لا يعلم أن على هذه الأرض حياة، فقط يعلم أن هناك موسيقى تنبعث منها حياة؛ وضع حياته رهنًا لموسيقى يصنعها لأجيال عاش بينهم، وأجيال أخرى تنتظر المزيد مِنه، وبوسعك أن تتعرف على حياته كاملة إن أجدت سماع الموسيقى كما أجاد هو صنعها، فبين جملة موسيقية وأخرى يكمن جزء من حياته، جمل موسيقية قصيرة تحمل 75 عامًا عاشها، إنه الموسيقار المصري هاني شنودة.

مكالمة هاتفية طويلة؛ جرى فيها عبر الأثير حوار بين «ساسة بوست» وهاني شنودة، روى لنا فيها رحلته التي هي الآن سطور أدناه، وكنا تطلعنا أيضًا للنفاذ إلى روح موسيقاه، وحين أخبرنا شنودة بذلك؛ ضحك؛ فـ«موسيقاه هي موسيقى المصريين، كل المصريين» حسب اعتقاده.

بعيدًا عن زحام القاهرة، وتحديدًا في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، ولد هاني شنودة عام 1943، وعلى مقربة من مسجد السيد البدوي تربى الطفل مستمعًا في الأمسيات إلى الإنشاد الصوفي؛ وفي الصباح يتوجه إلى الكنيسة مع أمه ليرنّم مع الشماسين، ووسط هذا كان البيانو جزءًا من روتين البيت، أمه تعزف فيرنو الطفل، ولم يكن يعرف أن خلف شباك منزلهم أناس يؤمنون بأن الموسيقي رفاهية؛ فقد ظل يعتقد أن الموسيقى هي بدء الحياة ومنتهاها.
الأم هي البيت والصديقة والأخت، كانت أمه تخبره حينًا بالموسيقى أوامر فينفذها للتو، وإن طالبته بأوامر دون موسيقى يتكاسل كأي طفل، «كانت أمي لو حد موجود وعايزة تقولي حاجة ومحدش يفهمها تقولي بالبيانو، تلعبها بالبيانو، فأنا أفهم على طول واعمل اللي هي قالته».
هاني شنودة الطفل الذي بدأ يكبر لم يكترث بمتاعب الحياة كما اكترث باقتناص جمل موسيقية تمر في ذهنه لحظات وتختفي، فكان ينظر من بيته علي المارة ليستقي منهم جملًا جديدة، لكن هذا الشغف لا يصنع المال، ربما يصنع المجد، أما هو فكان جل همه الموسيقي وفقط، وقاده الشغف إلى فرقة صغيرة في نادي طنطا الرياضي؛ يقدم معهم العروض الموسيقية وهو في سن الرابعة عشر تقريبًا، بل كان يتلقى أجرًا رغم حداثة سنه.

الموسيقار التائه في قاهرة نجيب محفوظ

جمع هاني شنودة أقل ما يمكن جمعه حين ترك منزل أبويه ليأتي إلي القاهرة عام 1960، لم يكن مهمومًا بالحقائب قدر ما كان مهمومًا بما سيقدمه من موسيقى، أتي الشاب كطالب في كلية التربية الموسيقية، والتحق بعدها بـ«الكونسرفتوار» (المعهد العالي للموسيقى) وفي شوارع القاهرة بدأ رحلته الموسيقية، وانخرط في العزف مع الفرق الموسيقية التي تكونت في تلك الفترة لتعزف الموسيقى الأجنبية في النوادي الليلية بالفنادق؛ بعد أن ترك الموسيقيين الأجانب مصر وعادوا إلي أوطانهم، كانت قرارات التأميم تسري على الفنادق، والاشتراكية تأخذ منحنى غير معروف العواقب.

يقول هاني شنودة في حوار سابق له: «جمهورنا فى بداية الستينات كانوا كلهم خواجات، المصريون ابتدوا يحضروا حفلاتنا لما ابتدا منع الإسطوانات الأجنبية تخش مصر. من بداية سنة 65 الجمهور بقى كله مصري، الناس بطلت تجيب اسطوانات من أساسه بسبب الرقابة، إحنا شدِّينا الصنف ده من الناس، كنا بنهرَّب الأسطوانات زى البودرة عشان نلعبها في حفلاتنا، كنا نسمع الأسطوانة في الخفاء ونحفظها، المهم ابتدا كل المصريين يحضروا حفلاتنا اللي كنا بنغنى فيها بكل اللغات الأجنبية، جماهير مش هتتصور حجمها».

صدفة ألقت بنجيب محفوظ أديب نوبل؛ ليستمع إلى فرقة هاني شنودة في الإسكندرية، لم ينجذب محفوظ إلي الموسيقي الغربية التي قدموها بقدر ما تساءل لماذا لا يقدمون أغانٍ عربية؟ لم يكتم محفوظ السؤال عن هاني شنودة، والذي بمجرد طرحه؛ تساءل معه شنودة نفس السؤال، وكانت الإجابة فرقة المصريين.

«المصريين» وخلفهم ظل صلاح جاهين

صناعة فرقة موسيقية في بلد لها إرث موسيقي وثقافي كبير أمر صعب، والأصعب أن تكون حال الفرقة حال أبناء هذه البلد، ومما زاد الأمر صعوبة أن يكون اسم الفرقة «المصريين» فلا مناص من أن تمثل الفرقة طوائف المصريين المختلفة، وإلا فسيكون عبثًا اختيار الاسم، وبالتالي انتهاء التجربة، وكان هاني شنودة يعي ذلك جيدًا حين أسس الفرقة في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1977.

كان هاني شنودة محظوظًا حين قرر صلاح جاهين دعم فرقته الناشئة فكرًا ووعيًا، وخطت الفرقة، التي تكونت من تحسين يلمظ لاعبًا على الجيتار، وهاني الأزهري على الدرَمز، وممدوح قاسم للغناء، إلى جانب المغنية الرئيسة إيمان يونس، والتي استُبدلت بها لاحقًا منى عزيز، والمغني عمر فتحي – مشوارها بالألبوم الأول «بحبك لا» وهو الألبوم الذي حقق نجاحًا ملفتًا للنظر، وحتى لا يغفل أحد عن مشروعهم الغنائي وثقوا انطلاقة الفرقة وتاريخها بأغنية «8 ديسمبر 77»، والتي كتبها الشاعر عمر بطيشة،

كان يومًا لكل الناس، لكنه كان يومنا.. تاريخه في قلوبنا، في صحونا ونومنا.. زى الميلاد والموت.. مهما الليالى تفوت.. محفور على القلبين *هاني شنودة متحدثًاعن يوم الانطلاقة

بلسان مصري خالص تغنت الفرقة، سارت في حواري وأزقة القاهرة تستقي الكلمات وتغنيها، لا تزال أجيال تتذكر أغاني عبرت عنهم «لما كان البحر أزرق» و«ماشية السنيورة»، «متحسبوش يا بنات»، و«الشوارع حواديت»، 11 عامًا من الغناء، وستة ألبومات هي: «بحبك لا 1977» و«حرية 1979» و«بنات كتير 1980» و«ابدأ من جديد 1981» و«ماشية السنيورة 1985» و«حظ العدالة 1988»، وكان عام الألبوم الأخير هو نفسه عام إسدال الستار على الفرقة.

يقول هاني شنودة متحدثًا عن تلك الفترة: «أحد أسباب نجاح فرقة المصريين هو وجود الأستاذ صلاح جاهين معانا، لما مات حسيت إن الدنيا بلا معنى، ولما مات عبد الرحيم منصور، جزء منى مات، كنت مسنود عليهم زى أسدين قصر النيل»

خرجت الأسباب من يده: تركت إيمان يونس الغناء وكذلك مني عزيز، وتوفي تحسين يلمظ، بالأحرى عُقد الفرقة فرط، والنجاح كان كبيرًا، والاستمرار كان مخاطرة، جمّد هاني شنودة فرقته عام 1988، ولكن في 2010 عاد شنودة بها ثانية ولا يزال يعافر حتى الآن بوجوه شابة.

لماذا «شمس الزناتي»؟

لم يكن مشروع هاني شنودة الغنائي قاصرًا علي فرقة المصريين وفقط، بل كان حاضرًا كموسيقار في وضع الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات والسهرات الإذاعية، قدم شنودة ما يقرب من 121 مقطوعة موسيقية، لكن بين هذا كله كانت هناك مقطوعات خالدة، مثل «المشبوه»، و«الحريف»، و«شمس الزناتي».

والأخير تحديدًا تخطى تأثيره كل شيء، وصار علامة فارقة؛ ففي كل عام يطل علينا توزيع جديد له، وأحيانًا أغنية، مثل الحملة الدعائية لشركة «أورانج» للاتصالات «جاري يا جاري» والتي أطلت علينا في رمضان الجاري 2018، يقول هاني شنودة: «لحن شمس الزناتي من أشهر الموسيقي التصويرية التي قُدمت في الأفلام في مصر، هذا اللحن مر عليه 27 عامًا، ولا يزال حيًا، وسيظل أيضًا».

لم تكن شركة «أورانج» هي الشركة الأولى التي استغلت موسيقى «شمس الزناتي»، فهناك الكثير ممن صنعوا ذلك، لكن الفرق أن «أورانج» أخذت موافقة هاني شنودة احترامًا لحقوق الملكية الفكرية، على عكس الكثير الذين لم يذكروا اسمه.

يقول هاني شنودة لـ«ساسة بوست»: «شركة أورانج شركة عالمية واتخذت الخطوات الصحيحة القانونية في الاستعانة بموسيقي فيلم شمس الزناتي، وتحدثوا إليّ، وأيضًا اطلعت على كلمات الأغنية قبل إنتاجها. وما أزعجني أن شركة أورانج لم تقم بوضع اسمي على الإعلان، ولم تشر إلي شخصي، وهذا حقي الأدبي، ويمكن للشخص أن يتهاون في الحقوق المادية أما الأدبية، فلا يمكن التنازل عنه، لكن أنا مسامح لأن كل الناس تعرف أن هذا اللحن هو لحني».

يعلم هاني شنودة جيدًا لماذا عاش «شمس الزناتي» وسيظل؟ الفيلم الذي أنتج عام 1991 ومن بطولة عادل إمام ومحمود حميدة وإخراج سمير سيف، لا يزال حيًا بموسيقاه التصويرية، يقول هاني شنودة: «أنا بشوف الفيلم وقصته واتحدث عن فحواه، هذا لحن تعجبي، خمسة أبطال يذهبون لمحاربة مجموعة من المسلحين لإنقاذ قرية، فهل هذا معقول! فالجملة الموسيقية هنا تطرح سؤال تعجب؛ معقول! فتجد الجملة الموسيقية تظهر في وقت الانتصار، ووقت الفرح، ووقت الحزن، والإجابة تكون في بقية اللحن، نعم معقول؛ حين يكون هناك شجاعة وإقدام وأخلاق فتكون الإجابة: «أيوه، معقول».

قدم الموسيقار هشام خرما موسيقى «شمس الزناتي» بطريقته خاصة؛ في مقطوعة موسيقية تحت عنوان «ريمكس شمس الزناتي»، أما نجما المهرجانات الشعبية أوكا وأورتيجا فأخذا الموسيقي واللحن وقدماه في أغنية «جود بوي»، والتي صدرت في عام 2017، وكذلك فعل عازف الأورج محمد عبد السلام فيما عُرف بـ«مزمار عبسلام»، حتى أن أولتراس أهلاوي حين قدم أغنية أساطير النادي الأهلي استعان بموسيقى «شمس الزناتي».

يقول هاني شنودة: هذا اللحن وصل لعصب مصر؛ إلي سكان العشوائيات، لا يوجد فرح شعبي أو حتى افتتاح «دكان» لم يضع «شمس الزناتي» من ضمن قائمة الأغاني. المفارقة في شمس الزناتي لا تكمن في عبقرية اللحن، بل في التوجه للجماهير بخطاب يشبه حياتهم، شمس الزناتي تلمس وجدان كل من وقف حائرًا أمام الاختيارات المتعددة في الحياة، يقول شنودة: «ارتباط الناس بهذا اللحن قد يكون السبب فيه أن الناس دون أن تدري تضعه أمامه كعلامة استفهام في كل ما يقف أمامها من العوائق في الحياة».

«السلم الموسيقي» من نجاة إلى عدوية

لأن الموسيقى ليس لها حيّ تسكن به، فقد كان بإمكان هاني شنودة أن يمارس الطقوس الموسيقية المختلفة؛ مع أجيال مختلفة نوعًا وكيفًا وغناًء أيضًا، نجاة الصغيرة التي غنت القصائد بلغة عربية فصيحة، وكانت أغانيها تشبه جيلها في الأغاني الطويلة نوعًا ما؛ وفي لحظة تمرد تقع راغبًة في كلمات عبد الرحيم منصور وأغنية «أنا بعشق البحر»، ولعب شنودة هنا دور المحُلل لتنسجم الكلمات مع الصوت والموسيقى، فتخرج هذه الأغنية التي غناها محمد منير بعد ذلك، وكان هو من سجلها بصوته حين كان صغيرًا لتسمعها نجاة قبل غنائها.

«أجي من هنا زحمة.. أروح هنا زحمة.. هنا أو هنا زحمة» ربما إن جردت تلك الأغنية من صوت المطرب الشعبي أحمد عدوية وموسيقي هاني شنودة، وقرأتها منفصلة، لن تقتنع أن هذه الكلمات تصلح أغنية، لكن هنا يكمن الإبداع، فبمجرد مجيء كلمات حسن أبو عتمان إلى هاني شنودة، جعلها «زحمة» عدوية التي نعرفها وهي من أشهر أغانيه، وكان قد نصح عدوية الكثير من أصدقائه أن لا يغني هذه الأغنية، لكن عدوية أصر، وبالأخص أنه ألقى الكرة في ملعب مؤسس المصريين هاني شنودة، فكانت النتيجة حاسمة.  

محمد منير، الصوت النوبي الذي يحمل من بلاد الذهب مشاعر مختلفة؛ كان يحتاج لمشروعه الغنائي في البداية لملحن وموزع يستوعب كلمات عبد الرحيم منصور، ومجدي نجيب، ويزنها في ميزان الموسيقي ليتمكن منير من هضمها وغنائها، وكان هاني شنودة هو من تصدى لذلك. شارك شنودة الفنان أحمد منيب في تلحين الألبوم الأول «علموني عنيكي» مع التوزيع الكامل للألبوم، وأيضًا الألبوم الثاني «بنتولد».

هاني شنودة لم يكتفِ بالثلاثة السالف ذكرهم، فخاض في مشاريع شبابية آنذاك وجال وصال بداخل طبقات أصواتهم، عمرو دياب كان له نصيب من إرث شنودة الموسيقى، لحن شنودة له أربع أغانِ وهي: «يا طريق»، «الزمن»، «أحضان الجبل»، و«نور يا ليل». وأيضا علي الحجار، والذي لحن له عدة أغانٍ، أبرزها: «حنخبي ليه»، الموسيقار لا يكف عن التلحين والتوزيع وصنع الجمل الموسيقية التي بها يشعر أنه حيّ يُطرب.

تاريخ حافل للموسيقار هاني شنودة، لم يتوقف يومًا ولم يتعطل، لا يزال يصنع «البروفات» الخاصة بفرقة «المصريين» ويكمل مشواره الذي بدأ وحيدًا؛ وحصد فيه جائزة الدولة للتفوق عام 2015، ويتساءل دومًا لماذا تتجاهله الأوبرا بعد كل ما قدمه؟ قال لنا: «لم تدعني وزارة الثقافة لإقامة حفلات في دار الأوبرا المصرية»، ربما الآن هذا هو حلم هاني شنودة الصغير جدًا أمام أعماله الكبيرة: حفلة في دار الأوبرا وفقط!