“الحمد لله على أن بلدي السعودية ما فيها اختلاط”، “السعودية التحرش فيها يعتبر شيء لا يذكر”، وجمل أخرى على نفس الشاكلة تنتشر في تعليقات مشتركين سعوديين بمواقع التواصل الاجتماعي، على منشورات ومقاطع مصورة تناقش ظاهرة التحرش في بقية بلدان العالم العربي.

ربما كانت كلماتهم ستمر مرور الكرام في السنوات التي سبقت انفتاح العالم الافتراضي، الذي كشف الكثير عن خبايا المجتمع السعودي.

جولة سريعة بين مقاطع الفيديو في موقع “يوتيوب” أظهرت توثيق عدة حوادث تحرش جنسي في السعودية، بعضها وصل إلى حد التعدي الجسدي على النساء والأطفال، لذلك جاء هذا التقرير ليتقصى حقيقة الأمر وتفاصيله.

تحرش بالصوت والصورة

لقطة من مقطع فيديو لحادثة تحرش

“نفق النهضة بالرياض”، “مجمع الظهران بالمنطقة الشرقية”، “كورنيش جدة”، أماكن جمع بينها وقوع حوادث للتحرش فيها قد تم تصويرها، لتتصدر مواقع التواصل الاجتماعي وتشغل بال الرأي العام السعودي لفترة من الوقت.

البداية كانت في 23 سبتمبر من عام 2005 بنفق النهضة بحي الملز في مدينة الرياض عندما تعدى مجموعة من الشبان على فتاتين كانتا تسيران ترتديان عباءة تغطيهما من الرأس إلى القدمين، باللمس واحتضانهما من الخلف، وقاموا بتصوير الحادثة وتوزيع مقطع الفيديو على أصدقائهم عن طريق البلوتوث، ليتم إلقاء القبض عليهم بعد انتشار المقطع وتصدره لعناوين الصحف المحلية، وفي وقت لاحق تم القبض على الجناة وأصدرت محكمة التمييز أحكامًا عليهم تراوحت بين الحبس لمدد تراوحت بين 12 سنة و6 سنوات، والجلد بين 600 و400 جلدة.

لم تكن هذه الحادثة الوحيدة؛ ففي أكتوبر 2013 وقعت حادثة تحرش أخرى أمام مجمع الظهران التجاري بالمنطقة الشرقية، ووصل الأمر إلى حد قيام الشباب المعتدين بضرب الفتيات اللاتي تحرشن بهن، بعد قيامهن بالدفاع عن أنفسهن ومحاولة إيقاف عملية التحرش، لكن ما يثير التعجب أن الحادثة وقعت في وضح النهار وأمام أحد الأماكن الشهيرة، مما يطرح تساؤلاً عن فعالية دور الأجهزة الأمنية في منع وقوع حوادث مشابهة مستقبلاً.

فيديو حادثة تحرش مجمع الظهران التجاري:

على الجانب الآخر كانت الحادثة السابقة نقطة الانطلاق لتشجع الفتيات السعوديات على مقاومة حوادث التحرش وضرب المتحرشين، فبعد أيام قليلة قامت مجموعة من الفتيات على كورنيش مدينة جدة بضرب شاب قام بالتحرش بهن، لكن لم تتخذ أي خطوات قانونية للنظر في الواقعة.

فيديو ضرب متحرش على كورنيش جدة:

المرأة العاملة مهددة

 

“#تحرشوا_بالكاشيرات” هاشتاج أطلقه الداعية الديني السعودي عبد الله الداوود في مايو 2013 يدعو من خلاله إلى التحرش بالنساء العاملات بائعات في محلات الملابس!

كوسيلة لثنيهن عن خوض غمار سوق العمل، بعد السماح لهن بشكل رسمي بدخول مجالات عمل جديدة، بعد أن كان يقتصر عملهن قبل ذلك على مجالي التدريس والطب.

أثارت مبادرة الداوود ردود فعل واسعة متباينة في السعودية فقد هاجمه بعض المغردين متسائلين عن السلطة التي تسمح له بالدعوة إلى وقف النساء عن العمل، ورأى البعض إن دعوته ستساهم بالفعل في وقوع اعتداءات على البائعات.

الداعية السعودي عبد الله الداوود

على الناحية الأخرى نُشرت بعض التغريدات المؤيدة للحجة التي استند إليها الداعية السعودي من أن عمل النساء قد يبلغ حد الاتجار بالبشر إذ أنهن يستغللن في جذب المشترين، مؤكدين على أهمية الحفاظ على الهوية الإسلامية المحافظة للسعودية.

“السعودية الدولة الثالثة الأكثر تحرشًا في أماكن العمل”.

كانت النتيجة التي توصلت إليها وكالة رويترز في الدراسة التي أجرتها لقياس انتشار التحرش في أماكن العمل وأجريت في 24 دولة. النسبة كانت صادمة حيث تتعرض 16% من النساء العاملات في السعودية للتحرش الجنسي في أماكن عملهن من قبل مدرائهن، بينما تتراجع النسبة في دول غربية مثل ألمانيا التي لم تتجاوز النسبة فيها 3%.

يذكر أن السعودية دفعت أواخر عام 2011 بنحو نصف مليون شخص، بينهم عدد محدود ولكنه غير مسبوق من النساء، إلى سوق العمل في محاولة لتشجيع القطاعات غير النفطية في الاقتصاد.

التحرش بالأرقام

 

“92% من النساء في السعودية تعرضن لنوع أو آخر من التحرش” نسبة كشفت عنها الباحثة السعودية نورة الزهراني، بعد قيامها بإجراء دراسة عن التحرش الجنسي في السعودية، على عينة عمرية من 18 إلى 48 سنة.

“تفاصيل الدراسة جاء فيها إن 27% تعرضن لتحرش لفظي، 26% تعرضن لمحاولة “ترقيم” -محاولة الشاب إعطاء الفتاة رقم هاتفه -، 24% تعرضن لتحرش بالنظرات، 15% تعرضن للمس أجزاء من الجسد”.

تساوت درجة تعرض المتبرجات وغير المتبرجات للتحرش، وهو ما رأته الباحثة يؤكد أن المتحرش لا يهمه نوع الضحية لكنه يبحث عن تفريغ لسلوك مشين، مما يشير إلى خلل في التنشئة الاجتماعية.

كان عام 2013 في السعودية مليئًا بقضايا التحرش حيث سجلت وزارة العدل 2797 قضية تحرش في محاكم المملكة، توزعت بين المناطق المختلفة، حيث جاءت في الصدارة محاكم منطقة الرياض مسجلة 650 قضية، ثم محاكم منطقة مكة المكرمة بواقع 430 قضية، وبعدها محاكم المنطقة الشرقية بـ 210 قضية، ثم محاكم منطقة المدينة 170 قضية، وذهب العدد الباقي من القضايا بنسب متقاربة بين المحاكم الأخرى.

النسبة الأكبر من المتهمين من الجنسية السعودية حيث بلغ عدد القضايا المسجلة ضد مواطنين سعوديين 1669 قضية وهو ما يشكل نسبة 59.5% بينما سجلت 1128 قضية ضد مقيمين أجانب أي ما يبلغ نسبته 39.3%.

القانون غائب

“هناك تحالف قوي لبعض الشخصيات المتشددة أدى لسحب نظام مشروع مكافحة التحرش من مجلس الشورى”، كان هذا تعليق الأكاديمي السعودي أحمد العيسى بعد مرور خمسة أشهر على عرض قانون مكافحة التحرش ومناقشته في المجلس انتهت برفضه على أساس أنه يعزّز ويهيئ مفهوم الاختلاط بين الجنسين في المجتمع.

الداعية السعودي خالد الصقعبي

سبق وأن تبنى الداعية الديني السعودي خالد الصقعبي رأيًا مشابهًا لهذا الرأي عندما طرحت الدعوة لوضع قانون لمعاقبة التحرش في أماكن العمل حيث رأى أن ذلك ليس إلا تشجيعًا للدعوة إلى الفجور بالتراضي.

تضمنت نصوص مشروع القانون المرفوض سجن المتحرش جنسيًا مدة زمنية تصل إلى عام وتغريمه مبلغًا ماليًا يصل إلى مائة ألف ريال، واعتبار التحرش الجنسي هو كل قول أو عمل أو إشارة أو أي موقف لا تدع ظروف الحال شكًا في دلالته على الرغبة في الإيقاع الجنسي بالطرف الآخر.

في وقت لاحق أدمجت بعض النصوص في نظام أطلق عليه مسمى “الحماية من الإيذاء” وهو يتضمن إلى جانب مكافحة التحرش الجنسي بنودًا أخرى تتعلق بالعنف الأسري وغيره من أوجه الإيذاء العام.

لكن العديد من أعضاء مجلس الشورى السعودي يرون أن هناك فروقًا جوهرية بين قانون مكافحة التحرش ونظام “الحماية من الإيذاء” حيث أن الأخير اشترط لتوقيع العقوبة أن يكون الشخص وصيًا على الشخص أو له عليه ولاية كأن يكون رئيسه في العمل أو كفيله أو والدًا أو خالاً أو عمًا، أما بالنسبة للغرباء فهو لا يحمي الغريب من الغريب، ويحمي النساء في الجانب الأسري ولا يحميهن في الأماكن العامة.

وحتى هذه اللحظة ما زالت حوادث التحرش الجنسي في السعودية مستمرة رغم تأكيد المسئولين على خصوصية طابع السعودية المحافظ، فهل ستتحمل المرأة السعودية مرارة الصمت لمزيد من الوقت، أم ستنفجر في وجه المجتمع؟

 

المصادر

تحميل المزيد