في الوقت الذي فشلت فيه كل الطرق التقليدية في تمويل «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، وسط حصار إقليمي ودولي خانق، وجدت الحركة ضالتها في البيتكوين، وهي العملة التي تستطيع تداولها مع أي شخص في العالم، وفي أي مكان في لمح البصر، وبضغطة زر واحدة، فلا تحتاج إلى بنك أو صرافة أو أي وسيط في عملية التحويل.

فالعملات الرقمية والبيتكوين بشكل خاص عملات لا مركزية؛ إذ يمتلك كل مستخدم للعملة محفظة مالية رقمية لها رقم يتم التحويل منه وإليه دون الحاجة لمعرفة اسم المرسل إليه؛ مما جعلها العملة المفضلة لدى الباحثين عن العمل في سرية تامة، لذلك كانت البيتكوين هي الأفضل لعلاج مشاكل حماس.

وكانت «كتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحركة حماس)» قد دعت مؤيديها حول العالم للمرة الأولى، لتقديم الدعم المالي لها من خلال عملة البيتكوين الرقمية، إذ كتب أبو عبيدة الناطق باسم القسام في تغريدة نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي: «ندعو كل محبي المقاومة وداعمي قضيتنا العادلة لدعم المقاومة ماليًا من خلال عملة البيتكوين عبر الآليات التي سنعلن عنها قريبًا»، وأوضح حينها سبب اللجوء لهذا النوع من التمويل قائلاً إن «العدو الصهيوني يحارب المقاومة من خلال محاولة قطع الدعم عنها بكل السبل».

لكن لم تحقق الحملة الأولى النتائج المنتظرة، فبحسب ما ذكرت شبكة «CCN» مؤخرًا، تمكنت حماس من جمع تبرعات من خلال البيتكوين بنحو 2500 دولار، وذلك في الفترة اعتبارًا من مطلع شهر فبراير (شباط) الماضي، وحتى نهاية الحملة التي توقفت بفعل تدخلات إسرائيل وعرقلة الحملة، إذ كشفت شركة «ويتستريم» التي تتخذ من إسرائيل مقرًا لها، أن عمليات حماس قد تم توقيعها من خلال عناوين كانت تعمل في المحافظ الرّقميّة لشركة «Coinbase».

رغم الحصار.. جعبة «حماس» لم تفرغ بعد

يواجه قطاع غزة معقل حماس، تضييقًا أمنيًا وحصارًا اقتصاديًا منذ خضع للاحتلال الإسرائيلي إثر حرب 1967، إلا أن هذا الحصار زاد بشدة منذ النصف الأول من عام 2006، ويمكن القول أن أهم دوافع الحصار هو وقف تدفق الأموال لحماس، فالحركة تواجه تضييقًا كبيرًا على تدفق الأموال سواء من الحكومة الإسرائيلية أو الإدارة الأمريكية، بالإضافة إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وفي ظل هذا الحصار الثلاثي بات من الصعب جدًا على حماس الاحتفاظ بأرصدة بنكية أو التعامل من خلال المؤسسات المالية العالمية.

لكن منذ أن صمم «ساتوشي ناكاموتو» -وهو شخص مجهول الهوية حتى الآن- عملة البيتكوين، وبدأ تداولها في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2009 لأول مرة في العالم الرقمي، باتت إمكانية التعامل خارج النظام المالي العالمي أمرًا في المتناول؛ لذا تتعرض العملة الرقمية الشهيرة لهجوم شرس من المؤسسات المالية العالمية بسبب الخوف من ضياع الهيمنة المالية على العالم؛ فالبيتكوين في النهاية بمثابة ثورة على الأنظمة والرقابة والقيود، والهدف منها أن تكون تعاملاتها بعيدة عن الأنظمة، بعيدة عن الرقابة، ولا يمكن تتبعها.

وبالرغم من أن جهات تمويل حماس غير معلومة، إلا أن مراقبين يتحدثون عن حصول الحركة على دعم مالي منتظم من إيران، بالإضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وبعض المنظمات الخيرية الإسلامية في أوروبا، وبالنسبة للجهة الأولى والثانية فهما يعيشان أوضاعًا اقتصادية صعبة، كما أن الرقابة والحصار الشديد يعرقل وصول الدعم من المنظمات الخيرية.

وفي 2014 تحدث أبو عبيدة المتحدث باسم القسام عن أن الحركة تتلقى دعمًا من شخصيات ومؤسسات ودول، ووجه الشكر لإيران على دعم حماس بالمال والسلاح، بالإضافة إلى دعم دول عربية وإسلامية على رأسها تركيا وقطر، لكن خلال الأشهر القليلة الماضية تغيرت الكثير من الأمور، فالحركة لم تعد تحصل على إمداد منتظم، لذلك كان البيتكوين هو الحل الأفضل، بالرغم من أن حماس قد لجأت إليه متأخرة بعض الشيء فكثير من الدول والمؤسسات لجأت إلى العملة المشفرة منذ فترة وبالفعل نجحت في تحقيق الكثير من الأهداف من خلالها وذلك مثل كوريا الشمالية.

داخليًا أصبحت ثقافة سكان قطاع غزة على دراية كبيرة بتعاملات العملة الرقمية، فبحسب صاحب شركة للصرافة في القطاع فإن هناك إقبالًا كبيرًا على العملات الرقمية، وبالأخص عملة البيتكوين، ومع اتجاه حماس لهذه العملة مع الحملة الأولى لجمع التبرعات اتجه كثير من المواطنين كذلك لإجراء معاملاتهم من خلالها.

«حماس آخرهم».. هكذا أصبح «بيتكوين» ملاذ المغضوب عليهم من النظام المالي العالمي

 

«حماس» تتعلم من أخطائها

كلما استطاعت الحركة إنشاء نظام متماسك وآمن فإن تلك الخطوة ستكون مفيدة ومجدية بشكل أكبر ، وبعد عدم نجاح الحملة الأولى،  نشر الموقع الإلكتروني الرسمي لـ«القسام»، عنوان محفظته الرسمية، مع تغيير طرق التبرع من خلال تعزيز وسائل الأمان بشكل أكبر، كما هو موضح بالفيديو التالي:

بالفيديو.. كيف تدعم المقاومة بعملة البتكوين بطريقة أكثر أمناً وخصوصية ؟#ادعم_المقاومة

Geplaatst door ‎فلسطين أون لاين‎ op Zondag 24 maart 2019

بهذه الطريقة بات بمقدور الراغبين بالتبرع للمقاومة، الذين لم يتمكنوا من إرسال الأموال عبر الوسائل التقليدية مثل البنوك أو شركات تحويل الأموال خوفًا من الملاحقات الأمنية، إرسال الأموال عبر البيتكوين، فطالما أن شبكة الإنترنت تعمل فلا يوجد ما يمنع الاستمرار في الحملة، ووفق طبيعية البيتكوين فلا يمكن لأحد أن يعرف مرسل أو مستقبل التبرعات، فيمكن لمتلقي التبرع فقط معرفة رقم محفظة المتبرع، دون معرفة الشخص، لأن عمليات التحويل تتم وفق معادلات معقدة ومشفرة ولا تخضع لأي نوع من الرقابة، كما ذكرنا.

وبالطبع السؤال الأهم الآن، هل ستنجح الحملة هذه المرة؟ من الصعب الحكم على هذا الأمر الآن، لكن يرى مؤيدو البيتكوين أنها الخيار الأفضل، بالرغم من أنها عملة متقلبة، فقد تضاعفت قيمة العملة عدة أضعاف في عام 2017، لتتجاوز مستوى 20 ألف دولار، قبل أن تنخفض قيمتها انخفاضًا حادًا نهاية العام الماضي وبداية 2019.

إسرائيل تراقب عن كثب

من المعروف أن العملة الرقمية غير قابلة للتتبع، ولكن يرى متخصصون أن هناك ثغرات تمكنت إسرائيل من خلالها متابعة المتبرعين وكشف القيمة الموجودة على محفظة القسام، فبحسب محمد شُرّاب، المتخصص في الشؤون التقنية، فإن «الطريقة التي أعلنت عنها كتائب القسام -في الحملة الأولى- لتلقي التبرعات بعملة البيتكوين، فيها سلبيات بعضها قد يتسبب بكشف شخصيات المتبرعين»، موضحًا أن الإعلان عن رقم المحفظة سيمكن الجهات المعادية من معرفة رصيد هذه المحفظة كاملًا وجميع العمليات التي تمت عبرها.

لكن هذه المشكلة التي تحدث عنها، شُرّاب، قد عالجها القسام مؤخرًا، في الحملة الثانية، وذلك من خلال منح كل زائر عنوان محفظة خاص للتبرع عليه، لكن على الجانب الآخر في حال تمت معرفة أرقام المحافظ الإلكترونية التي تبرعت لمحفظة «القسام»، وتتبع عمليات هذه المحافظ في مواقع أخرى تسجل بياناتهم الشخصية، مثل مواقع التجارة الإلكترونية كـ«أمازون» أو «علي بابا»، يمكن معرفة شخصياتهم، إلا أن هذا الأمر يمكن علاجه أيضًا من خلال تخصيص محفظة مخصصة للتبرع فقط.

من جانبها يبدو أن إسرائيل تهتم بقوة بخطوة حماس، فبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، عبرت القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية عن اهتمامها بالتحول الاستراتيجي لدى كتائب القسام، من خلال جمع التبرعات وعمليات تمويلها عبر البيتكوين، موضحة أن حماس تسعى لإحداث تغيير في أساليب عملها وجمعها التمويل، بهدف تضليل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حول الجهات الممولة لها، بعد أن نجحت إسرائيل في السنوات القليلة الماضية في تجفيف مصادر حماس المالية، وتشديد الخناق على الجهات الممولة للحركة من الخارج.

هل تنجح جهود «حماس»؟

كان العام 2017 هو «عام البيتكوين» بجدارة بحسب وصف البعض؛ فقد انتعشت العملة الافتراضية بقوّة، وسجّلت مستويات قياسيّة في قيمتها، وتجاوزت 20 ألف دولار، اتجه كثير من العرب للاستثمار والبحث عن الربح من خلال البيتكوين، لكن لم يكن العام الماضي هو الأفضل للعملة الرقمية الشهيرة؛ إذ فقدت «البيتكوين» معظم أرباحها، وتراجع الزخم الإعلامي حولها، هو الأمر الذي تسبب في خسائر الكثير من العرب من العملة الرقمية، مما قد يؤثر على التبرع لحماس.

ففي الربع الأخير من 2017، كشفت صحيفة «الأنباء» الكويتية، عن أن عدد الكويتيين المستخدمين لهذه العملة الافتراضية نحو 12 ألف متداول حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ووصل حجم محافظهم إلى قرابة المليار دولار، ولكن مؤخرًا تقلصت الأعداد بشدة بسبب الخسائر الضخمة التي تعرض لها هؤلاء المتعاملون، ولو فرضنا أن تجربة حماس كانت خلال 2017، لحصدت الكثير من الأموال لكن مع تخوف الكثيرين من التعامل بالبيتكوين حاليًا ستنخفض بالتأكيد قيمة التبرعات التي ستجمعها حماس.

يعتبر مستوى سعر البيتكوين الحالي نحو 15% من ذروتها التي وصلت إليها في 2017؛ إذ خسرت العملة نحو 85% من قيمتها في 2018، إلا أن محللين وخبراء يؤكدون أن استمرار العملة الرقمية بهذه المستويات الحالية ما زال نجاحًا كبيرًا، بينما تعتبر سياسة العقوبات الاقتصادية التي تقوم بها أمريكا أو تفرضها بعض الدول على دول أخرى مناخًا مناسبًا لانتعاش البيتكوين.

ووفق بيانات موقع «كوين ديسك» المتخصص بالعملات الرقمية فقد وصل سعر البيتكوين إلى 3893 دولار خلال كتابة هذا التقرير، وعلى الأرجح ستستمر العملات الرقمية لفترة أطول وسط المعطيات الحالية، ولا يمكن لأحد الآن أن ينكر أن العملات الرقمية باتت واقعًا لا مفر منه، فمعظم العملات الموجودة حاليًا قد انهارت مرات عدة، لكنها عادت دائمًا إلى النهوض، وبعضها قد اختفى وظهر غيره، فالعالم حاليًا به مئات العملات الرقمية، حتى باتت كثير من الحكومات حول العالم تبحث إصدار عملات رقمية.

وأخيرًا لا يمكن إنكار أن خطوة القسام ستدر المزيد من التمويل لحماس، وسط الأزمة المالية التي تمر بها الحركة بحسب مراقبين، وذلك في ظل الأزمة الاقتصادية والسياسية المتصاعدة بقطاع غزة، إلا أنه من المستبعد أن تتسبب البيتكوين وحدها في التغلب على الحصار المفروض على حماس، وذلك أولاً لضعف التدفق في الحملة الأولى، بالإضافة إلى التقلبات الكبيرة التي تحدث للبيتكوين، لكن من الممكن أن تتجه حماس لتعدين البيتكوين، وهو الأمر الذي قد يعزز قدرتها المالية، إلا أن هذا الأمر يعتمد على وجود الكثير من الكهرباء وهو الأمر الذي يعاني منه قطاع غزة في الأساس.

من «الشيطنة» إلى الاحتفاء.. كيف تبدلت صورة «حماس» في عيون الإعلام المصري؟

 

المصادر

تحميل المزيد