أعادت المصالحة الفلسطينية بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وحركة فتح برعاية جهاز المخابرات المصري الجدل مجددًا حول وجود شروط تتعلق بتقليص نفوذ كتائب القسام، الجناح العسكري للحركة، أو تخفيض عددها.

يحاول التقرير التالي استكشاف أبرز بنود المبادرة، وقراءة زيارات وفود الحركة قبل وبعد جولات المصالحة، للوصول لاستنتاج يوضح مدى قبول حركة حماس بنزع السلاح من جناحه العسكري، في ظل مطلب إسرائيلي دائم بذلك.

ما وراء ترأس «العاروري» لوفد حماس في المصالحة: ممنوع الاقتراب من «الجناح العسكري»

دارت احتمالات كبيرة عما إذا كانت توصيات المصالحة الفلسطينية التي تمت برعاية مصرية من جانب جهاز المخابرات العامة المصري، تعلقت بتقليص صلاحيات الجناح العسكري لحركة حماس من عدمه، وما إذا كانت السلطات المصرية قد فرضت التزامات مُحددة على قادة حماس بقطع علاقاتها مع إيران، الداعم العسكري الأول للحركة.

Embed from Getty Images

رئيس المخابرات العامة المصرية يتوسط «العاروري» وعزام الأحمد ممثل «فتح»

وتُشير ثمة دلائل إلى عدم قبول حركة المقاومة الفلسطينية أي شروط من جانب أطراف المصالحة من شأنها تقليص صلاحيات جناحها العسكري، أو حتى تخفيض دعمها العسكري له، فضلًا عن صدور تحذيرات من جانب الحركة بعدم الاقتراب من هذا الملف كونه خارج دائرة النقاش.

يتعلق الملمح الأول بعدم اقتراب المصالحة من تقليص صلاحيات كتائب القسام، هو اتفاق الحركة على ترأس صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، جولة المصالحة الأولى في القاهرة، وتمثيل وجهة نظرها في لقاءاته التي شملت قيادات من جهاز المخابرات العامة المصرية، وقادة حركة فتح، وبعض المؤيدين لمحمد دحلان وسمير المشهراوي، وذلك في سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويُعد العاروري، من المحسوبين على الخط المؤيد لتوسيع نفوذ الجناح العسكري، وله دور كبير في تأسيس كتائب عز الدين القسام، الجهاز العسكري للحركة بالضفة الغربية، أدى لصدور قرار من محكمة الاحتلال الإسرائيلي العليا، سنة 2010، بإبعاده خارج فلسطين، فضلًا عن وضع عقوبات عليه من جانب وزارة الخزانة الأمريكية في 11 سبتمبر (أيلول) من عام 2015، لـ «تقديمه دعمًا ماليًّا لحماس، وإدارته هجمات ضد إسرائيل، وتحويله مئات آلاف الدولارات لكتائب عز الدين القسام لشراء أسلحة».

ثقل وزن «العاروري» العسكري داخل الحركة الفلسطينية، ودوره في تأسيس جناح حماس العسكري بالضفة الغربية، وتوليه المباحثات مع إيران كقناة اتصال للدعم العسكري الآتي منها، يُرجح خلو جولة المصالحة من أي شروط بشأن وضع مُحدد لكتائب القسام، جناح حماس العسكري.

وجدد، كذلك، جهاز أمن الاحتلال الإسرائيلي، قلقه الواسع تجاه العاروري، من خلال توجيه تهمة جديدة له في أبريل (نيسان) الماضي، مفادها إشرافه على تدريب شبان فلسطينيين يدرسون في الخارج على ممارسة نشاطات عسكرية ضد إسرائيل في الضفة الغربية.

وحسب رواية، الكاتب الصحافي عادل حمودة، الذي رافق رئيس المخابرات العامة المصرية في زيارته لقطاع غزة، أن السلطة المصرية ألزمت الحركة الفلسطينية، فقط، بعدم السماح لأي دور لدولة قطر في المصالحة، دون حديث عن إلزام مُحدد يتعلق بالسيطرة على الجناح العسكري داخل الحركة، أو تنحية بعض قادتها المحسوب ولاؤهم لهذا الجناح.

تتابعت بعد ذلك بيانات رسمية للحركة تؤكد «أن المقاومة هي خيار الشعب، وأنها ستظل عند حسن ظنه تدافع عن كرامته، وتحرس حقه في الوجود والحياة والاستقلال»، كما دعم هذه البيانات تفاصيل المفاوضات التي كشف عنها حسام بدران، رئيس لجنة الحوارات المجتمعية بحركة حماس، وعضو وفد الحركة في حوارات القاهرة، لجريدة «الشروق» المصرية: «إن ملف سلاح المقاومة غير مطروح للنقاش، ولم يكن مطروحًا على جدول الأعمال في الحوارات الأخيرة التي جرت في القاهرة، ولا في أي من الحوارات السابقة».

وأكمل بدران حديثه: «ليس من المعقول ألا يملك شعبنا الفلسطيني سلاحًا لتحرير أرضه، والدفاع عن نفسه في المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي».

يدلل كذلك على خلو بنود المصالحة المصرية من أي التزامات مُحددة على الجناح العسكري للحركة، ترحيب كافة قيادات الجناح العسكري بالمصالحة وتوصياتها، دون اعتراضات واضحة تشق صف الحركة، باستثناء  عضو المكتب والقيادي البارز في الحركة فتحي حماد، والذي شغل منصب وزير داخلية في حكومة حماس عام 2009، والذي أصدرت الحركة قرارًا بإعفائه من مهامه، وفرض الإقامة الجبرية عليه لعدم التزامه بقرار الحركة.

الحديث عن نزع السلاح من حركة حماس داخل جولات المصالحة لم يرق لمطلب أو اشتراط من جانب مسؤول معني بالملف، سوى حديث تليفزيوني للرئيس الفلسطيني ذكر خلاله «أن موضوع سلاح الفصائل الفلسطينية بما في ذلك حماس يجب أن يعالج على أرض الواقع. هناك دولة واحدة بنظام واحد لها قانون واحد، وسلاح واحد»، وهو التصريح الذي قُوبل بتجاهل من أطراف المفاوضات حتى الجانب المصري.

إسرائيل ترفض المصالحة: ما مصير الـ 25 ألف مقاتل في كتائب القسام؟

يُشير موقف إسرائيل الرافض للمصالحة الفلسطينية، ووضع بعض العراقيل لعدم استكمالها داخل فلسطين، إلى تمسك حركة حماس بعدم الاقتراب من الجناح العسكري بأي التزامات تفُرض عليه من أطراف المفاوضات.

Embed from Getty Images

نتنياهو في استقبال ترامب خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل

ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أي مصالحة فلسطينية من دون الاعتراف بإسرائيل، وحل الجناح العسكري لحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، وقطع علاقاتها مع إيران، ونقل بيان صادر عن مكتب نتانياهو قوله: «نتوقع من كل من يتحدث عن عملية سلام أن يعترف بدولة إسرائيل، وبالطبع أن يعترف بالدولة اليهودية».

ونقل موقع «تايمز أوف إسرائيل» أن الاتفاق «لم يتطرق إلى مصير 25 ألفًا هم مقاتلو كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس». ونقل الموقع تصريحات من القاهرة عن موقع راديو إسرائيل، جاء فيها «أن حركة حماس لم تكن مستعدة لفكرة نزع سلاحها»، وذكر الموقع كذلك: «موافقة حماس على عدم استخدام سلاحها إلا إذا كان اللجوء إلى القوة جاء بموافقة لجنة مشتركة، لكن الموقع أشار إلى عدم وجود تأكيدات رسمية لهذا الأمر».

وفد حماس في طهران بعد المصالحة.. أكثر من مُجرد زيارة

برهان آخر على عدم المساس بأدوار الجناح العسكري داخل الحركة، هي طبيعة الزيارات التي تلت انتهاء جولات المصالحة برعاية مصرية؛ فكانت أول زيارة رسمية لوفد رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي للحركة صالح العاروري، يصل طهران يوم 19 من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، يرافقه عدد من أبرز قادة الحركة المحسوبين على الجناح العسكري، وإطلاق تصريحات من العاصمة الإيرانية تؤكد حيوية العلاقة مع طهران في تعزيز الجانب العسكري.

Embed from Getty Images

زيارة سابقة لخالد مشعل، رئيس الحركة السابق، لإيران

وتوضح نوعية اللقاءات التي جمعت قادة الحركة في العاصمة الإيرانية أن الهدف الرئيسي للزيارة يأتي لزيادة الدعم العسكري الذي يتوجه من الجمهورية الإيرانية للحركة الفلسطينية، إذ اجتمع قادة الحركة، في لقاء غير مُعلن، مع قائد «لواء القدس» في «الحرس الثوري» قاسم سليماني، وأجروا لقاءات مُعلنة مع كُل من مستشار المُرشد الأعلى علي أكبر ولايتي، ورئيس مجلس الشورى علي لاريجاني، وأمين سر مجلس الأمن القومي الأدميرال علي شامخانى، وسط تأكيد من الوفد أن الزيارة «تأتي للرد على المطالب الإسرائيلية بنزع السلاح، وقطع العلاقات مع طهران».

وكان يحيى السنوار، رئيس حركة حماس في قطاع غزة، ذكر في مقابلة مع الوكالة الفرنسية، في 24 أغسطس (آب)، أن إيران هي «الداعم الأكبر» للجناح العسكري للحركة، ووصف الدعم الإيراني العسكري لـ«القسام»، بأنه «استراتيجي»، وقال إن العلاقة مع طهران «أصبحت ممتازة جدًا، وترجع لسابق عهدها، بعدما اعتراها تأزم، وجاء التحسن خصوصًا بعد زيارة وفد حماس الأخيرة لإيران».

وسبقت هذه الزيارة الأخيرة بوادر من الحركة لعودة العلاقات مع إيران، تزامنت مع انتخاب إسماعيل هنية، رئيسًا للحركة، بدأت بزيارة وفد رفيع المستوى من قيادات حركة حماس مؤخرًا إلى إيران للمشاركة في حفل تنصيب الرئيس «حسن روحاني» لولاية ثانية، تبعتها أكثر من زيارة رسمية، وتصريحات تحتفي بالدعم العسكري الإيراني للحركة.

وكانت وثيقة حركة حماس التي أصدرتها في مطلع مايو (أيار) الماضي، قد طرحت فيها سياساتها الإقليمية الواقعية: «أن الحركة حريصة على إقامة علاقات قوية مع الدول الإقليمية الرئيسية في المنطقة، وفي مقدمتها إيران».

وقوبلت مبادرات الحركة الفلسطينية بتقوية العلاقة مع طهران، بقبول رسمي إيراني، ظهر في تصريحات رسمية، وتقدير لافت لدور الحركة في المقاومة، ورغبتها في إعادة الحركة الإمساك بورقة القوى الفلسطينية في مواجهة كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد