يقول المقري عن أهل الأندلس: «كانوا أشد خلق الله اعتناءً بما يلبسون وما يفرشون، وفيهم من لا يكون عنده إلا قوت يومه، فيطوي يومه صائمًا، ويبتاع صابونًا يغسل به ثيابه ولا يظهر فيها على حالة تنبو العين عنها».

كانت الحمامات من المرافق الحيوية في المدن العربية، وقد اهتم بها أهل الأندلس اهتمامًا يفوق بكثير اهتمام المدن في الشرق، فقِيل إن عددها في مدينة قرطبة بلغ 3711 حمامًا في نهاية القرن الرابع الهجري، وفي روايات أنها فاقت 700 حمام في عهد المنصور بن أبي عامر، وإن كان في بعض هذه الأرقام شيء من المبالغة، لكنه ينبئ عن المكانة التي احتلتها الحمامات العربية في عمارة الأندلس حتى أن عددها كان يشير إلى مكانة المدينة وأهميتها، فكيف بدت حمامات الأندلس العربية، وما الذي بقى منها؟

حمامات الأندلس.. استرخاء ونظافة وتجارة أحيانًا 

كان لحمامات الأندلس وظائف متعددة في النسيج المجتمعي. فقد كانت أحد وجوه الإبداع الإنساني بتصميمها ومعمارها، ومظهر من المظاهر الصحية وملتقى للحياة الاجتماعية يجمع الناس من مختلف المهن والثقافات، وكانت فضاء للمناظرات الثقافية والأدبية ومنتدى لتبادل الأخبار معرفة أحوال الناس، والأعراس والمآتم، ومعرضًا لأعمال الحرفيين وبضاعة المزينين والعشابين أيضًا، بحسب ما ذكره دكتور أحمد بلحاج آية وارهام، في كتابه «ديوان الحمامات».

وغالبًا ما كانت الحمامات تُبنى حول المساجد في المدن الأندلسية إذ كانت وظيفتها الأساسية الطهارة، فضلًا عما توزع منها قرب الفنادق وفي بقية أنحاء المدن وما حولها. ولم تكن الحمامات العربية في الأندلس بفخامة الحمامات الرومانية مثلًا، التي كان أساسها الترفيه وإقامة علاقات اجتماعية. فكانت تتكون فقط من مرحاض وثلاث أو أربع حجرات تغطيها أقبية، تدخل منها الشمس فتوفر الضوء نهارًا وتضاء ليلًا بالشموع والشمعدانات، وتطورت عمارة حمامات الأندلس بعد ذلك، فصار بكل حمام ميضأة بحيث يمكن للزائر التوجه مباشرة إلى المسجد.

كانت الحجرات مخصصة للاستحمام، بحيث يتدرج الزائر في الدخول أولًا إلى البيت البارد لخلع ثيابه، ثم البيت الأوسط الدافئ، ثم البيت الساخن، ويكون به قِدر من النحاس تخرج منه أنابيب تحمل الماء إلى أحواض من الرخام أو الحجر، ويعمل بالحمام خادم يحك جسم الزائر بقفاز من الشعر. 

ويقول د. إسماعيل سامعي في كتابه «تاريخ الأندلس الاقتصادي والاجتماعي»، أن قرب الباب كان يجلس رجل على كرسي عالٍ مسؤول عن حفظ ملابس المستحمين ومتعلقاتهم، وتقديم المناشف لهم، وكانت الحمامات تخضع لرقابة المحتسب الذي يشرف على أمور، منها أن تكون الصهاريج مغطاة حتى لا تتعرض للنجاسة، وبأن يتجول الحكّاك والحجّام في الحمام بسراويل بيضاء نظيفة.

كان من مهام المحتسبين أيضًا التأكد من نظافة الادوات في الحمام بأن تُنقع في الماء والملح كل ليلة، والتأكد من غسل ثياب الحكاكين والعاملين كل يوم أيضًا، وإلزام أصحاب الحمامات بتخصيص من يقوم بحماية أغراض الزائرين من السرقة، وتخصيص قائمات على الحمام في الأوقات المخصصة للنساء، إذ قُّسِمت الأوقات في الحمامات بين الرجال والنساء، وكانت ملكًا للدولة أو تابعة للمساجد، أما أهل الذمة من اليهود و«النصارى» فكانت لهم حمامات خاصة، بحسب ما ذكره سامعي.

حمامات الأندلس الأكثر ترفًا وبهاءً

كانت حمامات المدن المهمة أكثر ترفًا، فيزين الخزف أسفل جدرانها ويعلوه الرسوم وبها صنابير نحاسية ونوافير تزينها تماثيل الحيوانات. وكانت التماثيل الرومانية تُستخدم أحيانًا لتجميلها. وقد عُثر على أحد هذه التماثيل التي كانت تزين حمامًا في إشبيلية في القرن الحادي عشر ميلاديًا؛ وهو تمثال لامرأة تُرضع طفلًا ويهاجمهما ثعبان، تنظر إليه المرأة في ذعر ممتزج بالحنان. وتحكي الوثائق كيف كان أهل إشبيلية القادمون من القرى يُمضون الوقت في تأمل التمثال، وكيف كان الشعراء يطلقون فيه القصائد، بحسب ما ذكره د. محمد عبد الوهاب خلاف، في كتابه «قرطبة الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي».

ويذكر د. عدنان خلف سرهيد، أنه كان لبني نصر في غرناطة حمامات خاصة داخل منازلهم، فضلًا عن حمام قصر الحمراء الذي يعتبر آية في روعة التصميم وفخامته. إذ كانت للحمامات في ذلك العصر دوًرا كبيرًا في المجتمع. فكان ملتقى للحديث في أمور السياسة، ومعالجة بعض الأمراض، وحلاقة الشعر وبيع بعض أدوات الزينة للنساء، وكان موضوعًا للشعر أحيانًا.

تاريخ الحمامات في الأندلس

سبق بناء الحمامات العربية الأندلس، بناء الحمامات الرومانية قبل قرون من وصول المسلمون، لكن حٌرّم استعمال الحمامات في القرن الثامن الميلادي، فاندثرت لدى الإسبان هذه العادة، ثم عادت من جديد على يد المسلمين، وعرفت مدن وقرى قشتالة الحمامات العامة في العصور الوسطى.  

لاحقًا – في القرن السابع الهجري والثالث عشر الميلادي – وتحديدًا في عهد ألفونسو العاشر، ترك المسيحيون القشتاليون استخدام الحمام وصار الاستحمام في إسبانيا وأوروبا عادة وثنية تعتبر زندقة جريمة كبرى، وصار ترك الاستحمام من ظاهر القداسة والتقرب إلى الله. فلم يغتسل ملك فرنسا لويس الرابع عشر في حياته أبدًا وكان يكتفي بالعطور والدهان، وكانت الملكة إيزابيل تفتخر بأنها لم تستحم في حياتها إلا مرتين، يوم ولادتها وليلة عرسها.

وبعد سقوط غرناطة صار ارتياد حمامات الأندلس العامة إشارة إلى أن المرء يدين بالإسلام، إلى أن منعت محاكم التفتيش الاغتسال، وشرعت في هدم الحمامات فقضت على أغلبها.

حمامات قصور الخلافة.. ليست للاغتسال والاسترخاء فقط

لم تكن حمامات القصور، مقصورة على الاغتسال فقط، فقد كانت حمامات قصور الخلافة مكانًا للتخلص من الأعداء أحيانًا، ومن الحكام أحيانًا أخرى. ففي قرطبة تسلل ثلاثة من فتيان القصر الصقالبة إلى حمام القصر فقتلوا الخليفة علي بن حمود عام 408 هجريًا، وفي عام 414 اختبأ الخليفة المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام من العامة الثائرين ضده في الحمام، لكنهم كشفوا أمره وقتلوه. 

كذلك شهد حمام القصر في إشبيلية تخلص حاكمها المعتضد بن عباد من ثلاثة من أمراء البربر الذين استعصى عليه الاستيلاء على إماراتهم في جنوب الأندلس، فخدعهم وطلب منهم زيارته، وأرسل الفرسان لاستقبالهم، وبالغ في إكرامهم؛ فخصص لهم أحد قصوره للإقامة فيها، ودعاهم للاستمتاع بحمام دافئ، ثم أمر بإغلاق الأبواب والنوافذ وتركهم يختنقون بالبخار الساخن. 

الأندلس حاضرة هنا.. سياحة الحمامات العربية في إسبانيا

أشهر حمامات الأندلس التي بقيت في إسبانيا إلى اليوم، هو حمام قصر الصمادحية والذي يُعد أجمل حمامات ألمرية وأفخمها. وكذلك حمام الجوزة في غرناطة الذي بُني في عهد باديس بن حبوس، أحد ملوك الطوائف من عائلة بنو زيري،.وقد نجا الحمام من التدمير في عصر الملوك الكاثوليك، ويقع على الضفة اليمنى من نهر الدارو ويعود بناؤه إلى القرن الخامس الهجري، وقد سُمي في بعض الحقب بـ«حمام القصور».

ومن أفضل حمامات الأندلس العربية في إسبانيا اليوم؛ أحد أقدم مباني غرناطة والمعروف باسم «البانيويلو»، والذي أُعلن عام 1918 معلمًا أثريًا، وافتُتح عام 1998 من جديد، وتملكه شركة إسبانية شرعت مثل شركات أخرى للاستثمار بهذا المجال في قرطبة وملقة ومدريد. 

مجتمع

منذ سنتين
من كتاب التاريخ.. كيف مارس الموريسكيون شعائرهم الدينية سرًا في إسبانيا؟

يتوسط الفناء في مدخل الحمام بركة مياه، وتحتوي القاعة الرئيسة للحمام على رواق في شكل ممر مزخرف ومسقوف، ويزين الطريق إلى القاعة أقواس على هيئة حدوة حصان تقف على أعمدة ذات تيجان مأخوذة من آثار عمرانية قديمة أُعيد استخدامها في بناء الحمام.

وكان الضوء يتسلل إلى قاعات الحمام من خلال فتحات أو نوافذ صغيرة مثمنة الزوايا أو نجمية الشكل صُنعت للتهوية وتنظيم الهواء، وكانت تُقفل بقطع زجاجية متعددة الألوان.

وقد بُنيت الجدران باستعمال طبقات سميكة من ملاط الجير والرمل والماء بحيث يُعزل الحمام بشكل جيد عن حرارة المحيط الخارجي، وكانت الحوائط محاطة بمواسير الهواء الساخن لضبط الحرارة، أما الأرضيات فتُسخّن من خلال فرن مقام تحتها.

جدير بالذكر أن عدة شركات إسبانية تعمل حاليًا على إحياء الثقافة الأندلسية بإقامة حمامات عربية في المدن الأندلسية مثل قرطبة، وغرناطة، وملقة، ومدريد تعتمد على بقايا المباني الأثرية القديمة، وتتكون بشكل أساسي من الغرف الثلاث: الباردة والدافئة والساخنة، وتستغرق زيارة الحمام ساعة ونصف بين الغرف الثلاث، انتهاءً بغرفة الاستراحة، ويعيش زائروها أجواءً تاريخية تمتزج فيها الأضواء بالموسيقى الأندلسية الهادئة والروائح العطرية من الياسمين وغيرها لتحقق لهم الاسترخاء، كما تبقت أطلال حمامات أخرى لا يزال بالإمكان زيارتها في قصر الحمراء ومايوركا وغيرهما من أنحاء الأندلس.

المصادر

تحميل المزيد