عرض سياسي سخي، تقدم فيه إيران لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” دعمًا ماليًّا كبيرًا، وتطبيع علاقات واسعًا أبرزه الاعتراف بتمثيلها للشعب الفلسطيني، كل ذلك مقابل دعم الحركة للموقف الإيراني المجابه للمملكة العربية السعودية.

رفضت حركة حماس هذا العرض بعد أيام، وآثرت البقاء ضمن المنظومة العربية، فهي لا تريد التورط في أي تحالف مع إيران يعود بالخسارة الكبيرة عليها، كما أن علاقتها السابقة مع إيران لا تمنحها ثقة في بلد يريد أن يكون حليفه متبنيًا لجميع مواقفه السياسية.

“ساسة بوست” في التقرير التالي تستعرض مع مختصين في الشأن السياسي عدة نقاط تتعلق بهذا الملف، أبرزها الأسباب التي دفعت حماس لاتخاذ هذا الموقف، والمكسب والخسارة التي قد تعود على حماس جراء قرارها الأخير.

 

لماذا توجّهت حماس للسعودية ورفضت العرض المالي والسياسي الإيراني؟

 

من مبدأ المكسب والخسارة، يعد توجه حركة حماس نحو الإطار العربي المتمثل في السعودية هو الأكثر مكسبًا، فالسعودية تمثل إطارًا عربيًّا شاملًا وواسعًا، أما إيران فتمثل إطار دولة ضيقًا، وبالتالي حماس اختارت الإطار الأوسع كما يصف مجموع المتحدثين لـ”ساسة بوست”.

ويعتبر بروفيسور العلوم السياسية في جامعة الأزهر د.ناجي شراب توجه حركة حماس نحو المملكة العربية السعودية باعتبارها تمثل الدول السنية في العالم الإسلامي هو توجه صحيح وسليم، فالسعودية تمثل العمق العربي للقضية الفلسطينية الذي يبقي له الأولوية على أي بعد آخر، وما يحكم سلوك حركة حماس أنها حركة تعمل في سياق عربي.

أما العامل الآخر الذي دفع حركة حماس لاختيار السعودية، فهو سعي الحركة إلى تثبيت شرعيتها العربية، وتثبيت هذه الشرعية العربية تلعب فيه السعودية دورًا كبيرًا حسب د. شراب، الذي أضاف المزيد من العوامل قائلًا: “هناك عامل آخر، يتمثل في علاقة حماس المتوترة بمصر، إذ يمكن تعويض أو تحسين هذه العلاقات المتوترة من خلال المملكة العربية السعودية، كما يسجل البعد المالي كعامل آخر، فحماس حركة يلعب العامل المالي دورًا في تحديد سلوكها السياسي، والسعودية يمكن أن تقوم بتمويل حركة حماس، وإن كان هذا التمويل يخضع لاعتبارات دولية، لكن يمكن أن تتم المساعدات المالية بطريقة أو بأخرى لحماس”.

ويشير د. شراب إلى أن حماس يعنيها من السعودية أن تصبح أكثر حرية وتحركًا في الساحة الخارجية، فالسعودية بمثابة بوابة خارجية لها على دول خليجية أخرى، ولا ينسى د. شراب التطرق إلى البعد المذهبي أو الديني، فهو يفرض على حماس أن تكون بجانب التحالف السني، كما يشير إلى الموقف الدولي الذي ينظر لإيران كداعمة وممولة للحركات الإرهابية، فإذا ذهبت حماس لها ستكون خسارة أكبر لها.

أما المحلل السياسي طلال عوكل، فيؤكد أن هذا الموقف المتوقع من حركة حماس سببه صعوبة خروج حماس من التحالف السني، فالعرض الإيراني لها سيجعلها تخرج من هذا التحالف، وسيجعلها في حالة تناقض مع السلطة الفلسطينية والسعودية والدول العربية، كما أن علاقتها الممتازة مع تركيا وقطر وسعيها للتقرب من السعودية هو خيارها في السابق، وهي لن تستبدل كل هذا الوضع بعلاقة مع إيران حسب عوكل.

يضيف عوكل لـ”ساسة بوست”: “عرض إيران بأن تعترف بحماس كممثل للفلسطينيين لا يخدم حماس، بل يجعلها في مواجهة أكبر مع السلطة ومع الشرعيات العربية والدولية، ويعمق أزمتها مع مصر ولا يخدمها في شيء، وبالتالي حساب الربح والخسارة يجعل حركة حماس تحسم الأمر لصالح العلاقة مع السعودية”.

من جانبه، يشير الكاتب والمحلل السياسي د. هاني العقاد أن حركة حماس التي جربت إيران تسع سنوات وتخلت عنها عند موقف واحد (يقصد موقفها الداعم للثورة السورية)، تدرك أن وجودها ضمن المربع الشيعي الإيراني لا يتجاوز استخدامها كأداة من قبل إيران، لذلك المستوى السياسي في حركة حماس يدرك أن الإطار العربي هو الحاضنة الأساسية للحركة، ويتابع القول: “كلنا يعرف أن حركة حماس بحاجة للدعم والمال، لقد أدركت حركة حماس أنها قد تنزلق إلى مقاطعة عربية كبيرة جدًّا وقد يعلن عربيًّا أنها منظمة إرهابية، لذلك لا خيار أمام حماس فهي مجبرة أن تقول “لا” لإيران ونعم للمربع السني الذي تمثله السعودية”.

 

هل تتخذ إيران خطوات ضد حركة حماس ردًّا على موقفها من السعودية؟

 

من الطبيعي، عندما تفلس إيران من حركة حماس فإنها سوف تبحث عن مداخل أخرى لها في قطاع غزة كي يبقى لها فيها موضع قدم كما يقول الخبراء السياسيون، فحسب بروفيسور العلوم السياسية في جامعة الأزهر د. ناجي شراب: “يمكن لإيران أن تخلق قوة منافسة لحركة حماس في غزة، كأن تكون حركة الجهاد الإسلامي بديلًا، لكن هذا الخيار لم يحقق آمال إيران، لأن حركة الجهاد الإسلامي في النهاية يحكمها سلوك فلسطيني وطني بالتالي لا يمكن أن تصل الأمور لحد المواجهة العسكرية بين الطرفين”.

كما لا يستبعد د. شراب أن تقوم إيران بإغلاق مكاتب حركة حماس، وهذا لا يشكل خسارة كبيرة لدى حركة حماس، مقابل ما يمكن أن تحصل عليه من عمقها السني أو العربي أو الخليجي.

من جانبه، يقول المحلل السياسي د.هاني العقاد إن التنظيمات الفلسطينية بشكل عام تدرك أن عمقها العربي هو الأساس رغم موقفها المعلن من أن حكومات الدول العربية لم تقدم ما يخدم القضية الفلسطينية، وأضاف: “إيران لن تعجز، ستجد من يقبل أموالها، وستجد من يعمل تحت سياستها لكن الخطير أن يكون هذا فصيل فلسطيني كبير، يحاول أن يعمل ضمن مخطط إيراني، لكن إذا توحد الكل الفلسطيني تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية وتلقى الدعم العربي يستطيع إعاقة التوجه الإيراني بكافة أشكاله”.

ويختلف عوكل مع الرأي السابق، ويري أن إيران لا يوجد لديها وسائل للضغط على حركة حماس، فالدعم المالي الإيراني متوقف أصلًا، ويقول: “عرض إيران بأن تعترف بحماس كممثل للفلسطينيين لا يخدم حماس، بل يجعلها في مواجهة أكبر مع السلطة ومع الشرعيات العربية والدولية، ويعمق أزمتها مع مصر ولا يخدمها في شيء”.

كيف ستتعامل السعودية مع موقف حماس؟

 

في إطار سياسة السعودية الجديدة، هناك تقارب سعودي واضح مع حركة حماس، وقد أكدت زيارة رئيس المكتب السياسي خالد مشعل للرياض يوليو الماضي بوادر اهتمام سعودي بالحركة ودورها في القضية الفلسطينية.

يؤكد المحلل السياسي طلال عوكل أن هناك بوادر تؤكد على أن السعودية تحتضن حماس، ويقول لـ”ساسة بوست”: “السعودية رحبت بحماس ومشعل زار السعودية مؤخرًا، وكان المناخ واعدًا بين الطرفين”، ورغم توقع عوكل احتمال أن يكون هناك تأثير سلبي من قبل السلطة الفلسطينية مثل أن تطلب من السعودية الامتناع عن تقديم الدعم لحركة حماس، إلا أن الأرجح عمليًّا أن يوفر التقارب بين حماس والسعودية فرصة لدور سعودي أكبر بين حماس والسلطة فيما يتعلق بقضية المصالحة الفلسطينية.

ويوضح الكاتب والمحلل السياسي د. هاني العقاد لـ”ساسة بوست” أنه بالفعل هناك حوارات ومفاوضات بين حركتي حماس وفتح على أعلى مستوى تحتضنه الدوحة بمعرفة سعودية، ويقول: “العمق العربي هو المطلوب لحماس من أجل إحداث حراك كبير لاستعادة الوحدة الوطنية، وهو حراك قائم الآن، والسعودية ليست بعيدة عن خط السير به، وبمجرد أن تنضم حماس لإطار منظمة التحرير الفلسطينية وتشارك في التمثيل الفلسطيني ستتعامل السعودية مع حركة حماس وسيكون لها دعم خاص، وستكون علاقة مميزة بين الحركة والقيادة السعودية”، مشيرًا إلى استعادة كافة العلاقات ما بين حماس وعمقها العربي خاصة مصر والأردن، فعبر موقف حماس بالانحياز إلى السعودية ستتمكن من أن تكسب كافة أنواع الدعم السياسي من القيادة الفلسطينية والسعودية والأردن ومصر التي هي مدخل لحل كافة الأزمات.

 

ما هي مصالح إيران من توظيف حركة حماس لصالحها مؤخرًا؟

 

ما يميز سياسة إيران الخارجية أنها تعتمد على الحركات مثل حركة حماس وحزب الله والحوثيين والحركات الشيعية المختلفة أكثر من الدول، ومن منطلق أن إيران تدرك مكانة حماس في الساحة الفلسطينية، وتدرك حضورها في عدد من الدول العربية، كامتداد لحركة الإخوان المسلمين لجأت إلى توظيف الحركة بما يحقق أهدافها وليس العكس، إذ تريد إيران أن توظف حماس وغيرها من الحركات في إطار مالي، فهي لن تخسر شيئًا إذا اشترت دعم حماس ببضع ملايين من الدولارات، مقابل أن تكسب تحسين صورتها بوصفها من الداعين للمقاومة الفلسطينية. ولكن في ظل تراجع اهتمام إيران بالقضية الفلسطينية وانشغالها بملفاتها العديدة في سوريا واليمن والعراق، لماذا عرضت على حماس الاصطفاف لصالحها قبل أيام؟ يجيب د. شراب: “أن الذي يدفع إيران لشراء حركة حماس ليس دعم القضية الفلسطينية بشكل مباشر، ولا الضغط على إسرائيل إنما هو المصلحة الوطنية الإيرانية بشكل مباشر وأطماعها في التمدد الشيعي”، كما يضيف: “أحد أهداف إيران خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي التغلغل في الدول العربية، والنظام الإقليمي العربي لأن هذا النظام هو أحد المجالات الرئيسية لها”.

 

لماذا لم تنجح حماس بإقامة علاقة متوازنة بين السعودية وإيران؟

 

تؤكد الشواهد السياسية أن حركة حماس حاولت دائمًا أن تحافظ على أكبر قدر ممكن من التوازن في العلاقات بين السعودية وإيران، وقد قال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” أسامة حمدان إن: “حركة حماس حريصة على علاقات متوازنة مع جميع الدول العربية والإسلامية، وعنوانها الرئيس بالأساس ليس بروتوكوليًّا، وإنما تحقيق دعم للقضية الفلسطينية وليس مجرد علاقات خاوية المضمون”، وتابع القول: “بهذا المعنى علاقاتنا مع إيران كانت على هذا الأساس، وتلقت حماس دعمًا من إيران كان مؤثرًا في إيذاء الاحتلال الصهيوني، وما زلنا نريد أن نبقي على هذه العلاقات، كما أننا حريصون على علاقاتنا مع السعودية من أجل كسب دعم للحقوق الفلسطينية، ولا نجد أن هناك أي تناقض أو تنافر بين العلاقتين”.

وبالطبع في ظل الإصرار الإيراني والسعودي على دفع حماس لاختيار طرف دون الآخر، لم تعد حماس قادرة على إحداث هذا التوازن في العلاقة، ويقول بروفيسور العلوم السياسية في جامعة الأزهر د. ناجي شراب أن حماس مارست سياسة التأرجح لأنها لا تريد أن تخسر إيران، ولا تريد أن تخسر السعودية، ويعقب: “هذا التوازن لا يمكن أن يتحقق في السياسة الدولية التي تقوم على المصالح، فهناك أبعاد ومحددات تحكم سلوك حماس وغيرها على المستوى الدولي”.

أما المحلل السياسي طلال عوكل فيري أنه لم يكن من صالح حماس أن تبدو وكأنها انتهازية، تارة في محور الممانعة، وتارة تتوجه نحو السعودية وتتخذ موقفًا متوافقًا معها في القضية اليمنية مثلًا، وهي تعرف أن هذا سيكون مزعجًا لإيران، ويقول: “عمليًّا حاولت حماس أن تقوم بعلاقة متوازنة بين إيران والسعودية، لكن حدة الاستقطاب الأخيرة، جعلت من غير الممكن أن تنجح في إقامة علاقة متوازنة بين الطرفين”.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد