يلاحظ الزائر لتونس، ولا سيما جزئها الغربي الشمالي، رواج ملصق «حنبعل» كاسم يُطلق على العديد من الفنادق، والمحلات، والأماكن، إشارة إلى القائد القرطاجي الشاب حنبعل، المصنف لدى المؤرخين باعتباره واحدًا من أعظم الجنرالات العسكريين القدماء، جنبًا إلى جنب مع فيليب المقدوني، والإسكندر الأكبر، ويوليوس قيصر، وسكيبيو أفريكانوس، وبيروس.

فقبل 2500 عام كانت قرطاج، المدينة الواقعة في تونس حاليًا، مركزًا تجاريًا وحضاريًا متناميًا، تؤوي 300 ألف ساكن في مساحة صغيرة؛ ما جعل القرطاجيين يبتكرون في ذلك الوقت «بنايات» من عدة طوابق لإيواء الجميع، كما شيدوا الحمامات العمومية، ونظام صرف صحي، وصهاريج ضخمة لتخزين المياه، وهي أشياء لم تزل تفتقر إليها ساكنة المناطق الفقيرة في العديد من الدول حول العالم، حتى يومنا هذا.

وعلى جانب آخر كانت قرطاج أيضًا قوة عسكرية بحرية مهيبة في العالم القديم، مُسيطرة على معظم جنوب البحر الأبيض المتوسط، من المغرب إلى ليبيا، لكن مع ظهور الجمهورية الرومانية بإيطاليا، في القرن الثالث قبل الميلاد، سيبدأ الصدام مع أعظم حضارتين في ذلك الوقت، وفي ظل هذه الفترة العصيبة عاش القائد العسكري حنبعل.

«لا تكن أبدًا صديقًا لروما».. حنعبل يعبر جبال الألب بجيش من الفيلة!

وُلد حنبعل عام 247 قبل الميلاد في قرطاج (تونس حاليًا)، التي كانت إمبراطورية تجارية كبرى في شمال أفريقيا. كان والده، هاميلكار باركا، جنرالًا كبيرًا في الجيش، حارب الرومان خلال الحرب البونيقية الأولى (264-241 قبل الميلاد)، في أول اشتباك لهم مع جمهورية روما الوليدة.

لكن القرطاجيين خسروا تلك الحرب ووقعوا معاهدة سلام مُهينة، جرّدتهم من أراضي الجزر في البحر الأبيض المتوسط، وطالبتهم بتعويضات مالية ضخمة لصالح روما، وبسبب ذلك ساد الانتقام في قرطاج، حتى أن هاميلكار أوصى ابنه حنبعل وهو صغير بأن لا يكون أبدًا صديقًا لروما.

بعد وفاة والده في إحدى المعارك تولى صهر حنبعل، المسمى صدربعل المعرض، قيادة الجيش ووقع معاهدة سلام مع روما تفيد بعدم عبور أي من الجانبين نهر إيبرو، ولم يلبث طويلًا حتى جرى اغتياله، ليتولى بعده حنبعل البالغ من العمر 26 عامًا وقتها قيادة جيش قرطاج.

تمثال لقائد قرطاج حنبعل من نحت سيباستيان سلودتز 1704، متحف اللوفر بباريس

حينئذ كانت قرطاج الفينيقية تطمح لاستعادة ثرواتها، وإعادة بناء قواتها، وكذا الانتقام من روما، فتوجه حنبعل بجيشه إلى مدينة «ساغونتوم»، المتواجدة في إسبانيا حاليًا، والتي كانت تدين آنذاك بالولاء لروما.

بعد حصار دام ثمانية أشهر استولى حنبعل على ساغونتوم في عام 218 قبل الميلاد، لترسل روما إنذارًا أخيرا لقرطاج بتسليم حنبعل، أو مواجهة الحرب، ومن ثمة انهارت معاهدة السلام، ولم يعد هناك مفر من مواجهة الرومان.

هناك استخدم حنبعل إسبانيا قاعدة لجمع الرجال والأموال من أجل الاستعداد للمعركة القادمة، وبالفعل جهَّز جيشًا هائلًا يضم مرتزقة من إسبانيا، وشمال أفريقيا، والغال، كان قسم كبير منهم مدفوعين بالكراهية لروما أكثر من الولاء لحنبعل، وأعلن الحرب على الجمهورية الرومانية، لتبدأ الحرب البونيقية الثانية (تعني «الفينيقية» باللاتينية).

عوضًا عن انتظار قدوم الرومان، قرّر حنبعل نقل المعركة إلى أراضيهم، وأخذ طريقًا مختصرًا مستحيلًا عبر جبال الألب نحو شمال إيطاليا، مع جيشه المكون من حوالي 40 ألف جندي من المشاة و8 آلاف من الفرسان و38 فيلًا، عابرًا التضاريس الوعرة، والطقس العاصف، والقبائل المحلية.

لكن حين وصل الجانب الآخر بعد 17 يومًا، كانت قوة حنبعل قد استنفدت نصفها تقريبًا، وانقضت معظم الأفيال، التي كانت تقوم مقام الدبابة في الحروب القديمة، ومع ذلك فسرعان ما استعاد حنبعل قوة جيشه، من خلال تجنيد جنود من السكان المحليين عبر تقديم نفسه على أنه «المحرر» من سطوة الرومان.

سلسلة انتصارات كبيرة للقائد الشاب

لم تصدق روما عبور حنبعل بجيشه وسط تضاريس جبال الألب الصعبة، حتى فوجئت بقواته على حدودها، فأرسلت جيشين لمواجهة القائد القرطاجي، الأول تحت قيادة سكيبيو كورنيليوس، والذي سُحق بسهولة في معركة تيكينيس، أما الجيش الثاني، بقيادة تيبيريوس سمبرونيوس لونغوس، استُدرج بذكاء إلى أرض مواتية قبل محاصرته تمامًا.

أدى هذا الانتصار في أول مواجهة لحنبعل مع جيوش روما، إلى تحول ولاء المدن المحلية لقضيته، وبذلك تَقوت جيوشه بالأعداد، وتشجع أكثر نحو التحرك جنوبًا باتجاه العاصمة روما في ربيع عام 217 قبل الميلاد.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
«معجونين بالدماء».. هكذا بلغت سادية أباطرة روما القديمة حد الجنون

علمت روما باقترابه، وأغلقت الطريقين الرئيسيين المؤديين للعاصمة بجيشين آخرين، بقيادة سيلفيوس وآخر بإشراف فلامينيوس، إلا أن حنبعل اتخذ طريقًا ثالثًا عبر وادي نهر أرنو، وهو عبارة عن مستنقع كبير، اعتبره الرومان طريقًا غير سالك وتركوه بدون حراسة، غير أن جيش حنبعل اجتازه في غضون أربعة أيام فقط، على الرغم من الخسائر البشرية الباهظة أثناء العبور، حتى أن حنبعل نفسه فقد إحدى عينيه، وبذلك ترك الجيوش الرومانية خلفه، فلم يجد جيش فلامينيوس خيارًا سوى اللحاق به على عجل عبر طريق المستنقع.

كانت قوات حنبعل تنتظرهم على الضفة الأخرى من البحيرة، ففاجأت الرومان الناجين من رحلة العبور الموحشة بكمين، أتى على حوالي 30 ألف جندي روماني، فيما جرى حصار جيش سيرفيليوس بهجوم مفاجئ من قبائل الغال الموالي لحنبعل.

وهكذا باتت روما على مرمى حجر، إلا أن جيش حنبعل كان قد ترك جميع معدات الحصار على الجانب الآخر من جبال الألب الشاهقة، وبالتالي قرر تجاوز روما، والبدء في شن حملته وسط وجنوب إيطاليا على أمل خلق ثورة محلية.

فيما بدا أنه محاولة أخيرة لإنقاذ جمهوريتهم الوليدة من القائد القرطاجي؛ عينت روما الجنرال فابيوس ماكسيموس لقيادة جيوشها، والذي لجأ إلى إستراتيجية مختلفة عن سابقيه، ورفض الدخول في معركة مفتوحة ضد القائد الشاب، وبدلًا عن ذلك اختار مطاردته حول إيطاليا في حروب استنزاف صغيرة.

بيد أن هذا التكتيك أثار غضب روما لجبن هذه الطريقة في القتال، وانتخبت روما قائدين جديدين، فارو وباولوس، لقيادة جيش موحد قوامه 80 ألف جندي، ومواجهة القائد الشاب.

عندما التقى الجيشان في معركة حاسمة أظهر حنبعل براعته الإستراتيجية مرة أخرى؛ إذ وضع متعمدًا قوة هشة في الوسط، فتقدمت صفوف الجيوش الرومانية مندفعة للأمام، لتحكم قوات حنبعل قبضتها على الرومان على شكل هلال، فوجد الرومان أنفسهم محاصرين من كلا الجانبين، ثم تفاجأوا بهجوم من الفرسان من مؤخرتهم، فلم يجدوا مهربًا.

وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 70 ألف روماني لقوا حتفهم في تلك المعركة؛ مما يجعلها أكبر هزيمة تلقتها روما على الإطلاق في تاريخها.

فهمت روما أخيرًا الدرس الذي كان فابيوس يحاول تبنيه، ورفضت الدخول في معركة مفتوحة مرة أخرى. وهكذا وصلت حرب حنبعل في إيطاليا إلى طريق مسدود، مع رفض قرطاج المدينة إرسال الإمدادات ومعدات الحصار للجانب الآخر لاقتحام روما، ولم يتمكن القائد القرطاجي من الاستيلاء على عاصمة الرومان، لتنتهي رحلة غزوه في إيطاليا بعد 15 عامًا، عائدًا إلى شمال أفريقيا.

لكن.. «ما طار طير وارتفع» 

كان الرومان لا يعرفون الاستسلام ويثابرون إلى النهاية حتى مع الخسائر الفادحة، كما أنهم كانوا يستفيدون من أخطائهم، ويجيدون تعلم تكتيكات خصومهم والتكيف معها، مع شهية لا حدود لها في التوسع؛ مما صعّب على حنبعل تحقيق نصر حاسم رغم عبقريته العسكرية.

لم يرض الرومان بتركه إلى حال سبيله بعدما عاد إلى الديار مبتعدًا عن روما، بل أرادوا تدمير قرطاج التي كادت تقضي على جمهوريتهم الوليدة، وهكذا أرسلوا جيشًا بقيادة سكيبيو، الذي غزا القبائل الموالية للقائد القرطاجي في إسبانيا، ثم توجه نحو قرطاج، حيث سيواجه قوات حنبعل في معركة «زاما» عام 202 قبل الميلاد، آنذاك فقط تعرض القائد القرطاجي لهزيمة مدوية، لن يشفى منها أبدًا، لتنتهي الحرب البونيقية الثانية.

بعد تلك الحرب تنازلت قرطاج إلى روما عن جميع أراضيها خارج أفريقيا، وحلّت جيشها، بالإضافة إلى تعويضات وقيود شديدة فرضت عليها، ومن ثم بدأ القائد الشاب في التركيز على إدارة شؤون المدينة مبتعدًا عن المعارك، وبعد سنوات قليلة نجح في جعل قرطاج مزدهرة مرة أخرى، رغم التعويضات الثقيلة لروما، وهو ما أثار قلق الأخيرة.

مع تزايد التهديد من روما ومعاداة النبلاء القرطاجيين، قرر حنبعل الفرار من وطنه إلى الأناضول، حيث سيتقلد منصب المستشار العسكري للملك السلوقي أنطيوخوس الثالث، وبقي هناك إلى أن هزمت روما أنطيوخس في معركة ماغنيسيا عام 190 قبل الميلاد، وقرر الهرب مرة أخرى خوفًا من تسليمه كجزء من معاهدة السلام إلى بيثنيا (في غرب تركيا اليوم) لاجئًا إلى الملك بروسياس، ومع اقتراب القوات الرومانية من جديد، قرر أن ينتحر عن طريق شرب السم في عام 182 قبل الميلاد.

في نهاية الحرب البونيقية الثالثة احتلت روما قرطاج ودمرتها تمامًا، بالكاد بقي حجر فوق حجر آخر، وانتهى بمعظم سكان المدينة بالموت أو الاستعباد، لذلك لم يتبق اليوم سوى القليل من المآثر التاريخية لـ«قرطاج حنبعل» في تونس اليوم، رغم أنها كانت حضارة مزدهرة في وقت من الأوقات.

تاريخ

منذ سنة واحدة
«ناشيونال إنترست»: حرب الرومان على قرطاج.. حين دمرت الوحشية حضارة عظيمة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد