دون مُقدمات، أو محاولة لتفسير هذا التحول في تغطيتها الإعلامية، كفت وسائل الإعلام المصرية حملاتها التي اعتادتها تجاه حركة «حماس»، باعتبارها حركة «إرهابية»، مسئولة عن أغلب العمليات الإرهابية في سيناء، وضياع الحق الفلسطيني؛ وبدأت حملات امتداح لأدوار الحركة في التنسيق مع مصر، واستضافة أبرز قادتها في مقار الصحف المصرية، وسط احتفاء كبير بذلك.

يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن أبرز هذه التحولات، والدوافع الرئيسة وراءها، ومن كان أبرز الرموز الإعلامية في الحملات الهجومية على الحركة، قبل أن ينتقلوا لمواقع الامتداح، واستضافة قادتها.

«متهمة باقتحام السجون وقتل الجنود»

عقب عزل الرئيس محمد مرسي، مُمثل الإخوان المسلمين، وصعود وزير الدفاع، آنذاك، عبد الفتاح السيسي لمنصب رئيس الجمهورية، أطلقت وسائل الإعلام المصرية حملات إعلامية تتهم حركة «حماس» بتنفيذ عمليات «إرهابية»، وتصفها بالوقوف وراء كُل عمل عنف وقع داخل البلاد، وسط تأكيد رسمي من جانب السلطات المصرية لهذا التصريحات.

أحد أبرز نجوم الإعلام المصري، الذي تحول لرأس الحربة في الهجوم على الحركة، هو مصطفي بكري، الذي كان لا يلبث مع وقوع كُل هجمة «إرهابية»، حتي يُسارع في اتهام الحركة بأنها المُنفذ الرئيس لها، كما حدث عقب وقوع حادث بشمال سيناء في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014، والذي راح ضحيته 33 مجندًا؛ ليظهر بكري مُتهمًا قادة حماس بالوقوف وراء تنفيذ عمليات قتل جنود مصريين في سيناء، مؤكدًا أن مصر ستلاحق قادة الحركة قضائيًا، وتُلزمهم بالبقاء في منازلهم، ومُطالبًا الحركة بتسليم قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية إذا كانت تنفي عن نفسها الاشتراك في «تدبير هذه الأحداث الإرهابية».

عزز من هذه التهم صدور حُكم قضائي في مارس(آذار) 2014 يحظر أنشطة حركة «حماس» في مصر ويقضي بالتحفظ على جميع مقراتها، تبعها حكمًا آخر من جانب محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في 28 فبراير (شباط) عام 2015، صنف فيه الحركة بأنها «منظمة إرهابية»، وأشارت في حيثيات حكمها أن الحركة تهدف إلى «النيل من أمن مصر واستقرارها»، قبل أن تلغي محكمة الأمور المستعجلة حكم اعتبار حماس منظمة إرهابية.

وجه إعلامي آخر لم يقل شراسة في توزيع التهم على الحركة، هو أحمد موسى، الذي اقتطع من برنامجه التلفزيوني اليومي وقتًا للهجوم على الحركة بين فترة وأخرى، كما فعل في حلقة تلفزيونية تم إذاعتها في مارس عام 2015، والذي أشار فيها إلى أن الحركة «تستخدم وحدات الضفادع البشرية لدعم العمليات الإرهابية في سيناء».

لم تقف مضامين الحملات عن اتهامات للحركة بالتورط في تنفيذ «أعمال إرهابية»، بل امتدت إلى انتقاد سياسات الحركة في الداخل الفلسطيني، والزعم بأنها السبب الرئيس وراء غياب التوافق والتراجع الكبير الذي تشهده غزة.

«خالد مشعل سفير النوايا السيئة لحركة حماس.. باع دماء شهداء فلسطين بحفنة من الدولارات، ويستعد لبيع القضية لإسرائيل مقابل حكم غزة.. الحركة السبب الرئيس فى غياب التوافق في البيت الفلسطيني».. كان هذا عنوانًا لأحد التقارير التي نشرتها صحيفة «اليوم السابع»المصرية، ضمن حملة «شيطنة» الحركة وقادتها، والتي ذكرت فيه أن قادة الحركة يهدرون أموال المُساعدات الخارجية في تعليم أبنائهم بالخارج، كما أن إسرائيل هي من ضمنت لهم البقاء في الحُكم.

يمتد الخط على استقامته في حملات الإعلام المصري؛ لتقرأ تقريرًا يحمل عنوانًا «عقب تصفية القيادى أيمن طه.. حماس تتخلص من أبنائها بالاغتيال والتحقيق والضرب المبرح» في صحيفة «اليوم السابع»، يستند فيها إلى حديث مصدر فلسطيني مُطلع، دون أن يُسميه أو يرمز لجهة عمله، والذي ينقل عنه أن «حماس قد بدأت في التخلص من الحرس القديم للحركة من خلال تصفيتهم جسديًا، أو مثولهم للتحقيق بواسطة قيادات بكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري للحركة بعد تورطهم في نقل معلومات إلى أجهزة استخبارات أجنبية ونقل معلومات سرية عن أماكن قادة المقاومة ومخازن الأسلحة».

صحيفة «الأهرام» المصرية هي الأخرى لعبت دورًا أساسيًا في حملة التحريض على الحركة الفلسطينية؛ لتنشر عدة تقارير تتباين مضامينها حول مسئولية الحركة في تنفيذ عشرات العمليات الإرهابية في سيناء، وتدريب العناصر المُسلحة، وأدوارها في إمداد عناصر إرهابية داخل مصر بالسلاح.

واحد من هذه التقارير جاء تحت عنوان «بعد تهديدها بتنفيذ عمليات عسكرية في سيناء ضد الجيش المصري.. عسكريون‏:‏ حركة حماس أصيبت بهيستيريا بعد انهيار الإخوان»، والذي ذكرت فيه أن الحركة الفلسطينية هددت أنها «ستتدخل في سيناء لتنفيذ عمليات عسكرية ضد الجيش المصري» ردًا على فض اعتصامي رابعة والنهضة؛ وهي المعلومات التي لم يسندها كاتب التقرير لأي قيادي داخل الحركة.

«هنية» في «المصري اليوم» بترحيب رسمي

في منتصف الشهر الجاري وعلى صفحتين كاملتين ظهر إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسى لحركة «حماس»، ومعه عضو المكتب السياسي للحركة خليل الحية، مُجالسًا صحافيي جريدة «المصري اليوم»، داخل المقر الرئيس للصحيفة بوسط العاصمة المصرية في ندوة نقاشية استمرت أكثر من ساعة، تبعها إهداء هنية درع المؤسسة من عبد اللطيف المناوى، رئيس تحرير الصحيفة، وعبد المنعم سعيد، رئيس مجلس الإدارة؛ اللذان كانا يجلسان عن يمين الرجل ويساره.

أثارت استضافة هنية ووفد الحركة داخل مقر كُبرى الصحف المصرية تساؤلات متبوعة بانطباعات الذهول من جانب القارئ العربي، والمصري خصوصًا، تدور مُجملها حول كيف لوسائل الإعلام المصرية التي لطالما بثت أخبارًا تتهم الحركة بمُمارسة «الإرهاب»، أن تستضيف رئيسها في ندوة صحافية، تنتهي بإهدائه درع الجريدة، دون اعتراض من السلطات التي لطالما عُرفت بالتدخلات الحادة تجاه أي ممارسات غير مرغوبة من جانب وسائل الإعلام.

وفقًا لصحافي يعمل بصحيفة «المصري اليوم»، حضر اللقاء الذي جمع هنية مع قادة الحركة، فإن محرري الجريدة لم يكونوا على علم بحضور رئيس الحركة وقادتها لمقر الصحيفة، وأنهم تفاجأوا بوصوله وسط حراسة أمنية مُشددة، بينما بقيت سيارات مضادة للرصاص وأخرى مشوشة أسفل مقر الصحيفة انتظارًا له، مؤكدًا أن ما تردد بعد ذلك أن رئيس مجلس الإدارة عبد المنعم السعيد ورئيس التحرير عبد اللطيف المناوي كانوا على علم، وتكتما على الزيارة لأسباب أمنية.

وأضاف الصحافي أن جهازًا سياديًا هو من طلب من إدارة الصحيفة استضافة هنية، في محاولة لإعادة تقديمه من جديد للجمهور المصري، وبدء فصل جديد بين وسائل الإعلام والحركة الفلسطينية، وكذلك اعتبار ذلك رسالة لكافة وسائل الإعلام المصرية الأخرى بالكف عن «شيطنة» الحركة، مؤكدًا أن اثنين من المسئولين في الجهاز السيادي كانا في استقباله مع إدارة الصحيفة والفريق الأمني الفلسطيني المُكلف بحراسته.

وأكمل: «اللقاء كان عاديًا ولم يكن محظورًا أي سؤال من أي صحافي». ولم يكن هذا الاحتفاء بهنية هو الأمر الوحيد الذي يُثير الغرابة؛ بل إن التناول الإعلامي المصري في مُجمله للحركة وقادتها في الشهور الأخيرة كان محلًا للتساؤل، وفهم ما وراء هذا التغير الدراماتيكي من توصيف الحركة وقادتها بالعناصر الإرهابية إلى الاحتفاء بها، والدفاع عن سياساتها، بل وتكريم قادتها.

فصحيفة «صوت الأمة» مثلًا، التي دأبت على نشر تقارير تتهم الحركة بتنفيذ «الأعمال الإرهابية»، وتصف قادتها بأبشع الأوصاف، نقلًا عن مصادر مُجهلة، تبدلت وجهة نظرها في الحركة – نقلًا عن المصادر المُجهلة ذاتها – لتصير الحركة «خط دفاع رئيس عن الأمن القومي المصري، ولها دور بارز في مُكافحة العناصر الإرهابية، سواء داخل أو خارج فلسطين».

واحد من هذه التقارير جاء تحت عنوان ««داعش» يسعى لإحراج «حماس» أمام مصر»، بصحيفة «صوت الأمة»، والذي نقلت فيه عن مصادر فلسطينية مُجهلة، أنها عملت على «تضييق الخناق على أنصار السلفية الجهادية وأنصار بيت المقدس، بتنفيذ حملات اعتقال موسعة وتصفية العناصر التي حاولت الاقتراب من الأنفاق المصرية» .

بينما سار الإعلامي المصري عمرو أديب على نفس المنوال؛ مُمتدحًا«التطور اللافت في قطاع غزة»على يد الحركة بعد جولة في شوارعها ولقاء تلفزيوني مع هنية، ويمنحها في حلقة تليفزيونية أخرى مشروعية أخلاقية للدفاع عن نفسها، قائلًا : «من حق حماس الدفاع عن نفسها بعد العملية الإسرائيلية الغبية».

«المونيتور»: تحالف جديد «فريد من نوعه».. مصر وحماس وإسرائيل ضد «داعش»

ما أسباب التحول في العلاقة بين القاهرة والحركة؟

تتبع «ساسة بوست» التسلسل الزمني للتصريحات الهجومية، والحملات ضد حركة «حماس»؛ حتى توصل إلى أن جانبًا كبيرًا من هذه التحولات توارى مع إقالة اللواء محمد فريد التهامي من منصبه كرئيس لجهاز المخابرات العامة، وتصعيد بدلًا عنه اللواء خالد فوزي، والذي صعد بدلًا عنه لاحقًا اللواء عباس كامل.

Embed from Getty Images

قادة حركة حماس مع مسؤولين مصريين

وتتكشف توجهات التهامي حيال الحركة الفلسطينية في التصريحات التي نقلها عنه الصحافي الأمريكي ديفيد إغناتيوس، وذكر فيها رئيس المخابرات آنذاك أنهم «لا يتعاملون مع قطاع غزة على أساس أنه كله حماس، مؤكدًا على مسألة أن الحركة الفلسطينية كانت في العام السابق الطفل المدلل لنظام الإخوان».

كما ألمح التهامي بشكل غير مباشر لتورُّط عناصر من حركة «حماس» في المُشاركة بعملياتٍ «إرهابية»، قائلًا: «أتت بعض العناصر الإرهابية الموجودة في سيناء – وهي العناصر التى حضرت إلى مصر قبل هذه الثورة – بالتعاون مع العناصر الإرهابية التى أفرج عنها محمد مرسي؛ مما ساهم في زيادة العمليات الإرهابية».

ومع صعود فوزي، وبعده عباس إلى رئاسة الجهاز، الذي لطالما نال شهرة كبيرة في إدارة الملف الفلسطيني تاريخيًا، عادت اللقاءات من جديد بين قادة الحركة ومسئولي الجهاز، ونالت مصر امتداحًا كبيرًا من قادة الحركة، مثمنين دورها في القضية الفلسطينية، وداعمين لاستمرار دورها، متزامنًا ذلك مع إلغاء الحكم الصادر بتصنيف الحركة بـ«الإرهابية».

وترسم هذه التغييرات وتزامنها مع تغير طريقة تناول الإعلام المصري للحركة سببًا رئيسيًا في هذا التحول الكبير، في ظل إدراك السلطات المصرية بأهمية الحركة، وضرورة التعاون معها.

ولعل مانشرته صحيفة «الشروق» المصرية، نقلًا عن مصادر أمنية داخل حركة «حماس»، عن أن الحركة زودت أجهزة الأمن المصرية بتفاصيل اتصالات بين عناصر إرهابية في سيناء وقطاع غزة تضمنت معلومات عن أنشطة الإرهابيين في سيناء، مؤشرًا مهمًا على عودة العلاقات بشكل طبيعي مع مصر؛ ما تبعه بالضرورة تغيير كبير في تناول وسائل الإعلام لها.

وأكدت المصادر أنّ «الحركة تدرك صعوبة الظرف الأمني الراهن بالنسبة للجانب المصرى في سيناء، مشددة في الوقت ذاته على قيام الحركة بجهد كبير لمنع تسلل أي عناصر متطرفة إلى سيناء من قطاع غزة، وأن الإجراءات الأمنية على الشريط الحدودي يتم مراجعتها بشكل شبه يومي مع الجانب المصري».

شهر العسل بين النظام المصري وحركة حماس.. المخابرات المصرية كلمة السر!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد