسيط بتفعيل سيناريو دحلان، والصدام مع السلطة الفلسطينية، بالرغم  من أنّ «حماس ليس طفلها المُدلل».

اقرأ أيضًا: «اللُعبة الأكثر ذكاءً».. السياسة لا صديق دائم ولا عدو!

ما بعد نجاح المفاوضات: زيارة مصرية للقطاع للضغط على «أبي مازن»

ويبدو أنّ الوفد قد وصَّل إلى اتفاقات مع الجانب المصري بشأن كل الملفات العالقة مساء أمس بعد 15 يومًا من المفاوضات، فبحسب البيان الذي نشرته الحركة عبر موقعها الرسمي، فإنّ القطاع سيستقبل اليوم وفدًا أمنيًا مصريًا لمتابعة تنفيذ اتفاق المصالحة، الإذاعة الإسرائيلية – التي ترفض المصالحة – كانت قد أذاعت أمس أنّ اجتماعات القاهرة استطاعت الوصول إلى تفاهمات لتخفيف حصار غزة.

ومن المتوقع خلال زيارة الوفد الأمني للقطاع اليوم، أن تُمارس المخابرات المصرية الجزء الآخر من خطة الضغط المتمثل في إقناع السُلطة الفلسطينية متمثلة في حركة فتح بتأجيل ملف سلاح المقاومة مؤقتًا، والشروع في إتمام المصالحة وإنهاء الانقسام، وما يتبعه من مفاوضات إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، نهاية بدخول حماس منظمة التحرير وما يتبعها من اتفاق حول حلّ تسوية القضية الفلسطينية مع إسرائيل، خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي الأخير بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس في مايو (أيار) القادم.

وبعد إعلان الحركة – عبر بيانها – أنها ستقدم التسهيلات المطلوبة بنجاح مهمة الوفد المصري، في إشارة فُهمت على أنها تنازل عن كل مطالبها التصعيدية ضد الحكومة بما فيها المطالبة بإقالة رئيس الوزراء الحمد لله، يبقى عباس مُطالبًا بالاختيار بين إتمام اتفاق المُصالحة، واستعادة سيطرته على قطاع غزة بعد سيطرة الحركة عليه لـ 11 عامًا، وإما إجبار القاهرة على قبول سيناريو دحلان، بعد شنّ حملة عربية ضده.

وبالرغم من أنّ إسرائيل ترفض المصالحة؛ لأنها تعطي لحماس شرعية في ظل علاقاتها مع قطر وإيران، إلا أنها تفضِّل دحلان رئيسًا السلطة الفلسطينة بدلًا عن عباس، لذا فالخيارات الرئيس الفلسطيني تبدو محدودة للغاية في ظل تدهور علاقاته مع القاهرة، خاصة أنه في زيارته الأخيرة لمصر في يوليو (تموز) الماضي استقبله وزير الكهرباء، في مشهد عكس حجم التوترات.

اقرأ أيضًا: مستقبل سلاح المقاومة.. هل ينجح «عباس» في تقليم أظافر حماس؟

سيناريوهات فشل المفاوضات

أحد أكبر الأخطاء التي لا تريد الحركة تكرارها، هو الانفراد بحكم غزة، لأنّ تجربتها الأخيرة في الحُكم، كانت قاسية، وهو ما دفعها في النهاية للجلوس على طاولة المفاوضات، رغم أنها أثبتت لإسرائيل أنها شوكة تستعصى على الكسر، لذا ففي حال لم يرضخ عباس للجانب المصري، فلن يكون أمام القاهرة حلّ سوى التلويح بورقة دحلان.

بالنسبة لمصر، فستكون المكاسب في ظلّ نظام دحلان، هو استمرار التنسيق الأمني بشأن الوضع في سيناء، في ظل اعتراف قديم لدحلان بأنه يمتلك جنودًا في سيناء يقدمون معلومات للجيش المصري، كما أن الحليف الإماراتي سيمثّل صداقة استثنائية في حال اقتنصَ دحلان كل مناصب عباس، واستعاد قيادته على حركة فتح المفصول منها، وعلى جانب آخر فإنّ الوجه الآخر للسيناريو أن تفقد القاهرة دور الوسيط في حال استمر عباس في السلطة، وهو أحد أسباب تمسُّك القاهرة بالمصالحة.

أمَّا دحلان، الرابح الأكبر من الصفقة، فسيعود بتياره داخل قطاع غزة بدعم مصري وبمباركة إسرائيلية، من أجل إعادة بناء تنظيمه وترتيب أوراقه لمواجهة أبي مازن، تمهيدًا لإزاحته من المشهد، وهو الحُلم القديم الذي جمعه بأعدائه القُدامى: حماس، وليس هناك ضامن أن تستمر التفاهمات مع الحركة، لذا سيبدو مصير الحركة مجهولًا، كما أنّ فشل المفاوضات قد يعرضها لانقسام داخلي، وربما يقودها مرة أخرى إلى الاقتتال الفلسطيني بين حركة فتح وحماس عام 2007.

اقرأ أيضًا: محمد دحلان.. ذراع الإمارات الإقليمي الذي اغتال خصومه وراوغ حلفاءه