عندما يسمع أي شخص كلمة مستجوب أو محقق نازي في الحرب العالمية الثانية، قد يتخيل الأساليب الوحشية التي قد تُستخدم لاستخلاص المعلومات من الأسرى، في حرب يُحسب فيها أعداد القتلى بالملايين. لكن هانس شارف رفض كل أساليب التعذيب المعروفة، واستخدم أسلوبًا خاصًّا محيرًا للعقل، فريدًا في إنسانيته خلال حرب لا تعرف الإنسانية. وليس ذلك فحسب؛ إذ إن أسلوبه أثبت فاعلية عالية باستخلاص المعلومات حتى من الطيارين المدربين على مواجهة الاستجوابات الوحشية.

«استجوب هانس شارف أكثر من 500 طيار أمريكي وبريطاني، مدربين على مواجهة الاستجوابات وعدم تقديم معلومات، لكن شارف أكد أنه حصل على معلومات مفيدة من الجميع باستثناء حوالي 20 منهم».

دائمًا ما نسمع عن مطاردة وسجن النازيين بعد الحرب، لكن هانس شارف دُعي لإلقاء محاضرات في البنتاجون، ومُنح الجنسية الأمريكية! كيف ولماذا حدث هذا؟

في هذا التقرير نتناول سيرة هانس شارف، ولماذا أُطلق عليه المستجوب الأعظم؟ ومحاور استراتيجية تقنية شارف، ولماذا عادت الولايات المتحدة لدراسة أسلوبه واختباره، بعد فشل أساليب التعذيب مع المتهمين بقضايا الإرهاب؟

المستجوب النازي الأعظم.. أصبح نازيًّا ومستجوبًا بالصدفة

ولد هانس يواكيم غوتلوب شارف في 16 ديسمبر (كانون الأول) 1907 في راستنبرج، في روسيا الشرقية لعائلة ثرية، وكان والده ضابطًا بالجيش توفي خلال الحرب العالمية الأولى.

كان جده من جهة الأم يمتلك مصانع نسيج في جميع أنحاء ألمانيا، إذ نشأ هانس شارف في بيئة مرفهة بفيلا عائلية في لايبزيغ حيث درس الفن، وتعلم أيضًا عمل العائلة، بدءًا بالمنسوجات والنسيج قبل الانتقال إلى التسويق والتصدير؛ ولتدريبه على المبيعات، جرى إرساله إلى فرع شركة «Adlerwerke» في جنوب أفريقيا لمدة عام، وانتهى به الأمر بشكل جيد لدرجة أنهم جعلوه مديرًا. أثناء وجوده في جنوب أفريقيا، تزوج من مارغريت ستوكس، ابنة طيار بريطاني شهير، سجل خمسة انتصارات جوية في الحرب العالمية الأولى.

في عام 1939، عاد الزوجان وأطفالهما إلى ألمانيا لقضاء عطلة، فاندلعت الحرب العالمية الثانية، وجنده الجيش الألماني، وأرسله إلى بوتسدام للتدريب، من أجل إرساله إلى الجبهة الروسية.

أدركت زوجة هانس أنه سيحصل على فرصة أفضل للبقاء على قيد الحياة، إذا ظل بعيدًا عن جبهة الحرب قدر الإمكان. لذا أقنعت مارغريت السلطات باستخدامه مترجمًا فوريًّا؛ لأنه يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وأُرسلت برقية إلى وحدة هانس، بطلب نقله إلى فيسبادن في اليوم الذي كان مخططًا له أن يغادر إلى روسيا. لكن عندما وصل إلى فيسبادن، حاولت الشرطة العسكرية وضعه مع كتيبة أخرى متجهة إلى روسيا، لذلك استخدم هانس الاتصالات العائلية التي أوصلته إلى مدينة ماينز، حيث بدأ تدريبه في التنظيم العسكري. وجرى ترقيته إلى نائب عريف في عام 1943، ثم أرسلوه إلى فيسبادن، وكُلف بمهمة تعتمد على الأعمال الورقية.

سرعان ما شعر هانس بالملل من هذه الوظيفة، لذلك أوضح مرة أخرى أنه يجيد اللغة الإنجليزية وأنهم لا يستخدمون مواهبه بشكل أمثل. فأرسلوه إلى مركز الاستخبارات غرب أوبيرورسيل، خارج فرانكفورت. وكانت المنشأة مخصصة لاستجواب جميع أسرى الحلفاء عدا السوفيت، وهناك أصبح مساعد ضابط استجواب.

لماذا عُرف شارف هانس بالمستجوب الأعظم وما محاور استراتيجيته للاستجواب؟

بعد أن نجح في تجنب خطر القتال على الجبهة، بدأ تدريب شارف على الاستجوابات، لكنه لم يكن معجبًا بأساليب المدربين التي اعتمدت على الوحشية والتعذيب، رغم أن الألمان كان لديهم قائمة من التقنيات أقل عنفًا، فإن المدربين لم يروا أهمية لاستخدامها.

وتعهد شارف بأنه إذا أصبح المسؤول، فإن الأمور ستتغير. وجاءت الفرصة في أواخر عام 1943 عندما قُتل المدربون في تحطم طائرة. ونُقل شارف من الجيش إلى القوات الجوية، وعينوا له مساعدًا، وكُلف باستجواب أفراد القوات الجوية التابعة للجيش الأمريكي.

«سعيتُ بالمعاملة الإنسانية الحسنة لخلق بيئة للاستجواب، ينسى فيها الأسير أنه يجري استجوابه، مما يربك توقعاته وخططه التي تدرب عليها لمواجهة العنف والضغط الجسدي والنفسي في عملية الاستجواب». *هانس شارف

اعتمد شارف في الاستجواب على فهم وتخيل ما يفكر فيه الأسير، والتفكير من موقع الأسير؛ لتوقع سلوكه، وفهم الحيل، وطريقة تحكم الأسير بالمعلومات وإدارتها. إذ ترتكز محاولات الأسير على الموازنة ما بين الإفصاح عن كمٍ محدود من المعلومات للحصول على منفعة ما، أو تقليل الأضرار، وبين عدم الإفصاح عن معلومات محددة تعود بضرر كبير عليه أو على غيره. ولهذا يقدِّر الأسير، في بداية عملية الاستجواب، الموقف حول كم ونوعية المعلومات المعروفة مسبقًا عند المحقق؛ لتحديد طبيعة وحجم المعلومات التي سيسمح لنفسه بالإفصاح عنها، ويمكن تلخيص هذه العملية بالخطوات التالية:

1- لن أبوح بالكثير خلال الاستجواب.

2- سأحاول معرفة ما يبحثون عنه، وإعطاءهم معلومات غير مهمة.

3- لا جدوى لإنكار ما يعرفونه عني بالفعل.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
عملية فالكيري.. محاولة اغتيال هتلر التي تُمجدها ألمانيا وتُحيي ذكراها

وبعد فهم المحقق الخطة الدفاعية للأسير، يبدأ بإرباك تحكم وإدارة المعلومات لدى الأسير؛ لكي يصبح غير قادر على إدراك كمية المعلومات التي أفصح عنها وأهميتها، وغير قادر على تحديد المعلومات المهمة التي يريد المحقق معرفتها.

ويجري ذلك عن طريق خمس نقاط أساسية سُميت بعد ذلك بـ«تقنية شارف»:

1- التودد وبناء علاقة إنسانية مع الأسير، وإجراء محادثات ودية عميقة.

2- خلق وهم «نحن نعرف كل شيء بالفعل».

3- عدم الضغط للحصول على المعلومات.

4- تأكيد صحة المعلومات ونفيها.

5- تجاهل المعلومات المهمة عند الحصول عليها.

استخدم هانس شارف سلاح الود واللطف بطريقة فريدة؛ فبعد استدعاء السجين، كان شارف يتركه بمفرده لفترة قصيرة في مكتبه، الذي جُهز عن قصد بالمجلات الأمريكية، والسجائر، وملصقات لفتيات، بالإضافة إلى تصميم جميع المفروشات والديكورات لجعل السجين يشعر بأنه في وطنه، لكي يسترخي ويبدأ في خفض حذره، غالبًا ما فوجئ السجناء بمعاملة شارف واستقباله لهم، إذ حافظ شارف على التحية العسكرية واحترام الطيارين، واستقبالهم بزي مدني، وتحدث معهم باللغة الإنجليزية.

ليس ذلك فقط؛ فقد أخذ سجناء لعروض سنيمائية بالمخيم، وسمح للأسرى بارتداء ملابس مدنية للتنزه برفقتهم في الغابة المحيطة. وفي بعض الأحيان، كان يأخذهم إلى حديقة الحيوانات، وسمح لأحد الأسرى باختبار قيادة طائرة ألمانية، وبرغم ذلك لم يحاول أحد الهرب منه.

صورة أرشيفية لفكرة التنزه التي ابتدعها شارف

بعد بناء علاقة ودية، يبدأ شارف في خلق وهم «نحن نعرف كل شيء بالفعل»، استنادًا إلى المعلومات التي جمعها مساعدوه عن الطيارين، بالإضافة إلى المعلومات التي استخلصها من الأسرى الآخرين. إذ يوهم الأسرى بأنه كان يعرف أكثر مما كان يعرف، عن طريق سرد بعض المعلومات الشخصية؛ لإشعاره بأنه يعرف كل شيء عن الأسير وزملائه، من أجل تشويش وعي الأسير بأهمية المعلومات المهمة وغير المهمة، مما حث الطيارين على التعاون أكثر، والشعور بأن أي معلومات سيقدمونها كانت معروفة بالفعل، وليس من المنطقي أن ينكروا المعلومات. كما كان شارف يتجاهل المعلومات المهمة عند الحصول عليها، فيستمر الأسير في التحدث دون الانتباه للمعلومات التي تتساقط منه.

«ماذا أخذ مني؟ أنا متأكد أنه استخرج مني معلومة ما، ولكن ليس لدي أدنى فكرة عن ماهية هذه المعلومة» *العقيد الطيار هربرت زيمكي، أحد الذين خضعوا لاستجواب شارف

اعتمد هانس شارف أيضًا على سرد المعلومات وانتظار التأكيد أو النفي من الأسير من خلال المحادثة، ومثالًا على ذلك، طلب قادة شارف منه معرفة لغز حير الألمان بشأن إطلاق الطيارين الأمريكيين ذخيرة خطاطة تصدر وميضًا أبيض قبل عودتهم إلى قاعدتهم، مع شيوع أن هذه الذخائر تصدر وميضًا أحمر بعد الإطلاق.

فبعد محادثة طويلة بين شارف وأحد الطياريين أثناء المشي بالخارج، والتي سبقها مناقشة حول أنماط الحياة المختلفة بين الأمريكيين والأوروبيين، قال شارف: «من المؤسف أن أمريكا لم يكن لديها خبرة كافية لصنع ذخيرة ذات وميض أحمر مثل الذخائر الإنجليزية، يبدو أن لديكم مشكلة بنفاد المواد الكيميائية المستخدمة بصناعة الرصاص الذي يصدر وميضًا أحمر بعد الإطلاق، إذ إن الرصاص الذي يصدر وميضًا أبيض يصعب رؤيته وتتبعه»، ليجيبه الطيار الأمريكي: «أنت مجنون هانس! ليس لدينا أي مشكلات بهذا الرصاص؛ الرصاص الذي يصدر وميضًا أبيض ليس سوى طريقتنا الخاصة لتحذير أنفسنا من نفاد الذخيرة بالطائرة».

Embed from Getty Images

صورة للذخائر الخطاطة الحمراء

ولِحثِّ الأسرى على تأكيد صحة المعلومات التي يدعيها شارف أو نفيها، كان يخبر السجين بأنه بحاجة إلى بعض الأدلة أو تأكيد أن الأسير طيارًا، وليس جاسوسًا، وبالتالي يحق له أن يعامل معاملة أسير الحرب والتمتع بجميع الحقوق والامتيازات التي توفرها اتفاقيات لاهاي وجنيف، وأنه إذا لم يحصل على هذا التأكيد، فقد يُعامل السجين كجاسوس ويسلم إلى الجستابو سيئ السمعة. (لكنه لم يفعل ذلك أبدًا، ولم يعاقب الطيار الشهير جابي جابريسكي رغم عدم تعاونه معه).

أمريكا تمنح هانس شارف الجنسية وتعود لـ«تقنية شارف» بعد فشل أساليب التعذيب

بعد الحرب لم ينس المسؤولون العسكريون الأمريكيون  تقنية هذا المستجوب الفريد؛ ففي عام 1948، دُعي شارف إلى البنتاجون لإلقاء محاضرات حول أساليب الاستجواب، ودمج الجيش الأمريكي في وقت لاحق أسلوبه في مناهج مدارس الاستجواب، وما يزال يُدرس في الجيش الأمريكي.

حصل شارف على الجنسية الأمريكية، وتفرغ للعمل بفن الفُسَيْفِسَاء، وتوفي في عام 1992، قبل بدء الحرب الأمريكية على الإرهاب. لكن أساليبه بدأت تعود للواجهة مرة أخرى بسبب الجدل حول أساليب الاستجواب القاسية (أو الاستجواب المعزز)، التي استخدمتها إدارة جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

لذلك بدأت وحدة الاستجواب التي يقودها مكتب التحقيقات الفيدرالي في تمويل الأبحاث لتحليل أساليب الاستجواب المختلفة علميًّا لمعرفة أكثر الأساليب فاعلية. برغم أن أساليب شارف معروفة منذ وقت طويل للمسؤولين الأمريكيين، فإن البحث أكد لأول مرة أفضليته بالفعل.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مترجم: تعرف إلى إحدى خطط هتلر المجنونة في الحرب العالمية الثانية.. وكيف انتهت؟

أثبت بار أندرس جرانهاج، أستاذ علم النفس بجامعة جوتنبرج المتخصص في تقنية هانس شارف بمختبره، أن تقنية شارف أكثر فاعلية في الحصول على معلومات صادقة أكثر من اتباع أسلوب أكثر مباشرة ومواجهة.

في إحدى تجاربه، جرى إعطاء المشاركين في المعمل تفاصيل حول مخطط خيالي لتفجير مركز للتسوق، وقيل لهم إنهم سيحصلون على رواتبهم بناءً على مدى قدرتهم على الظهور متعاونين مع محققيهم، دون تقديم الكثير من المعلومات، كما لو كانوا إرهابيين يحاولون الاحتيال على الشرطة.

وجد جرانهاج أن الباحثين (المستجوِبين) الذين يستخدمون تقنية شارف قد حصلوا على معلومات من المشاركين أكثر من أولئك الذين يستخدمون أساليب مباشرة أخرى وأكثر تصادمية. واعتقد المشاركون الذين أجريت معهم المقابلات باستخدام تقنية شارف، أنهم كشفوا معلومات أقل بكثير مما فعلوا بالفعل.

قال جرانهاج والباحثون الآخرون إن الأبحاث تشير إلى أفضلية تقنية شارف عن أساليب التعذيب، لكنهم لم يختبروا أساليب التعذيب بالتجارب لأسباب أخلاقية، وفي تقرير صدر عن مجلس الشيوخ عام 2014، وُجِد أن استخدام وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) للتعذيب (الاستجواب المعزز) فشل في وقف أي مؤامرات، وأدى في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية.

المصادر

تحميل المزيد