حسام الهندي
حسام الهندي

2,331

شابٌ في الـ19 من عمره انتقلت عائلته للتو إلى مصر، هربًا من أوضاع تتبدل في الداخل الليبي وكتاب أخضر يرسم مستقبلًا أحمرَ بلون الدماء، ثمانينيّات تحمل ملامح تغيير عنيف في الوطن العربي، ففي مصر ووسط قادة الجيش يُغتال الرئيس السادات، وفي ليبيا يدعو العقيد القذافي الجماهير لتكسير الآلات الموسيقية وحرق الكتب الغربية في الميادين، أما في الخليج تدور حرب طاحنة بين العراق وإيران، ودول النفط تزداد ثراءً.

وطنٌ مخيف لجيل لم يعرف سببًا لما يجري واتخذت أغلبيته قرارًا بالهروب، وكان من أبناء ذلك الجيل شخصٌ أطلق عليه مجدد موسيقى جيله، كما يعرفه بعض المهتمين بالفنون، أو موسيقي الجيل كما كان يكتب على أغلفة ألبوماته، وبين الألقاب كان لأصدقائه وزملائه اسم واحد هو «حميد الشاعري»، أو «كابو» (قائد) لأبرز مجموعة مطربين ومغنين في فترة الثمانينيات والتسعينيات.

الهروب للجديد

عنف وخوف تسببت فيه أنظمة دفعت المصريين للهروب، وتعددت أشكاله، سواء كان بسمت ديني أو سياسي، لمواجهة اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، أو للبحث عن المال في دول النفط. في وقتها وقف الكثيرون يبحثون عن ملجأ للهروب دون إملاء من فكر أو تيار أو مؤثر خارجي أو عمل شاق تحت وطأة الكفيل.

كان من بين هؤلاء حميد، الذي اختار الهروب للسعادة عبر أغان حرة بلا قيود أو قواعد، بعيدًا عن العامية السياسية التي تغنى بها اليسار بمطالبه الاجتماعية، ومفارقًا فُصحى تربت عليها أجيال سابقة، كما رفض التداخل كثيرًا مع الشعبي بحكمه ومواعظه التي تجتاح الحارة المصرية كما كان الحال مع أحمد عدوية.

اقرأ أيضًا: عدوية.. تاريخ الشارع المصري في أغانٍ شعبية «رغم أنف المثقفين»

حياة حميد مزيجٌ من هروب إلى هروب، بدايته الفنية كانت من لندن خلال دراسته للطيران واستخدام استديو خاص ليعزف ويسجل ما يراه معبرًا عنه، ومع انتقال عائلته الليبية إلى مصر عاد معها إلى بلد أمه، وانطلق من هناك مشواره الفني عبر ألبومه الأوّل «عيونها» من إنتاج عام 1983، والذي شارك فيه أشقاؤه محسن ومجدي الشاعري، كما شاركه وحيد حمدي، وهو صاحب الفضل في تعريف شركة الإنتاج «سونار» بحميد، إذ إن وحيد كان قد حصل على بعض ما سجله حميد من موسيقى في لندن، وأقنع بها شركة سونار، فيما كان تنفيذ الموسيقى لفريق المزداوية إحدى الفرق المعروفة في ليبيا وقتها.

الفشل الذريع كان من نصيب الألبوم الأول لحميد، إذ كان للون الموسيقي والصوت واللكنة أثر كبير على انتشار الأغاني، فحاول حميد من جديد الهرب ولكن حبه للموسيقى منعه ثم انطلق في الألبوم الثاني وبعدها انطلق حميد في عشرات الأغاني كمغن وملحن وموزع.

وخلال مشوار «حميد» لم يكن إلا «كابّو» يخترع النجوم، فلكل نجم شكل معين مختلف ولون موسيقي مختلف، ولا يتوقف حميد على تقديم البعض في أغان من ألحانه أو توزيعه فقط، لا بل يشاركهم شخصيًا أغان وكليبات ويعد من أشهر الكليبات التي كانت سببًا رئيسًا في شهرة بعض النجوم.

حميد والنجوم

شاب بشارب، يظهر في كليب «جلجلي» ظهورًا خاصًا وهو يرقص مع حميد الشاعري، ليعرف بعد ذلك على أنه المطرب الشاب هشام عبّاس. لم يكن مشهورًا قبل دفع حميد به إلى عالم الشهرة هو وغيره. جيل كامل كان اسم حميد فيه معطوفًا على أسماء اُخرى ممن باتوا نجومًا كان لحميد أيادي فضل في شهرتهم ونجوميتهم، كهشام عباس ومصطفى قمر وسيمون وعلاء عبد الخالق.

وُلد حميد عام 1961، لأب ليبي وأم مصرية توفيت قبل وصوله سن 13 عامًا، وله نحو 15 أخًا وأُختًا من أمهات مختلفات. وعلى ما يبدو فقد صنع تعدد الإخوة من حميد شخصًا مُحبًا للمشاركة، فمن النادر أن ترى أغنية معروفة ومشهورة لحميد دون نجم بصحبته فهو نفسه لا يرى أنه مغنٍ وإنما مُؤدٍّ، قد لا تسمع صوته جيدًا في بعض الأحيان للتأثيرات السمعية التي يُضيفها على صوته وتجعل منه أشبه بالصدى.

ولم يكن هشام عباس الاكتشاف الوحيد لحميد، ولا سيمون ومصطفى قمر فقط، فهناك أيضًا إيهاب توفيق في ألبومي «إكمنّي» و«مراسيل»، وهناك أيضًا حنان ومنى عبد الغني بعد أن قدّمهم حميد للجمهور بصورة مختلفة عن تلك التي قدموا بها قبلًا على يد مكتشفهما ومؤسس فريق الأصدقاء الفنان عمّار الشريعي.

ويمكنك رُؤية الفرق الشاسع بين الشكل وطريقة الغناء التي ظهر بها الثلاثي علاء عبد الخالق وحنان ومنى عبد الغني، منفردين مع حميد الشاعري، بعد إنهاء تجمعهم في فرقة الأصدقاء مع الموسيقار عمار الشريعي، مع الوضع في الاعتبار اختلاف اللون الغنائي، لكن هناك روح شبابية ظهروا بها مختلفةً عن ظهورهم الأول مع الشريعي.

منى عبد الغني على سبيل المثال وفي أغنيتها «يلا يا أصحاب» قدمت نوعًا خفيفًا ومختلفًا وكذلك حنان في أغنية «بسمة» وحصدت بسببها جائزة أفضل مغنية بوب عربي من فرنسا عام 1989، وكذلك أغنية «اضحك بقى»، أما علاء عبد الخالق فيعد من أكثر المطربين عملًا مع حميد. وليومنا هذا لا يخجل حميد من الظهور مع وجه شاب في كليبات، وتقديمه بشكل هادئ وجيد.

ابتسم.. أنت في مدرسة حميد

لم يكن حميد فقط مكتشف الشباب من النجوم، فوفقًا لبعض الروايات هو من أقنع أحمد منيب المطرب والملحن وأستاذ محمد منير، بالغناء وإنتاج ألبوم «مشتاقين» عام 1984، ومن المعروف عن منيب أنه ملحن من الوزن الثقيل، ويكفي أن محمد منير يتباهى بكونه تلميذًا لمنيب.

وقدّم حميد توزيعات للألبوم مُستخدمًا «السقفة» التي كانت سمة معظم توزيعات حميد، كما استخدم «كورس» من الأطفال في اُغنية «الدنيا برد» وهي من كلمات فؤاد حداد، ليأتي الألبوم مبهجًا ومرحًا وبسيطًا، مع المحافظة على ألحان منيب وطريقته الوقورة.

البساطة والانطلاق عاملان أساسيان في عمل حميد المنطلق في عالم الفن دون دراسة أكاديمية أو خبرة مُسبقة، فقط فطرة مُوسيقية. ينبش في التراث أحيانًا ويُخفي صوته دائمًا. وبإمكان من يحن إلى الماضي من جيل الآباء الجدد في مصر والعالم العربي حاليًا، البحث عبر الإنترنت عن أغانيه مع سيمون مثل «بتكلم جد» ومصطفى قمر «آه يا غزالي» وغيرهم من النجوم، حتى الأغاني الحزينة بطولة إيهاب توفيق آنذاك، استطاع حميد أن يجعلها برتم مرح غير مُفرط في الكآبة، ففي فترة ما كان المصريون يرقصون في الأفراح على أُغنية «مراسيل» لإيهاب توفيق رغم أنها أُغنية حزينة، موضوعها جفاء الحبيب. كذلك قدّم الشاعري علي الحجار بشكل جديد في الزين والزينة بتوزيع للحن من الفلكلور الليبي.

ومن أبرز توزيعات حميد عبر تاريخه، أغنية حبيبي يا نور العين لعمرو دياب، باستخدام جديد ومتفرد لبعض الآلات الموسيقية كالدف، والتي حازت جائرة الميوزك أوورد عام 1998، كما تعد أشهر توزيعات حميد أغنية «لولاكي» للمطرب علي حميدة، والتي أحدثت في زمانها انقلابًا في سوق الكاسيت والأغنية رغم فقر الكلمات الشديد فيها، إلا أن اللحن والتوزيع كان لهما أكبر أثر في انتشارها.

«قشر البندق» و«الفالصو والدهب»

تعرض حميد لهجوم كبير من بعض الوجوه القديمة، وعلى رأسها الملحن حلمي بكر، الذي كان اتهامه لحميد أنه مُلحّن موزّع غير دارس، وأنه يقدم أصواتًا ضعيفة، قبل أن تدور الأيام ويعمل الاثنان مع بعضهما في أوبريت الحلم العربي عام 1998، وخلال المشوار الفني لحميد، تعرّض لبعض الهجوم غير المنطقي، الذي أحاله إلى نظام معمر القذافي.

وفي عام 1992 أصدرت نقابة الموسيقيين قرارًا بمنع حميد عن العمل واستمر الأمر لأربع سنوات كاملة، بدعوى أنه لم يسدد اشتراك النقابة لمدة سنة، رغم زهد ثمن الاشتراك آنذاك. كما أن حميد ظل لفترة يُنتج ألحانه ويكتبها بأسماء أُخرى هربًا مما قال إنه تربص من قبل معمر القذافي، الذي وفقًا لحميد كان «يرفض أن يكون هناك ليبي متفوق في أي مكان».

وخلال فترة التوقف استطاع حميد أن يشارك في فيلم «قشر البندق» وغنّى ووزع ولحّن كافة أغانيه، بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية للفيلم. ولاقت تلك الأُغنيات انتشارًا كبيرًا في وقتها، ويذكر حميد في سياق ذلك أنّ أُغنية «الفالصو والدهب» كانت تحمل إشارات لمن سانده خلال فترة منعه من العمل في مصر.

قليل من الجد

في عام 1986 أُنتج ألبوم «أكيد» الذي شارك فيه كل من حميد الشاعري ومحمد منير بالإضافة إلى علاء عبد الخالق وحنان وسوزان. واختير اسم الألبوم عن أغنية جمعت منير وحميد، من كلمات الشاعر عبد الرحمن أبو سنّة وهي أُغنية «أكيد».

وعلى عكس طابع حميد، تغلب على الألبوم الموسيقى الهادئة الحزينة، وتقول كلماتها: «بحلم يا صاحبي يكون لنا.. حقيقة صافية في عمرنا.. بحلم بعالم فيه قلوب.. بريئة دافية تضمنا.. عالم جديد يمكن بعيد لكن أكيد هيكون لنا.. بحلم أشوف الكون عمار.. بدنيا ما تعرف دمار.. بحلم بعالم ليل نهار.. يطرح محبة في أرضنا.. عالم جديد يمكن بعيد.. لكن أكيد هيكون لنا.. بحلم وبهرب للخيال.. للحب والخير والجمال.. بحلم بعالم مش محال.. يبقى حقيقة في يدنا.. عالم جديد يمكن بعيد.. لكن أكيد هيكون لنا».

عندما تعرف أن تلك الأغنية كتبت تعليقًا على حادث انفجار المفاعل النووي تشرنوبل، وتسربات الإشعاع النووي في المنطقة المحيطة به، تكتشف أنك أمام تيار فني مختلف، أسس لمرحلة الهروب إلى عالم موازٍ، مستخدمًا كلمات وطريقة غير مباشرة، باكيًا على الكون والحب، داعيًا للهروب للخيال والجمال والخير، وعلى ما يبدو فإن «أبو سنة» استطاع قراءة أفكار حميد، وهي على العكس من أفكار منير، الذي التزم لفترات طويلة بالمباشرة والأغاني التي حملت شيئًا من الطابع السياسي.

واستمر نفس الأداء من حميد في الأغاني ذات الطابع السياسي إذ يحولها بلحن وكلمات أصحابها لأغنية إنسانية، وذلك ما حدث مع أغنية «اسمي بشر» من كلمات الشاعر جمال بخيت، وأغنية «العالم قام» والتي كانت ضمن ألبوم صدر عام 1991 عقب حرب الخليج الثانية واجتياح الجيش العراقي للكويت.