لا بد لأي أجنبي يحاول تعلّم اللغة العربية أن يسمع بقاموس اسم مؤلّفه هانز فير.

أشهر قاموس في العالم من العربية للإنجليزية، ومن العربية للألمانية، وهو أكثرها مبيعًا. ولكن قصّة هذا القاموس وصاحبه أثارت الجدل مؤخرًا بعد أكثر من نصف قرن لصدور أوّل نسخة منه، إذ تطرّق طلاب في جامعات أمريكية لمسألة انضمام مؤلف القاموس، هانز فير، للحزب النازي الألماني، وطلبت بعض المجموعات سحب القاموس من مكاتب الجامعات وعدم استخدامه بسبب انتماءات مؤلّفه السياسية.

فكيف بدأ مشروع القاموس، وما علاقته بكتاب «كفاحي» لأدولف هتلر زعيم النازية الألمانية؟

ترجمة سيّئة لكتاب «كفاحي» سهّلت ميلاد قاموس هانز فير

قصّة القاموس العربي الأشهر ليست متعلّقة باللغويات فقط، بل كانت جزءًا من تاريخ سياسي مثير إبان السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية.

لا يمكن إغفال التقارب بين العديد من الحركات الوطنية العربية والحكومة الألمانية، التي قادها هتلر منذ 1933، فالعالم العربي كان آنذاك محتلًا من فرنسا وبريطانيا، خصوم ألمانيا، فسعت نخب عربية للتقرب من ألمانيا لمجابهة قوى الاستعمار المحتلّة للشرق.

غلاف كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر.

وقد استغلّت ألمانيا هذه المشاعر المعادية لبريطانيا وفرنسا لبناء علاقات لها مع العالم العربي، لحدّ تدريب بعض الحركات المسلحة في العالم العربي ولقاء زعمائها، ولعل أشهر لقاء منها الذي جمع الحاج أمين احلسيني، مفتي فلسطين، والزعيم الألماني هتلر، وذلك للتنسيق في مساحات اهتمام مشتركة مثل قتال سلطة الانتداب البريطانية في فلسطين، بالإضافة لبعض الاتصالات مع شخصيات جزائرية للمساعدة على القتال ضد الاستعمار الفرنسي.

وانتشرت في الثلاثينيات باللغة العربية نُسخ لكتاب هتلر، «كفاحي»، لكن السفير الألماني في العراق لاحظ أن بعض المقاطع في الترجمة الأولية قد تكون مؤذية لمشاعر العرب، خصوصًا لاحتواء الكتاب على مقاطع تركّز على معاداة السامية، إذ إن العرب من الشعوب السامية، واقترح أن يُغيّر مصطلح «معاداة السامية» إلى «معاداة اليهود».

غلاف قاموس هانز فير من العربية إلى الإنجليزية.

انغمس صاحب القاموس الأشهر في دراساته حول أدب اللغة العربية وتاريخ العالم العربي وثقافته، ودرس العديد من اللغات الشرقية بالإضافة إلى تاريخ الأديان والآثار المصرية وغيرها، وبدأ مشروعه شيئًا فشيئًا يتشكل ليصبح القاموس الشهير الذي يُعرف باسمه: هانز فير.

وبسبب ترجمات سابقة ضعيفة أو خاطئة لكتاب «كفاحي»، حوت أخطاء مهينة للعرب أحيانًا، وروّجت لأخبار مثل أن الحزب النازي يضع العرب في المرتبة الـ14 بين الأجناس عند هتلر وأتباعه، ما كان له أثر سلبي على جهود البروبجاندا النازيّة في العالم العربي، ومن هنا جاءت الحاجة لترجمة أدقّ للكتاب. وقد كان مشروع هانز فير مثاليًا بالنسبة للنازيين للاستفادة منه لهذا الغرض.

وقد حاول هانز فير إقناع وزارة الخارجية الألمانية بضرورة التحالف مع العرب ضد بريطانيا وفرنسا، وضد الحركة الصهيونية في فلسطين، إلاّ أن وزارة الخارجية الألمانية في ذلك الحين لم تكن مهتمّة إلا بمشروع هانز فير البحثي المتمثّل في قاموسه الشهير، وذلك للاستعانة بالقاموس في التحقق من ترجمة كتاب «كفاحي» إلى اللغة العربية، بشكل أكثر دقّة من الترجمات السابقة.

وبالفعل أشرفت السلطات الألمانية على ترجمة الكتاب، وطلبت المعونة من فير للتوثّق من صحة الترجمة، وسمحت له بمتابعة العمل على قاموسه الذي انتهى منه في 1945.

هيدفيج كلاين.. يهودية ساهمت في القاموس وقتلتها النازية

لقاموس فير قصّة تراجيدية مرتبطة به، لباحثة يهوديّة مختصّة في اللغة العربية ساهمت في إعداد القاموس الذي كان من المفترض أن يساعد في ترجمة كتاب هتلر الأشهر «كفاحي». ولكن هذا لم يشفع لها أمام النازيين إذ قُتلت هيدفيج كلاين في معسكر أوشفيتز سنة 1942.

ترى كاترين فانبي، أستاذة لغة عربيّة في جامعة مينيسوتا، أنّ الباحثة اليهودية لم تُقدّر مساهمتها المهمة في مشروع القاموس بما فيه الكفاية، وأن قصتها نادرًا ما تستحضر عند الحديث عن القاموس الذي شاركت فيه أثناء عملها بجامعة هامبورج الألمانية.

 

هيدفيج كلاين. مصدر الصورة: موقع قنطرة.

ولدت هيدفيج كلاين سنة 1911، وفقدت والدها وهي في سن الخامسة إذ قتل في الحرب العالمية الأولى، ودرست في جامعة هامبورج وتخصّصت في ثلاثة مجالات: العلوم الإسلامية، والدراسات السامية، وفقه اللغة الإنجليزية.

دراسة كلاين الجامعية تزامنت مع فترة الثلاثينيات العصيبة على يهود ألمانيا، وشهدت صعود الحزب النازي إلى السلطة وتضييقه الخناق على اليهود ومجموعات أخرى على عدة مستويات، فبعد التقدّم لشهادة الدكتوراه عن أطروحتها حول مخطوطة عربية لتاريخ فجر الإسلام سنة 1937، رفضت إدارة الجامعة إعطاءها الدرجة العلمية بحجّة أن الدكتوراة قد مُنعت عن اليهود ابتداءً من أبريل (نيسان) 1937.

واستطاعت إقناع إدارة الجامعة بمنحها الدرجة العلمية برسالة مطوّلة توضّح فيها كيف أن والدها اليهودي توفي دفاعًا عن ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وكُتب تحت درجتها: «يهودية، مقبولة استثناءً»، ولكن القبول سُحب منها بعد التصعيد النازيّ لاحقًا ضد اليهود.

سعت هيدفيج للهرب وساعدها الجغرافي الاقتصادي كارل أوغوست راتينس، وأرسل لها دعوة للقدوم لبومباي الهندية وسيلةً للهرب، وبالفعل ركبت كلاين السفينة المتجهة إلى الهند معتقدة أنها أفلتت من قبضة النازية، ولكن السفينة توقّفت وعادت أدراجها مع اندلاع الحرب العالمية الثانية إثر هجوم ألمانيا على بولندا.

وحاول بعض أساتذتها مساعدتها بوصلها بهانز فير، وبدأت بإرسال مساهمات وترجمات أفادت العاملين بمشروع القاموس، وقد حاول مسؤولها آرثر شاد إنقاذها من قبضة الشرطة السرية التي تعتقل اليهود، بتأكيده على أهمية مساهمتها في هذا المشروع القومي، ولكن اعتقلت في النهاية عامَ 1941، وأرسلت إلى معسكر أوشفيتز سيئ السمعة، وقُتلت هناك هي وأمها وأختها وجدّتها.

هانز فير. مصدر الصورة: ويكي

وبعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، مثُل هانز فير أمام لجنة إزالة النازية، ودافع عن نفسه بالحديث عن علاقته مع الباحثة هيدفيج، وأنّه حاول إنقاذها باستقدامها للعمل معه على القاموس، وحكمت عليه اللجنة بأنه «متعاون بلا رأي» مع الحزب النازي، أي أنه ليس منخرطًا أو ناشطًا في صفوفه عن قناعة راسخة، وحكم عليه بدفع غرامة ماليّة.

القاموس الذي دُعم في الأساس للتوثّق من ترجمات كتاب كفاحي لهتلر، لم يطبع إلا بعد الحرب سنة 1952، ويعتبر أكثر القواميس العربية استخدامًا في العالم وحاز على عدّة طبعات، وقد ذكرت الباحثة اليهودية في المقدّمة التي كتبها هانز فير.

بالطبع هذه القصة تطرح تساؤلات عن المسافة بين العمل الفكري وصاحبه، وسيرة فير العملية في ألمانيا النازية تشبه سير مؤلفين وعلماء ألمان بارزين آخرين، مثل الفيلسوف السياسي كارل شميت، الذي تجاهلت الأكاديميا الغربية أعماله لفترة من الزمن بسبب مواقفه السياسية أثناء الحكم النازي لألمانيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد