أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية «بريتي باتل» يوم أمس عن خطوات قانونية من شأنها تصنيف «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» «منظّمة إرهابية». وعليه سيُعرض التعديل الجديد لقانون الإرهاب – والذي ينص على أنّ أي شخص يعبّر عن دعمه للحركة الفلسطينية، أو يقوم برفع علمها، أو ينظّم لقاءات داعمة للحركة، سيقع تحت طائلة هذه الإجراءات التي تصل عقوباتها إلى 14 سنة سجنًا – على البرلمان البريطاني.

جدير بالذكر أن التعديل الجديد، أتى لإدراج الجناح السياسي لحركة حماس في قائمة الإرهاب، إذ إن الجناح العسكري للحركة (كتائب عزّ الدين القسّام) موجود على قائمة الإرهاب البريطانية منذ سنة 2001.

وقد اختارت وزيرة الداخلية البريطانية، بريتي باتل، مركز الأبحاث «هيريتاج» المحسوب على اليمين المتطرّف، في العاصمة الأمريكية واشنطن، لتعلن منه القرار البريطاني الجديد.

Embed from Getty Images

مظاهرة داعمة للقضية الفلسطينية في العاصمة البريطانية لندن، يونيو (حزيران) 2021

وجاء في تصريح بريتي باتل حول القرار أن «حماس تمتلك قدرات إرهابية تضمن أسلحة متطوّرة، ومنشآت تدريبية إرهابية، وهي متورّطة منذ مدة طويلة في عنف إرهابي، لكن تصنيف حماس الحالي يخلق تفرقة بين مختلف أجنحتها التنظيمية، لذلك ينبغي تحديث اللائحة»، مشيرًا إلى أن «هذه الخطوة مهمة بالخصوص للجالية اليهودية؛ لأن حماس معادية للسامية في جوهرها. ومعاداة السامية هو شرّ محض لن أتسامح معه، فاليهود يحسّون بشكل روتيني بغياب الأمان في المدارس والشوارع وفي دور العبادة وفي بيوتهم، وعبر الإنترنت»، على حد تعبير الوزيرة.

وأضافت الوزيرة البريطانية: «هذه الخطوة من شأنها تقوية العقوبات ضد أي شخص يرفع علم حركة «حماس» في المملكة المتّحدة، وهي الحركة التي تجعل الشعب اليهودي يشعر بغياب الأمن».

لكن بعض المراقبين عبّروا عن قلقهم من انعكاسات هذا القرار على حريّة التعبير، وازدواجية المعايير والانحياز ضد الفلسطينيين، خصوصًا وأن رفع العلم النازي غير ممنوع في بريطانيا.

من حوارات بلير مع خالد مشعل إلى قائمة «الإرهاب»

القرار البريطاني الأخير جرى تثمينه من طرف القادة الإسرائيليين؛ إذ علّق نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي على القرار قائلاً: «حماس منظمة إسلامية متطرّفة تستهدف الإسرائيليين الأبرياء وتسعى إلى تدمير إسرائيل. أرحّب بنيّة بريطانيا لإعلان حماس منظمة إرهابية في مجملها، لأنّها كذلك».

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد نشرت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت قد طلب من نظيره البريطاني بوريس جونسون، خلال لقائهما في قمّة المناخ بجلاسجو مطلع الشهر الجاري نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، إدراج حركة «حماس» الفلسطينية في قائمة الإرهاب.

على جانب آخر أدانت حركة «حماس» في بيان رسمي لها، القرار البريطاني وقالت: إن بريطانيا «تستمرّ في غيّها القديم»، في إشارة إلى وعد بلفور بتسليم أرض فلسطين إلى الحركة الصهيونية، وقالت الحركة إن بريطانيا «تناصر المعتدين على حساب الضحايا».

وأضافت الحركة في بيانها أن «مقاومة الاحتلال، وبكل الوسائل المتاحة، بما فيها المقاومة المسلحة، حق مكفول للشعوب تحت الاحتلال بحسب القانون الدولي، فالاحتلال هو الإرهاب؛ وأن قتل السكان الأصليين، وتهجيرهم بالقوة، وهدم بيوتهم وحبسهم هو الإرهاب. حصار أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، معظمهم من الأطفال، لأكثر من 15 عامًا هو الإرهاب، بل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما وصفتها الكثير من المنظمات الدولية والمؤسسات الحقوقية» حسبما جاء في البيان. فيما أدانت الفصائل الفلسطينية والتي من بينها حركة الجهاد الإسلامي، والحركة الشعبية لتحرير فلسطين هذا القرار، بالإضافة إلى وزارة الخارجية الفلسطينية.

وبحسب ما كشفه ديفيد هيرست، الصحافي من جريدة «ميدل إيست آي» البريطانية، فقد جرت عدّة حوارات بين الحركة الفلسطينية الإسلامية «حماس» ومسؤولين بريطانيين بعلم السلطات خلال السنوات الماضية؛ الأمر الذي يسلّط الضوء على المفارقة التي سيشكّلها إدراج الحركة الفلسطينية على قوائم الإرهاب، خصوصًا أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير كان قد التقى خالد مشعل، أحد مؤسسي الحركة، في العاصمة القطرية الدوحة سنة 2015 في الوقت الذي كان فيه بلير يشغل منصب مبعوث الرباعية الدولية إلى الشرق الأوسط.

وكانت الجريدة البريطانية قد نشرت أن كلًا من مشعل وبلير قد التقيا على الأقل أربع مرات في العاصمة القطرية، وأن بلير قد عرض على مشعل إجراء زيارة رسمية إلى العاصمة البريطانية لندن في يونيو 2015، إلا أن الحركة رفضت هذه الزيارة، كذلك التقى توني بلير أيضًا رئيس الحركة إسماعيل هنيّة وخاض معه حوارات مطوّلة. وجدير بالذكر أن بلير كان قد صرّح بأن بريطانيا لديها اتصالات غير رسمية مع الحركة الإسلامية الفلسطينية «حماس»، وقال بأنّه كان يود أن تصبح هذه الحوارات بشكل أكثر رسمية ومباشرة، لولا الاعتراض الإسرائيلي القوي.

Embed from Getty Images

خالد مشعل، الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة «حماس»

على جانب آخر يأتي هذا القرار البريطاني مخالفًا للتوجّه الأمريكي الذي نقلت الصحافة الإسرائيلية بعض مؤشراته، إذ ذكرت جريدة «هآرتس» أن كلا من الولايات المتحدة ومصر تمارسان ضغوطًا على السلطة الفلسطينية وحركة «حماس» من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، لإعمار قطاع غزّة المدمّر بسبب الحروب الإسرائيلية السابقة، وتهدئة التوتّرات الأمنية.

صديقة إسرائيل: من هي وزيرة الداخلية التي تقف خلف القانون؟

لم يكن من المفاجئ أن تعلن وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتل، عن تعديل قانون الإرهاب الذي سيشمل حركة «حماس»، وذلك لأن مسيرتها السياسية حافلة بدعم إسرائيل. فبريتي باتل سياسية بريطانية من حزب المحافظين، شغلت منصب نائبة في البرلمان منذ 2010، كما شغلت منصب وزيرة التنمية الدولية ما بين سنة 2016 إلى 2017.

الوزيرة التي تصنّف على أنها تنتمي للجناح الأكثر يمينيّة في الحزب المحافظ في بريطانيا، لها علاقات طويلة في توفير دعم سياسي لإسرائيل من داخل قبّة البرلمان البريطاني. فقد جرى تعيينها نائبة رئيس مجموعة «أصدقاء إسرائيل المحافظون» وهي جماعة ضغط سياسي هدفها تعزيز العلاقات مع إسرائيل ودعمها من داخل قبّة البرلمان، بالإضافة إلى تعزيز الروابط بين حزب المحافظين البريطاني، وحزب الليكود الإسرائيلي اليميني المتطرّف، وتقدّم الدعم المادي لمرشّحي الحزب من أجل تبنّي سياسات أكثر قربًا من إسرائيل.

وفي سنة 2017 تعرّضت بريتي باتل لانتقادات لاذعة أجبرتها على الاستقالة من منصبها وزيرةً للتنمية الدولية في حكومة تيريزا ماي، حين كشفت الصحافة عن لقاءات سريّة مع شخصيات سياسية على أعلى مستوى في إسرائيل دون علم وزارة الخارجية، وذلك رفقة الرئيس الشرفي لمجموعة «أصدقاء إسرائيل المحافظون»؛ وبسبب طبيعة اللقاءات السريّ، وعدم إخطار الدبلوماسيين البريطانيين أو وزارة الخارجية بهذه اللقاءات وفحواها، جرى اتهام بريتي باتل من طرف حزب العمّال المعارض بأنّه تسعى إلى التقرّب من مانحي الأموال المقرّبين من إسرائيل لدعم حملات ترشّحها المستقبلية.

وعليه طالب بعض أعضاء البرلمان من حزب العمّال باستقالتها وفتح تحقيق حول الحادثة. أما بريتي باتل فقد برّرت هذه الزيارة باعتبارها مجرّد «عطلة خاصة»، وأن وزير الخارجية حينها بوريس جونسون كان على علم بهذه اللقاءات.

Embed from Getty Images

بريتي باتل وزيرة الداخلية البريطانية

وقد تضمّنت رحلة الوزيرة البريطانية، زيارة إلى هضبة الجولان المحتلّ، ولقاءات مع مسؤولين إسرائيليين على أعلى مستوى، من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالإضافة إلى عضو المجلس الوزاري المصغّر جلعاد أردان، المسؤول عن جهود إسرائيل الدولية لإيقاف حركة مقاطعة إسرائيل «بي دي إس».

ما أثار الجدل حول الزيارة السريّة لإسرائيل واحتمالية تأثيرها على صناعة القرار في بريطانيا، هي طبيعة المنصب الذي شغلته باتل حينها، فوزارة التنمية الدولية هي جهة مؤسسة رسمية تموّل العديد من الجهات المنتقدة لإسرائيل، إذ تشرف على تمويل السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى جهات حقوقية مثل «آمنستي أنترناشيونال». وقد ضغطت إسرائيل على هذه الوزارة من أجل قطع الدعم عن السلطة الفلسطينية بسبب الأموال التي تدفعها السلطة لعائلات السجناء والشهداء الفلسطينيين المتورّطين في هجمات ضد الإسرائيليين.

البيئة العربية تعادي المقاومة واللوبي الإسرائيلي يزداد توغلًا

وعن أسباب هذا القرار أرجع بعض النشطاء الفلسطينيون، من بينهم عزّام التميمي، أسباب هذا القرار إلى إلى التغيّرات الإستراتيجية التي يعرفها العالم العربي، وما سمّاه بـ»تغيّر البيئة العربية التي تتحوّلت من بيئة شبه حاضنة للمقاومة ولحركة حماس إلى بيئة معادية للمقاومة» بالنظر إلى عمليات التطبيع المتزايد مثلما حدث السنة الماضية مع كل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب؛ مّا شجّع اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا على اعتنام الفرصة وكسب مساحات جديدة للتضييق على الحركة الفلسطينية.

فيما لم يتفاجأ آخرون من هذا القرار أو توقيته بالنظر إلى تاريخ وزيرة الداخلية بريتي باتل وارتباطاتها المعروفة مع اللوبي الإسرائيلي المتغلغل في الساحة السياسية البريطانية، ورأوا أن قرارًا مثل هذا جرى بالتنسيق التام مع الحكومة الإسرائيلية.

وعن الآثار المتوقّعة لهذا القرار، فقد قلّل الكاتب الفلسطيني حاتم أبو زايدة من انعكاساته في تصريحه لـ«العربي الجديد»، خصوصًا أن الحركة الفلسطينية لا تملك مكاتب رسمية أو غير رسمية داخل الأراضي البريطانية لتخشى من التضييق والمحاكمة. لكن الأثر الحقيقي لهذا القرار ليس التضييق على حماس نفسها، بل «تجريم كل ما هو فلسطيني»، خصوصًا مع الدعم الشعبي الكبير الذي أصبحت تحوزه القضية الفسلطينية في الشارع البريطاني، ولعل أبرز مظاهرها المشاركة الواسعة في المظاهرة التي عرفتها العاصمة البريطانية لندن في يونيو الماضي رفضًا للحرب الإسرائيلية على غزة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد