في شهر مارس الماضي، صعق قاضٍ مصري العالم بإصداره أحكامًا بالإعدام على 529 شخصًا بسبب قتلهم ضابط شرطة واحد فقط. وفي 28 أبريل الماضي تفوق ذات القاضي على نفسه، بالحكم على 683 شخصًا آخرين بالإعدام شنقًا وذلك في قضية منفصلة. وقد تخطى مجموع أحكام الإعدام تلك التي صدرت في غضون شهر واحد عدد من أعدموا في جميع أنحاء العالم العام الماضي، باستثناء الصين، ويقترب من عدد الأشخاص الذين أعدمتهم أمريكا صعقًا بالكهرباء أو بالغاز والبالغ 1378 شخصًا منذ إعادة العمل بعقوبة الإعدام مرة أخرى عام 1976.

إلا أن أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان قد لا يقدم على تنفيذ تلك الأحكام القاتلة. فجزء صغير من هؤلاء المدانين تحتجزهم الشرطة، كما ينص القانون المصري على إعادة المحاكمة تلقائيًا لأي شخص حكم عليه غيابيًا، عند تسليم نفسه إلى القاضي، وكان القاضي سعيد يوسف قد خفف كل الأحكام بالفعل إلى السجن المؤبد باستثناء 37 شخصًا من جملة المحكوم عليهم، وذلك على ما يبدو بناءً على نصيحة المفتي الأكبر، وهو يمثل السلطة الدينية، المعين من طرف الحكومة، والذي يمكنه أيضًا رفض تنفيذ تلك الأحكام الجماعية.

علاوة على ذلك، أمرت النيابة العامة في مصر بإجراء مراجعة قضائية للمحاكمتين. بالنظر إلى أن المحامين يزعمون وجود العديد من المخالفات، بدءًا من استخدام التعذيب ضد موكليهم، إلى فشل القاضي في النظر في رزمة من الأدلة، وتأكيدات بأن بعض المتهمين كانوا في الخارج، أو يعانون من الشلل، أو حتى متوفين في وقت ارتكاب الجريمة المزعومة، لذا فمن المحتمل جدا أن نقض تلك الأحكام سوف يغير من قناعات السيد يوسف.

ومع ذلك ومن جوانب عدة، فقد وقع الضرر بالفعل، ليس فقط بالنسبة لمئات من الأشخاص معظمهم من الفقراء، بل إن الأسر الريفية التي ينتمي إليها المحكوم عليهم قد انقلب حالها أيضًا. أثارت حماسة السيد يوسف عاصفة من الإدانة في جميع أنحاء العالم، وكذلك في مصر. ففي رد مباشر على الأحكام، تحرك أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي لمنع تسليم المساعدات العسكرية إلى مصر مستقبلاً. وقد أثار ذلك تساؤلات حول قرار إدارة أوباما الأخير باستئناف الإمدادات المتعاقد عليها سابقًا من المعدات العسكرية، وذلك في خطوة منها تهدف إلى تخفيف التوترات بعد الانقلاب بين أمريكا وما كان ذات يوم حليفها العربي الأكثر أهمية.

إن شبح عمليات الشنق الواسعة قد أذكى ايضًا روح التعاطف مع الإخوان المسلمين، التي تكافح للحفاظ على زخم الاحتجاجات منذ الإطاحة بها في الانقلاب الذي وقع في يوليو الماضي. ولا يمثل المدانون سوى جزء بسيط من عدد المعتقلين الذي يقدر بحوالي 16000 شخص، معظمهم من أعضاء جماعة الإخوان أو مؤيديها، الذين زج بهم في السجون المصرية منذ الانقلاب. وتشير الأدلة إلى امتلاء السجون عن آخرها ووجود عمليات تعذيب بصفة روتينية وغيرها من الانتهاكات. وفي 30 أبريل دعا هؤلاء المعتقلون إلى إضراب عن الطعام ليوم واحد في جميع السجون المصرية احتجاجًا على ذلك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد