«أصبحت الحوامة البسيطة، التي تكلف بضعة آلاف من الشواقل، أداة في عمليات حركة حماس العسكرية»

هكذا تحدث موقع «واللا» العبري عن ما يعرف بـ«الحوامات» التي استخدمتها «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» بشكل أساسي لجمع المعلومات الاستخباراتية عن الإسرائيليين، إذ تُمكن الحوامات من رصد سلوك جيش الاحتلال على طول الحدود مع القطاع، وكذلك كشف كمائن الجنود والعمليات التي تجري في إطار بناء الجدار العازل للأنفاق.

فقد أدركت «حماس» أهمية إنشاء عدد من الأذرع الأمنية بهدف حماية جبهتها وصفها الداخلي، وكذلك لجمع معلومات يمكن أن تفيدها في المعركة مع خصومها، وبرغم أنه في العمل الاستخباري بين إسرائيل و«حماس» أو «حماس» والسلطة الفلسطينية ليس شرط الانتصار فيه بالضربة القاضية، تمكنت الحركة كما يظهر التقرير التالي من تسجيل نقاط إيجابية لصالحها على مبدأ أن «الحرب سجال» كما يُقال.

لماذا بنت «حركة حماس» جهاز استخباري قوي؟

في السابق لم تكن «حركة حماس» تملك جهازًا استخباريًا خاصًا، إذ اعتمدت في نشاطها الاستخباري بعد تأسيسها عام 1987 على معلومات لا ترتقي إلى المستوى المطلوب ثم أخذت تشعر بأهمية بناء جهاز استخباراتي منظم بعد اندلاع «انتفاضة الأقصى» عام 2000.

قوات أمن تابعة لـ«حماس» تقف حراسة خارج معبر رفح الحدودي مع مصر، مقابل قوات تابعة للسلطة الفلسطينية تقف في الداخل

بل أدركت الحركة أهمية تطوير هذا الجهاز بعد العدوان الإسرائيلي على غزة نهاية عام 2008، وهو العام الذي يؤرخ فيه لوجود جهاز يمكن الاعتماد على تقديراته الاستراتيجية لدي الحركة، بدليل ما قدمه الجهاز في العدوان الإسرائيلي عام 2012 ثم في عام 2014، فقد فاجأ الجهاز المستويات العسكرية والأمنية في إسرائيل، بعدة ضربات منظمة نالت من أهداف مختلفة في داخل إسرائيل، ومنها على سبيل المثال تمكن «حماس» من الحصول على وثائق سرية لجيش الاحتلال مكنت عناصر من كوماندوز الحركة البحري، التسلل إلى قاعدة «زيكيم» البحرية مع بدء عدوان عام 2014.

يقول المختص في الشؤون الإسرائيلية عدنان أبو عامر أن حرب الأدمغة بين «حماس» والاستخبارات الإسرائيلية قد كثفت بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة 2005، حين فقدت إسرائيل مصدر معلومات كبير، وحاولت تعويض هذا النقص بتجنيد العملاء.

ويضيف أبو عامر أن: «حماس تدرك أن غزة منطقة مستهدفة منذ أن تم الإعلان عن قطاع غزة باعتباره كيانًا معاديًا في 2006، أي بعد فوز حماس لأول مرة في الانتخابات التشريعية آنذاك، إذ كان يعني ذلك تركيز الجهود الاستخباراتية على هذا الكيان، وحماس تعلم أنها الآن مستهدفة استخباريًا وأمنيًا من إسرائيل بشكل أساسي ثم من السلطة الفلسطينية ثم من دول عربية مجاورة وأحيانًا من دول عالمية».

ويتابع عدنان القول لـ«ساسة بوست»: «حماس أدركت هذ الرغبة الإسرائيلية مما جعلها تذهب تجاه خوض الحرب ذاتها، صحيح بإمكانيات وقدرات متواضعة قياسًا بإسرائيل التي لديها بنك أهداف كبير عن حماس من مواقع عسكرية وقدرات تسليحية، لكن كان عليها أن تتصدى للرغبة الإسرائيلية بإصابتها في مقتل وضرب مفاصلها العسكرية والأمنية والسياسة».

ويضيف أبو عامر: «عمل حركة حماس الاستخباراتي يجري وراء الكواليس، نادرًا ما نسمع عن عملية أمنية تم إحباطها، إلا ما يتم الكشف عنه لظروف ما، كما حدث في عملية «حد سيف» في خانيونس، أو عملية «مقسم الزوايدة» العام الماضي، لكن هناك أضعاف من تلك العمليات التي يتم إحباطها ولا تعرف طريقًا للإعلام على اعتبار أن أي كشف عنها ورغم أنه يقدم باعتباره إنجازًا أمنيًا لحماس، لكنه قد يفسد معلومات أخرى».

أخطر من غزّة ولبنان.. هل تُحرق الضفة الغربية إسرائيل والسلطة الفلسطينية معًا؟

استخبارات «حماس» تُفشل عمليات استخبارية وأمنية ضد قطاع غزة

فجع سكان قطاع غزة المثقلين بتبعيات سوء الوضع الاقتصادي والتهديدات الأمنية الإسرائيلية المستمرة في 27 أغسطس (آب) الماضي، بوقوع انفجارات انتحارية استهدفت حواجز أمنية، إذ وقع تفجيران منفصلان شبه متزامنين استهدفا حاجزين للشرطة غربي مدينة غزة، وأسفرا عن مقتل عناصر ثلاثة من شرطة المرور كانوا على رأس عملهم.

ضباط مخابرات إسرائيلية سابقون

وعلى تلك الحادثة، عقب المتحدث باسم الحركة فوزي برهوم -في تغريدة على حسابه الرسمي على «تويتر» بالقول: «لا نريد أن نستبق نتائج التحقيقات، ولكن كل محاولات إثارة الفوضى في غزة كان يقف وراءها جهاز مخابرات السلطة التابع لماجد فرج لصالح الشاباك الصهيوني والاحتلال».

لم تكن تلك الحادثة الوحيدة التي تتهم فيها «حركة حماس» أجهزة أمن السلطة الفلسطينية وإسرائيل بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى في القطاع، بل اتهمت أيضًا بالوقوف وراء حادثة اغتيال قائد «حماس» العسكري مازن فقهاء في مارس (آذار) 2017، وكذلك محاولة اغتيال اللواء توفيق أبو نعيم قائد أجهزة الأمن بغزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وأيضًا تفجير موكب رامي الحمدلله رئيس الوزراء الفلسطيني السابق لدى زيارته غزة في مارس (آذار) 2018، إذ تعتقد «حماس» أن كلا من السلطة الفلسطينية وإسرائيل يقومان بتجنيد شباب من القطاع لتنفيذ تفجيرات تضرب الأمن في القطاع.

يشدد باحث أمني مقرب من «حركة حماس» على أنه رغم الضائقة المالية التي تعاني منها الحركة خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها واصلت دعم منظومتها الاستخباراتية وتطوير قدراتها لزيادة المخاطر والمهددات الأمنية، وحاجتها لتطوير قدراتها الهجومية التي تعتمد بشكل أساسي على جمع مزيد من المعلومات عن الأهداف الإسرائيلية.

ويستدل الباحث الذي رفض ذكر اسمه على ذلك، بأن القوة الاستخباراتية للحركة أثبتت قدرتها على مواجهة العديد من المخاطر وإحباط عمليات استخباراتية وأمنية ضخمة ضدها من قبل الجهات المعادية لها، كما أنها استطاعت تفكيك الكثير من الألغاز الأمنية ومنع تنفيذ مخططات خطيرة ضدها في القطاع دون أن يتم الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام، ويضيف: «خلال العمل الاستخباري نفذت الحركة عشرات العمليات الاستباقية لإحباط مخططات أمنية وأخرى أثناء التنفيذ، كما حلت قضايا بعد تنفيذها، وقد وصلت في كثير من الأحيان لمعلومات كبيرة عن الجهات المعادية والمهاجمة لها، ما أسهم بإفشال أعمال أمنية أخذت سنوات من الإعداد من قبل أعدائها وخصومها».

ويوضح الباحث أن منظومة استخبارات «حماس» تعمل وفق جهد منظم شهد خلال العقد الأخير تطورًا كبيرًا في الهياكل وطرق العمل والأساليب والأدوات، ما مكنه من الوصول لمرحلة متقدمة مع المواجهة مع الاحتلال في الساحة الأمنية التي كانت طيلة عقود ماضية حكرًا على الاحتلال وأجهزته الأمنية.

«حركة حماس» بالمرصاد لجهود إسرائيل الاستخباراتية

في العاشر من سبتمبر (أيلول) الحالي، نجحت «كتائب عز الدين القسام» الذراع العسكرية لـ«حركة حماس» بالسيطرة على طائرة إسرائيلية مسيرة شرقي رفح جنوب قطاع غزة، تحمل هذه الطائرة كاميرات حرارية ونهارية وجهازًا معدًا لتنفيذ مهمة استخبارية.

عنصر من «حركة حماس» بغزة

هذه الطائرة التي اعترفت إسرائيل بأنها سقطت بسبب إطلاق النيران تجاهها، لم تكن الوحيدة، إذ تمكنت «كتائب الشهيد أبو علي مصطفى» الجناح المسلح لـ«الجبهة الشعبية» بقطاع غزة في 14 من سبتمبر الجاري من إسقاط طائرة تجسس أخرى.

ويعد الأهم في حوادث إسقاط الطائرات الإسرائيلية المسيرة هو تعامل «حركة حماس» مع مجموع من المخططات التي يستهدف نزع سيطرتها على القطاع، وهي المهمة التي اشتركت فيها كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية وغيرهما، إذ إنه في إطار الصراع بين تلك الأطراف تتواصل المعركة الاستخباراتية بين «حركة حماس» وجيش الاحتلال الإسرائيلي بوتيرة عالية، لتحقق «حماس» إنجازات معنية، كأن تحصل على وثيقة استخبارية حساسة وخطيرة حول مخططات وبرامج الجيش الإسرائيلي العملياتية في محيط قطاع غزة.

بل وصل الأمر إلى تكرار نجاح جهاز استخبارات الحركة في التواصل مع ضباط وجنود عاملين في جيش الاحتلال والحصول على معلومات سرية حول مخططات وأنشطة الجيش المعَدة تجاه غزة على وجه التحديد.

أما على صعيد معركة الحركة الاستخباراتية مع السلطة الفلسطينية، فقد استطاعت «حماس» تجنيد عدد كبير من ضباط الأجهزة الأمنية الفلسطينية للعمل لصالحها، فقد جندت ضباطًا من المخابرات العامة والأمن الوقائي نقلوا لها معلومات حساسة حول الخطط المختلفة للأجهزة الأمنية الفلسطينية بخصوص قطاع غزة.

ولا يمكن تجاهل الضربة القوية التي تسببت بها «عملية خانيونس» التي وقعت يوم 11 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وقتل فيها ضابط إسرائيلي برتبة عقيد، وأصيب آخر بجروح متوسطة. إذ أقرت إسرائيل أن إخفاقًا في الإعداد والتنفيذ، بالإضافة إلى السلوك التكتيكي الخاطئ على الأرض، كان السبب. فيما تمكنت «حركة حماس» من الحصول على وثائق عسكرية ومعدات وأجهزة للقوة الخاصة الإسرائيلية التي لاحقتها بعد اكتشاف أمرها في غزة.

يقول مدير وحدة «المشهد الإسرائيلي» في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أنطوان شلحت أنه يمكن للمراقب عن كثب أن يدرك أن هناك تحولات في كل التعامل مع قطاع غزة على المستوى الأمني الإسرائيلي وأن هذه التحولات تأخذ في الاعتبار تعاظم قوة «حماس» العسكرية بما في ذلك الاستخباراتية.

ويضيف لـ«ساسة بوست»: «استنتج بعض المحللين من تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي قال فيها إنه يبدو أنه لا مفر أمام إسرائيل سوى شن حرب على غزة تهدف إلى إسقاط «حماس»، أنها ليست فقط دعاية انتخابية، بل أيضًا تعكس قلقًا من تعاظم قوة «حماس» ومن احتمال استمرار تعاظمها إذا لم تواجه بعملية عسكرية كبيرة ونوعية».

«جعبتنا لا تفرغ».. حركة حماس تتحدى إسرائيل بحملة تبرعات جديدة عبر «بيتكوين»

المصادر

تحميل المزيد