غدًا النساء المصريات على موعد للاحتفال بـ«شم النسيم»، لكن هناك خطرًا أصبح معتادًا يحدق بهن، إنه خطر التحرش الذي قد تتعرض لها النساء والفتيات بكل سهولة دون أن تجد حماية.

ففي عام المرأة في مصر (2017) سجلت الشهور الماضية زيادة في نسبة التحرش الجنسي بكافة أشكاله وفي معظم المناطق المصرية، إذ لم يعد نشاط المتحرشين خاص بالأعياد والمناسبات العامة، فأكثر من نصف المصريات يُتحرّش بهن يوميًا خلال تحركاتهن للعمل أو الدراسة أو غير ذلك، ولم تعد ظاهرة التحرش خاصة بالعاصمة القاهرة، فقد انتقلت بسرعة إلى المحافظات، وإلى المناطق الريفية، وانتقلت من المناطق العامة والمقاهي والأسواق إلى أماكن العمل والنقابات المهنية، وإلى السجون أيضًا.

مصر الثانية عالميًا في التحرش

في اليوم الأول من الشهر الحالي، وفي مجتمع ريفي محافظ صعع سكان مدينة الزقازيق (دلتا النيل/شمالاً) بحادثة تحرش جماعي، حين أقدم ستة شباب على محاصرة فتاة والتحرش بها، الفتاة التي استغاثت بالأهالي، سارعت للاحتماء بمقهى لحين وصول الشرطة، وكما جاء في بيان مديرية أمن الشرقية، فقد قام: «شباب بالتحرش بفتاة (19 عامًا) بالزقازيق، قالت التحقيقات إنها كانت عائدة من حفل زفاف بملابس قصيرة جًدا، وشاهدها شاب فتحرش بها لفظيًا وجذبها من يدها وأثار الشباب نحوها».

هذه القضية على وجه التحديد أظهرت ما يشبه جريمة أخرى تزامنت مع جريمة التحرش، حيث أظهر بيان الشرطة وتصريحات مسئولين أمنيين خاصة قول مدير أمن الشرقية بأن «أصل البنت كانت لابسة قصير» تبرير أجهزة الدولة بأن  التحرش سببه ملابس الفتاة، وهو ما اعتبر تطبيعًا مع الجريمة، كما كانت تغطية بعض وسائل الإعلام تحريضية حسب ناشطات مصريات.

المجتمع المصري  أيضًا في 13 مارس (آذار) الماضي، عاش تجربة مؤلمة وإن حفتها سخرية كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، فحادثة تحرش طفل عمره سبع سنوات،قام بتقبيل واحتضان زميلته في المدرسة، كشفت عن ثقافة مجتمعية سلبية، عندما طلب والد الطفل من أهل الطفلة إبعاد ابنتهم عن طفله، وقال حرفيًا «اللي عنده معزة يربطها»، حدث ذلك قبل أن يفيق هذا المجتمع من جريمة اغتصاب طفلة لم تبلغ العامين من عمرها في محافظة الدقهلية (دلتا النيل/شمالا)، عرفت بقضية «اغتصاب طفلة البامبرز».

تقول ‏مديرة برنامج الوصول للعدالة‏ لدى مؤسسة قضايا المرأة المصرية «‏جواهر الطاهر» أن من أهم الأسباب التي أدت لزيادة التحرش في المجتمع المصري هي عدم وجود آليات واضحة من قبل الدولة لمكافحة التحرش، وتأسف جواهر لعدم معرفة الكثير من المصريات عن وجود مواد قانونية تحميهم، أو وجود وحدة مكافحة العنف ضد المرأة في أقسام الشرطة، وتضيف جواهر أنه من ضمن أسباب زيادة التحرش وجود نسبة كبيرة من الشباب العاطلين، وتصفهم بالقول باللهجة المصرية «دول مش وراهم حاجة غير قعدة القهاوي ومعاكسة البنات»، إضافة إلى عدم تبني خطاب توعوي لمكافحة التحرش، ولا تستبعد الطاهر خلال حديثها لـ«ـساسة بوست» تسبب تردي الوضع الأمني في تمادي حالات التحرش في فترة من الفترات، وقالت إن ميدان التحرير يشهد على حالات كثيرة، وتشير الطاهر إلى وجود حملات كثيرة قام عليها المجتمع المدني، كحملة توعية سائقي «التكاتك» الذي اشتهر عن الكثير منهم القيام بالتحرش، كما أن هناك حملات  لتوعية الفتيات بحقوقهن، في اللجوء للقضاء ضد المتحرشين، وتابعت القول: «في المقابل لا يوجد أية مبادرات للمؤسسات الدولة، كالمجلس القومي للمرأة.. لا يوجد خطة واضحة».

وتظهر دراسة هيئة الأمم المتحدة للمرأة بمصر : «أن 99.3 هي نسبة النساء اللاتي تعرضن للتحرش في مصر، و96.5 تعرضن للتحرش بلمس أجسادهن»، وتظهر أرقام بحسب المركز المصري لحقوق المرأة أن: «64 في المئة من المصريات يتعرضون للتحرش بصفة يومية، و33 في المئة منهن تعرضن أكثر من مرة للتحرش، ولكن ليس بصفة يومية»، وتحتل مصر المرتبة الثانية عالميًا بعد أفغانستان في نسبة التحرش، وتظهر أرقام رسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في ديسمبر (كانون الأول) 2016، أن: «أكثر من 49 في المئة من الفتيات اللاتي يعشن في المناطق العشوائية في مصر، يتعرضن للتحرش الجسدي واللفظي».

نظام السيسي وتزايد حالات التحرش

«ما زال التحرش الجنسي والعنف ضد النساء ظاهرة متفشية، عيّنت وزارة الداخلية العميد ناهد صلاح في منصب جديد لمناهضة العنف ضد النساء، دعت صلاح النساء في وسائل الإعلام إلى تفادي الحديث أو الضحك بصوت مرتفع في الأماكن العامة، وأن ينتبهن لملابسهن لتفادي التحرش في الشوارع»، هذا ما جاء في تقرير منظمة (هيومن رايتس ووتش)  السنوي لأحداث عام 2016.

أما ما جاء في بيان حملة توقيعات قامت عليها مؤخرًا الناشطات الحقوقيات والحزبيات لتحميل الحكومة المصرية مسؤولية التراخي عن مواجهة تزايد حالات التحرش بالفتيات خلال الآونة الأخيرة، فهو أن:«هذه الجرائم تدل على وجود قصور واضح في تعامل الدولة مع قضية العنف الجنسي ضد النساء، وفي مواجهة الخطابات المجتمعية التي تحرض على ممارسة هذه الجرائم»، جاء في البيان أيضًا أن: «كل ما يمارسه المجتمع من عنف ضد النساء تتحمل مسؤوليته الدولة التي تعتبر مكافحة هذه الجرائم أمرًا ثانويًا، بل وتشترك بعض أجهزتها في الخطابات التحريضية والتبريرية للعنف، دون أي مجهود حقيقي في مواجهة أو ضبط هذا الخطاب».

لذلك يبدو أن السيسي لم يوفِّ بالوعد الذي قطعه على نفسه قبل ثلاث سنوات عندما زار إحدى الناجيات من التحرش يوم حلف يمينه في 8 يونيو (حزيران) العام  2014 ووعده بعدم تكرار هذه الحوادث، فالسيسي الذي زار السيدة التي تعرضت للاعتداء في إحدى المستشفيات العسكرية بالقاهرة قال لجميع المصريات: «متزعلوش. هنجبلكوا حقكوا».

وبالعودة قليلًا للوراء، شكل انتقال حالات التحرش من الأعياد الوطنية والدينية إلى الفعاليات التي تزامنت مع ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 حلقة مهمة، فقد أصبحت أخبار الاعتداءات الجنسية الجماعية، والتحرش والاغتصاب في ميدان التحرير بالقاهرة رئيسية في وسائل الاعلام، وقد حُمل السيسي مسئولية هذا التحرش آنذاك لكونه مديرًا للمخابرات الحربية، فبعد انهيار قوة الشرطة في أعقاب ثورة يناير حيث تركت قوات الأمن الميادين مرتعًا للمتحرشين.

وتذكر صحيفة «لوموند» الفرنسية أن: «العنف الجنسي ضد النساء في مصر يزداد بمرور الوقت باعتباره أحد نتائج عدم الاستقرار السياسي، فحوادث التحرش والاغتصاب زادت بين عامي 2012 و2013 بشكل ملحوظ، وأن المرأة أصبحت فريسة للخارجين على القانون أثناء المظاهرات والاحتجاجات في ظل الغياب الأمني الذي تعيشه مصر»، بل اعتبرت الصحيفة أن: «التحرش بالنساء بدأه الجيش في ميدان التحرير حينما أجرى – في عهد المجلس العسكري السابق – فضيحة كشف العذرية التي تعد أحد أنواع التحرش الجنسي»،كما ينتقد النظام المصري  لكون الشرطة  غير مدربة على التعامل مع حوادث التحرش الجنسي، بل يظهر تقرير  للأمم المتحدة أن 17% من جرائم التحرش قام بها رجال الشرطة أنفسهم، ولا يمكنا هنا إغفال انعكاس التضييق الأمني على التحركات الميدانية لمبادرات مناهضة التحرش الأهلية، وهو ما ساهم في انتشار الظاهرة والحد من تقديم المساندة القانونية لضحايا التحرش الجنسي.

«حتى لا يضيع مستقبل المتحرش.. تنازلي عن المحضر»

«عندما تعرضت للتحرش الجنسي في تلك السنة، انفجرت في البكاء. ثم ركضت إلى قسم الشرطة للإبلاغ عمَّا حدث، ولكنهم في قسم الشرطة سخروا مني وأعطوني رقم محضر خاطئ»، هذا ما قالت الفتاة المصرية «نعمة» وهي تتحدث عن حالة تحرش تعرضت لها من قبل رجل كان يحاول لمسها من الخلف بينما كانت تسير في شارع مزدحم.

في العام 2014، حدث تغير قانوني هام، أقر فيه أن عقوبة مرتكب جريمة التحرش في القانون المصري، سواء كان لفظيًا أو بالفعل أو سلوكيًا أو عن طريق الهاتف أو الإنترنت، تصل إلى السجن لمدة تتراوح ما بين ستة أشهر إلى خمس سنوات بالإضافة إلى غرامة قد تصل إلى 50 ألف جنيه مصري.

هذا ليس كافيًا بالنسبة للكثيرين، لكن بالنسبة للبعض فليس لحد تطبيق دعوة عضو البرلمان المصري، عن محافظة الشرقية «زينب سالم»، بـ«إخصاء المتحرشين بالنساء في مصر»، لذلك يبدى المحامي والباحث القانوني المهتم بقضايا النوع «مصطفى محمود» التي تحدث لـ«ساسة بوست» عدم رضاه عن هذا التغير التشريعي، وقال أنه شمل مادة واحدة فقط هي مادة التحرش، معترضًا على وقائع كثيرة نصح فيها أمناء الشرطة النساء بالتنازل عن المحاضر تحت مبرر أنهم سيضربون «المتهمين براحتهم بس المهم ميضيعش مستقبلهم»، ولذلك يتساءل محمود: «هل يمكن لوزارة العدل الكشف عن أحكام الإدانة في قضايا العنف الجنسي سنويًا وبيان كيف يتم استعمال حق الرأفة في النزول إلى ما دون الحد الأدنى من العقوبة»، ويطالب «محمود» بتغيير التشريعات التي تعالج الجرائم الجنسية وليس فقط مادة التحرش اللفظي، وعلى رأسها مواد الاغتصاب ومواد هتك العرض أو الاعتداء الجنسي، ويطالب أيضًا بوضع سياسة عامة مناهضة للتحرش في جميع أماكن العمل لدي مؤسسات الدولة والنقابات والجامعات.

ويرى الباحث القانوني «محمود» أنه: «من الصعب نسبه زيادة نسب التحرش للنظام الحالي، لكون زيادته ناجمة عن تراكم كم من التراخي والإهمال والإنكار لعقود كثيرة، بالإضافة لتراكم وتأثير خطاب ديني متشدد وثقافة رجعية كارهة للنساء ولحقوقهن وتمكينهن خاصة في المجال العام»، ويستدرك بالقول: «لكن ممكن نقول أن النظام الحالي مهتم أكتر بالأمن السياسي عن الأمن الجنائي وإهمال حماية النساء في المجال العام جزء من نتيجة عدم الاهتمام الكافي بالأمن الجنائي»، ويضيف: «أما بالنسبة للخطاب المؤسسي أو الإعلامي، فيمكن النظر لتصريحات مديرين أمن الشرقية عن واقعة الاعتداء الجنس الأخيرة بأن الفتاة كانت ترتدي ملابس ملفتة!، كأنه تبرير للجريمة، فإذا كانت تلك عقلية قيادات الأمن، فما بالنا بالمسئولين الصغار والأفراد».

السوريين والسياح.. التحرش مباح أكثر

«إنتوا جايين تعلمونا الأدب في بلدنا»، واحدة من أبرز التعليقات التي سمعتها الفتاة السورية «روان النابلسي» لمجرد اعتراضها على التحرش بها، هذه الظاهرة التي أحدثت لها رعب شديد بعدما علمت أن الحرب السورية فرضت عليها اللجوء لمصر.

روان التي روت كيف تحرش بها رجل مصري مسن قبل أن يعرض عليها الزواج، حاولت اللجوء للقانون بسبب زيادة التحرش لكنها صدمت بمبالغ كبيرة طلبها منها المحامي، لكن روان الشجاعة محظوظة لأن وضعها القانوني الرسمي جعلها تفكر في مثل هذه الخطوة، فالتخوفات الأمنية بسبب الإقامة المؤقتة أو غير الشرعية، تحجم السوريات عن اللجوء للقضاء، كما أن السوريات يخفن من عدم تلقي دعم شعبي من المصريين في حالة الإفصاح عن المتحرش، لذلك يقول منسق مبادرة (أمان) لمناهضة التحرش الجنسي «فتحي فريد» أن :«حجم العنف الذي يتعرض له السوريات أسوأ بكثير من ذاك الذي يتعرض له المصريات، خصوصًا وأنه يتم تزويجهن دون مقابل».

لم نكن القضية خاصة بالسوريات في مصر البلد السياحي، فقد تعرضت معظم السائحات في مصر لحالات تحرش، ويظهر تقرير حول أكثر دول العالم التي لا يود السياح العودة لها مجددًا (تراجع عدد السياح في الأشهر التسعة الأولى من عام 2016 بنسبة 41.8 في المئة)، أن مصر تتصدر قائمة هذه الدول، حسب صحيفة «ديلي ميل» البريطانية فقد وصف سلوك المصريين بأنه «عدواني ومزعج» للسياح، وينقل التقرير عن سائحة قولها : «الباعة المتجولون لا يفهمون رفضك للشراء، بل قد يجذبونك بالقوة من الشارع إلى داخل متاجرهم، ويساعدونك في ارتداء الملابس، ما يتضمن الكثير من التحرش»،

المرأة المصرية تواجه التحرش علنًا

كثيرًا ما أرجعت الناشطات النسويات عدم عقاب معظم المتحرشين للأعراف المجتمعية التي تفضل التستر على الفاعل لعدة أسباب، فحسب دراسة الأمم المتحدة عن التحرش الجنسي في مصر، فأن 93.4 من ضحايا التحرش يرفضن اللجوء للأمن، و34.6 بسبب خشيتهن من تلوث سمعتهن، و10.2% بسبب ظنهن أن آبائهن لن يصدقهن، كانت مأساة المصريات أكبر من ذلك بكثير، فحسب الدراسة السابقة، فإن 40% من حالات التحرش لم يتفاعل المارة مع التحرش، بينما تظاهر 11% بعدم رؤيتهم للتحرش.

لكن يبدو أن الأمر آخذ في التغير، حيث يتم التحدث الآن عن زيادة استعداد النساء للحديث عن التحرش، وقبول المجتمع لذلك لحد ما، وذلك بعد خطوات فعالة، بدءًا بانتشار شعارات مناهضة للتحرش على الجدران المدن المصرية تحت نظر الجميع، وليس انتهاء بتكثيف فعاليات التوعية في الجامعات وفي التلفزيون والراديو، فقد أدركت المرأة المصرية انه يقع عليها واجب مواجهة التحرش في ظل تراجع الدور الأمني، لذلك استخدمت النساء عصيان كهربائية وأسلحة مثل رذاذ الفلفل والدبابيس، وسارعن لاستخدام هواتفهن النقالة في توثيق حوادث التحرش سواء للاستخدام باعتباره دليلًا أمام القضاء أو لنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنشئت وحدات لمكافحة التحرش حيث يمكن للمرأة أن تبلغ عن حالات التحرش في أقسام الشرطة، وفي محطات النقل العام وفي الجامعات، ولذلك أصبحت تسجل أعداد متزايدة من النساء في اللجوء إلى الشرطة لعقاب المتحرشين، بل ناضلت بعضهن علنًا من أجل سجن المتحرشين، وبذلك تجاوزت المصريات مرحلة الصمت على جرائم التحرش لدخول في رحلة الحديث العلن، وخير مثال على ذلك حملة «أول محاولة تحرش كان عمري» التي ضجت بها شبكات التواصل الاجتماعي مؤخرًا، والتي هدفت إلى رصد روايات مرعبة عن التحرش بالفتيات وعمر كل منهن عند أول محاولة تعرضن لها.

وكما تقول مؤسسة مشروع «بصي» سندس شبايك : «أكثر ما يسعدني هو أنه أصبح من الممكن أن تروي امرأة بدقة تفاصيل ما تعرضت له من تحرش وألا يحدث لها شيء نتيجة لذلك»، مضيفة أنها : «لاحظت أن نساء أكثر يتقدمن إلى مبادرتها بقصص أكثر جرأة، وأنهن يشاركن قصصًا أكثر شخصية وقسوة بسهولة أكبر».

المصادر

تحميل المزيد