هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

حطَّ يوسف العتيبة في واشنطن سفيرًا للإمارات في عاصمة أهم حليف لها: الولايات المتحدة. وللعمل هنا لا يمكنك الاعتماد فقط على أصدقاء الليل والسمر، بل عليك أن تبحث عن مُنفِّذي المهمات الصعبة، ومدمني العمل وأصحاب الخبرة والنفوذ لتحقيق ما تريد. مع تسريب إيميلات العتيبة في 2017 برز اسمٌ جديد في وسائل الإعلام، شخص يستشيره العتيبة في العلاقات العامة، وينجز المهام المطلوبة؛ ريتشارد مينتز.

الأمريكي الذي تنقَّل في حياته المهنية بين الإعلام والبيت الأبيض وشركات الضغط السياسي. وانتهى به المطاف ليصبح واحدًا من محركات اللوبي الإماراتي في واشنطن وأهم مؤسسيه، موظفًا موقعه في «مجموعة هاربور – The Harbour Group» الكبيرة للضغط السياسي.

في هذا التقرير نرسم صورة كاملة لريتشارد مينتز وجهوده الكثيفة في خدمة الإمارات بواشنطن، والتي وضعت حجر الأساس لعلاقاتها مع الإعلام الأمريكي والمراكز البحثية، وأهم من كل ذلك: مع المؤسسات السياسية الأمريكية المختلفة.

ريتشارد مينتز.. من الدفاع عن حقِّ الإجهاض لخدمة الإمارات

بدأ ريتشارد مينتز دراسته الجامعية عام 1979، في تخصص الشؤون الدولية في كلية الاتحاد، وهي كلية فنون ليبرالية خاصة تقع في ولاية نيويورك أُسست عام 1795. والفرق بين الكليات والجامعات أنَّ هذه الكليات تُقدم دراسات محددة وتستثمر في تطوير مهارات الطالب، على عكس الجامعات التي تقدم تخصصات فرعية واسعة ومتعددة.

وبعد تخرجه من الجامعة عام 1983، عمل مينتز في قناة «إس بي سي نيوز» في قسم تغطية الانتخابات، وانتقل بعدها للعمل في مجلس النواب بالكونجرس، متحدثًا باسم أحد التكتلات فيه، ثم عمل مسؤولًا للتواصل في الرابطة الوطنية لحقوق الإجهاض، إحدى أهم المنظمات الأمريكية التي تضغط وتدافع عن حقوق الإجهاض في الولايات المتحدة.

وفي العقدين الأخيرين من القرن الماضي، تنقل مينتز بين أعمال مختلفة؛ ولم يمضِ أكثر من ثلاثة أعوام في عملٍ واحد، وتنقل بين شركات الضغط السياسي والعلاقات العامة إلى مناصب في البيت الأبيض والحكومة الأمريكية. وكانت أبرز المناصب التي شغلها مينتز عمله مديرًا لموظفي مكتب هيلاري كلينتون في الحملة الرئاسية لزوجها بيل كلينتون. وبعد فوزه عام 1992، عملَ مسؤولًا للتواصل للجنة كلينتون التنصيبية لمدة ثلاثة شهور.

مع بداية القرن الحالي، استقر مينتز في شركات الضغط السياسي والعلاقات العامة؛ إذ عمل لتسع سنوات في شركة «بيرسون مارستيلير – Burson-Marsteller»، التي استأجرتها السعودية لمدة شهرين بعد هجمات 11 سبتمبر مقابل حملات علاقات عامة، وعملَ مينتز فيها لصالح السعودية في هذه الفترة الوجيزة، بحسب وثائق وزارة العدل الأمريكية.

بدأ عمل مينتز للإمارات بانتقال سيمون بيرسي، زميل مينتز في شركة بيرسون، للعمل في حكومة أبوظبي، وقد شغل بيرسي منصب مستشار لرجل الأعمال الإماراتي خلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لشركة مبادلة للاستثمار، وكان أحد مهندسي صفقة شراء نادي مانشستر سيتي الإنجليزي.

وأشرف على ملفات عدة مهمة للإمارات، منها عقدٌ مع الشركة البريطانية «كويلر للاستشارات – Quiller Consultants»، التي عملت لأكثر من ستِّ سنوات بمقابل 93 ألف دولار شهريًّا، لتنفذ حملات علاقات عامة لصالح الإمارات في بريطانيا وضدَّ دولة قطر وجماعة الإخوان المسلمين، واستهدفت الشركة بشكل خاص مع صحافيين بريطانيين كبار للتأثير في تغطياتهم الصحفية، بحسب ما ينقل موقع «ميدل إيست آي»، ويُذكر أن بعض العاملين بالشركة مقرَّبون من رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون.

Embed from Getty Images

سيمون بيرسي (يمين الصورة)، عملَ لحكومة أبو ظبي في صفقات سياسية ورياضية، منها صفقة شراء نادي مانشستر سيتي الإنجليزي.

وبالعودة لمينتز، يذكرُ على حسابه في منصة «لينكدإن» أنه عمل في «مجموعة برونسويك – Brunswick Group» عام 2005 ولمدة عام واحد، وبالاطلاع على وثائق الشركة في موقع وزارة العدل الأمريكية، فقد استأجرتها منذ 2009 جهات إماراتية سياحية ومالية، مثل دائرة الثقافة والسياحة لإمارة أبوظبي، والدائرة المالية لحكومة دبي، وجهاز أبوظبي للاستثمار.

وبجانب عمله في بيرسون، بدأ مينتز العمل في «مجموعة هاربور – The Harbour Group» في مطلع عام 2005، وما يزال يعمل فيها مديرًا عامًّا حتى الآن.

واجهة جديدة: «التحالف الإماراتي الأمريكي – US-Emirates Alliance»

تكشف وثائق وزارة العدل الأمريكية عن جهة أدارها ريتشارد مينتز، باسم «التحالف الإماراتي الأمريكي – US-Emirates Alliance»، وهي واجهة جديدة من واجهات الإمارات ولوبيها في الولايات المتحدة. وقَّع التحالف عقدًا مع شركة هاربور في يناير (كانون الثاني) 2009، أي بعد شهور قليلة من تعيين العتيبة سفيرًا.

ومن اللافت للنظر أن مينتز الذي يعمل في مجموعة هاربور وفي «التحالف الإماراتي الأمريكي» في الوقت نفسه، هو الذي وقَّع وأشرف على التعاقد بين الجهتين.

اعتمد العتيبة هذا الأسلوب في إنشاء واجهات جديدة بأسماء مختلفة لتمثِّل اللوبي الإماراتي، مثلما فعل مع موظفة السفارة الإماراتية، هاجر العوض، التي أسست شركة ضغط باسمها ثم وقَّعت عقدًا لها مع السفارة الإماراتية.

وبالنسبة لمينتز، فقد استمرت شركة التحالف بتمثيل الإمارات مع شركة «هاربور» حتى عام 2011، وبعدها تابعت «هاربور» تقديم خدماتها مباشرةً للإمارات بدون وسيط.

صورة تُظهر تعاقد مينتز، ممثلًا للوبي الإماراتي، مع الشركة التي يعمل بها في الوقت نفسه؛ «مجموعة هاربور». المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

في تحقيق مطوَّل لموقع «ذا إنترسبت» عن العتيبة، ذكرت أن بريون فوجان عمل في «هاربور» من 2009 وحتى 2014، وهو صديق العتيبة المقرب وشريكه في حفلات الجنس والتعري، وواجه مشكلات عدة بعدما ألقي القبض عليه بتهمة اختلاس أموال من «مؤسسة أوسيس» التي أنشأها العتيبة فور استلامه السفارة، وبعد إثبات تهمة الاختلاس عليه، دفع العتيبة تكاليف المحاماة اللازمة لفوجان.

وفقًا لتحقيق «ذا إنترسبت»، طلب مينتز من العتيبة في يوليو (تموز) 2014 أن يعطيه الموافقة لتسريح فوجان من العمل في شركة هاربور لأنه لا ينفذ الأعمال المطلوبة منه. جاءت موافقة العتيبة على إخراجه من الشركة، ولكن صديقه القديم طلب منه أن يبقيه مستشارًا قانونيًّا للسفارة، وبالفعل بقي في عمله حتى دخوله السجن.

«مجموعة هاربور» توسع نفوذ ابن زايد والعتيبة في واشنطن

لندرك أهمية «هاربور» فلنلقِ نظرة على الأموال التي دفعتها الإمارات للشركة. فمنذ عام 2011، تكشف وثائق وزارة العدل الأمريكية، عن أنَّ المدفوعات «المعلنة» لشركة «هاربور» من قبل السفارة الإماراتية بلغت 40 مليون دولار. وذلك مقابل خدمات ضغط سياسي، وحملات علاقات عامة شاملة، وتحمل السطور التالية تفاصيل أعمال الشركة.

تنص العقود التي وُقعت بعد 2012، أي بعدما أصبح التعاقد مباشرًا مع السفارة، على أنَّ الإدارة العامة لجميع أنشطة الإمارات ستكون تحت مسؤولية ريتشارد مينتز، وسيقدم ماثيو ترياكا، زميل مينتز سابقًا في شركة بيرسون، الدعم اللازم للعمليات.

قادت «هاربور» خلال السنوات الماضية عموم جهود الإمارات في الضغط السياسي، ونسَّقت التواصل مع مختلف الجهات الأمريكية السياسية، من الكونجرس للوزارات والبيت الأبيض. ووضعت خططًا للتشبيك مع أهم المراكز البحثية بواشنطن، وعمل شراكات بحثية معها، وخطط للتواصل مع وسائل الإعلام الأمريكية وتحديدًا مع إعلاميين بميول يمينية ومحافظة.

وأشرفت الشركة على التواصل مع المنظمات الصهيونية والمناصرة لإسرائيل في الولايات المتحدة، ومهَّدت الطريق لتوطيد هذه العلاقات لاحقًا. وتنفذ «هاربور» إستراتيجيات مختلفة في التواصل مع هذه الجهات، منها التواصل المباشر للضغط عليها، أو تنسيق اجتماعات لمسؤولين إماراتيين، أو تنسيق رحلات لوفود من هذه الجهات إلى الإمارات لزيارة المسؤولين وخلق قنوات اتصال مباشرة.

مراكز الأبحاث الأمريكية.. صناعة العقول التي تدعي الموضوعية

تميز عمل «هاربور» بالتواصل المكثف والممنهج مع مراكز الأبحاث والباحثين والأكاديميين، ويسعى عبرها اللوبي الإماراتي للتأثير في مراكز الأبحاث، لفرض سرديات الإمارات للأحداث في المنطقة. فكيف يحدث ذلك؟

الخطوة الأولى تقدم الإمارات تبرعات سخية لهذه المراكز، يكون لها أثرها في موضوعية الأبحاث التي تطرحها، والتي يأخذ صُنَّاع القرار في واشنطن بعض التحليلات والمعلومات منها. وأحيانًا يتبنى بعضهم سرديات متطابقة تمامًا مع سرديات هذه المراكز؛ إذ ينتمي جميعهم لتيار سياسي محدد.

والخطوة الثانية، تشكيل شبكة علاقات مع باحثين يعملون في هذه المراكز، تتواصل الإمارات معهم باستمرار وتقدم لهم الدعم اللازم، هذا الدعم ليس ماديًّا بالضرورة، ولكنه معلوماتي.

إذ تصبح الإمارات مصدرًا لهؤلاء الباحثين لأخذ معلومات عن التطورات السياسية في المنطقة، وعمليًّا، تفتح الإمارات نافذةً لهؤلاء الباحثين على الشرق الأوسط، ولكنها نافذةٌ إماراتية، تفتحها بتنسيق رحلات للباحثين لزيارة الإمارات للعمل على ما تسميه «مجموعة هاربور» بـ«دراسات ميدانية».

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

وعلى سبيل المثال، تُظهر وثائق الشركة على موقع وزارة العدل، تنسيق زيارات للإمارات لوفدٍ من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وتواصلًا مع الباحث بالشأن الخليجي والعراقي، مايكل نايتس.

كتب نايتس مادة تحليلية بعنوان: «دروس من حرب الإمارات في اليمن»، وصرَّح في تغريدات له بأنه كان مراقبًا ميدانيًّا للقوات الإماراتية في اليمن عام 2018، ويقول فيها: «لطالما أعجبتني القوات المسلحة الإماراتية»، ويرى أن «بلدًا صغيرًا غنيًّا» مثل الإمارات تدرَّب لسنوات طويلة مع قوات حلف الناتو يمكن أن ينفِّذ أهدافًا عسكرية أكبر بكثير من حجمه.

ويذكر أن «هاربور» تواصلت أيضًا مع الباحثة إيلانا ديلوزير من المعهد نفسه، وهي مختصة بالشأن اليمني والإيراني والخليجي. وكثَّفت الإمارات تواصلها مع مركز التقدم الأمريكي المقرب من الدوائر الديمقراطية، والذي أسسه جون بوديستا، مستشار الرئيس أوباما، وشقيقه طوني بوديستا، صاحب إحدى كبرى مجموعات الضغط في واشنطن.

مركز التقدُّم الأمريكي

وتبين الوثائق ترتيب زيارة لباحثين من المركز للإمارات بهدف العمل على «دراسة ميدانية». ومن أبرز الباحثين في هذا المركز الذي تربطه علاقات مميزة مع يوسف العتيبة وتواصل مستمر، بريان كاتوليس، المختص في الشرق الأوسط، والذي تستشيره لجان العلاقات الخارجية والقوات المسلحة في مجلس الشيوخ في شؤون الشرق الأوسط.

وتكشف تسريبات «ذا إنترسبت» لإيميلات العتيبة عن مراسلات مع كاتوليس، يقترح فيها كاتوليس للعتيبة أسلوبًا للتعامل مع الملف المصري، وكيف يمكن تخفيف الضغط الذي يسبِّبه السيسي لداعميه في واشنطن بسبب سِجلِّه الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان.

وتكشف الاتصالات أن كاتوليس اقترح على العتيبة أن يرشِّح لترامب اسم إريك تراجر، الباحث في معهد واشنطن، ليكون سفير الولايات المتحدة في مصر. برز اسم تراجر في واشنطن بعد الثورة المصرية عام 2011، وهو ضيف دائم في مؤتمرات الشرق الأوسط، وخاصة المعنية بمصر وبالحركات الإسلامية، وقد أمضى فترةً بحثية في مصر في أثناء الثورة.

ولتراجر معرفة باللغة العربية والعبرية، وبجانب مقالاته البحثية العديدة عن مصر والشرق الأوسط، فقد ألف كتابًا عن الربيع العربي أسماه «الخريف العربي: كيف فاز الإخوان المسلمون بمصر وخسروها في 891 يومًا».

مواد تعريفية

منذ شهر
يتبدل الساسة ولا يتبدلون.. تعرف إلى 4 وجوه من «حاشية الكونجرس»

وتكشف الإيميلات المسربة عن دور كاتوليس في تنسيق الرحلات إلى الإمارات، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2015، نظَّم كاتوليس رحلة لبعض زملائه الديمقراطيين والجمهوريين، وفي بداية عام 2019، أعلن مركز التقدم توقف استقبال أي دعم مالي من الإمارات، وأعلن تراجعه عن علاقاته مع القوى «غير الديمقراطية» بمنطقة الشرق الأوسط، وأنه يحاول «تمييز نفسه عن الأنظمة الاستبدادية التي وثقت علاقتها مع دونالد ترامب»، ورغم ذلك، تبع هذا الإعلان عدة اجتماعات مع بريان كاتوليس للحديث عن توقف المركز عن تلقي الدعم الإماراتي.

الإمارات والمعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة

للإمارات علاقة خاصة بالمعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة، وتتضح قوة هذه العلاقة في العقد التالي؛ استأجرت السفارة الإماراتية بواسطة «هاربور» شركة «جرينويش ميديا ستراتيجيز – Greenwich Media Strategies»، لتنفذ حملات هجومية على بعض المجموعات الحقوقية اليمنية التي تعارض الحرب في اليمن.

عملت الشركة على اختلاق رابط بين المنظمات الحقوقية اليمنية وبين جماعة الحوثي في اليمن ومع إيران، وهنا يظهر بوضوح أسلوب اللوبي الإماراتي في توظيف المراكز البحثية. تقوم الخطة على أن ينشر المعهد الأمريكي أبحاثًا يشير فيها لوجود علاقة بين العاملين في هذه المنظمات الحقوقية وبين الحوثيين.

ثم ستقتبس شركة «جرينويش» من هذه الأبحاث وتروِّج لها عند دبلوماسيي الأمم المتحدة بهدف تشويه صورة المنظمات الحقوقية اليمنية، وللضغط على الأمم المتحدة لتقطع علاقاتها بها. مالكة ومديرة الشركة هي هاجر الشمالي، وقد عملت سابقًا في البعثة الأمريكية للأمم المتحدة، وكانت مسؤولة عن ملف سوريا ولبنان بمجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض بين 2010- 2012.

من رسالة بالبريد الإلكتروني كتبتها هاجر الشمالي توضِّح خطَّة شركتها، «جرينويش»، لتشويه صورة منظمة حقوقية في الأمم المتحدة وربطها بجماعة الحوثي، ويظهر بناؤها للحملة على ورقة بحثية سيكتبها باحث في المعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة. هذا البريد مسرَّب من موقع «ذا إنترسبت» الأمريكي.

ومن المعهد نفسه، تواصلت «هاربور» مع كاثرين زيميرمان، المختصة بالقاعدة والحركات الجهادية، واليمن، وجدير بالذكر أنَّ كاثرين شاركت في جلسة عقدتها لجنة الأمن القومي بمجلس النواب الأمريكي، وتحدثت فيها عن جهود الإمارات في «مكافحة الإرهاب» في اليمن، وذكرت بشكل خاطف دور قطر وتركيا في دعم القاعدة.

مراكز بحثية أخرى

نسَّقت الإمارات مع مؤسسات بحثية أخرى، أهمها مؤسسة «راند»، التابعة للبنتاجون، واستمر التواصل مع موظفين كبار فيها لسنوات، واجتمع دبلوماسيون إماراتيون مع مجموعة باحثين بالمركز.

وفي ملف اليمن الذي شغل اللوبي الإماراتي، حافظت شركة «هاربور» على تواصل مستمر مع مركز «كونفليكت أرمامينت للأبحاث – Conflict Armament Research»، للحديث عن الأسلحة في اليمن، وعن التسليح الإيراني لجماعة الحوثي، ومن الجدير بالذكر أن المركز لا يتحدث على الإطلاق عن الأسلحة السعودية أو اليمنية المستخدمة في اليمن أو المنقولة لبعض الميليشيات المؤيدة للتحالف السعوديِّ الإماراتي.

الإمارات تُرسل «علماءها» لواشنطن

عملت شركة «هاربور» على مستوى المؤسسات العلمية والجامعات الأمريكية، وتكشف الوثائق عن تواصل مستمر مع قسم الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز، لتنسيق فعالية لعبد الله بن بيه، وشاركه في الفعالية الداعية حمزة يوسف. وابن بيه عالم دين موريتاني ويعمل رئيسًا لمنتدى تعزيز السلم الذي دُشِّن في إمارة أبوظبي، حيث وجد المنتدى «جوًّا ملائمًا» لتأسيسه.

وفي الجلسة تحدث عن جهود منتداه في تمثيل الرؤية «الحقيقية» للإسلام في قضايا العنف والسلام، ويقول ابن بيه: «عملنا في اتجاهين: اتجاه التأصيل للمجتمعات المسلمة، وفي اتجاه الرد على المجموعات المتطرفة التي تدعي أنَّها تتكلم بالإسلام»، وسط حضور ثلة من الأكاديميين الأجانب من الجامعة.

وممن عملوا على التنسيق لهذه الفعالية يبرز اسم سارة العلوي، وقد عملت سارة لأعوام في مجموعة هاربور ونسَّقت عدة ملفات مع جامعة جونز هوبكنز، ثم التقحت بالجامعة بقسم الدراسات الدولية المتقدمة نفسه، وتعمل في دراستها للدكتوراة على موضوع عملها السابق نفسه: الجهود الدبلوماسية العربية.

ومن أنشطة الشركة مع جامعة هوبنكز التواصل مع الكاتب الإيراني الأمريكي أفشين مولوي، لمناقشة مشروع بحثي وإعلامي مشترك بين الجامعة والإمارات.

وأطلق على المشروع اسم «إيميرج 85 – Emerge85»، وهو مشروع يُدار من دبي، وهدفه عرض قصص نجاح لبعض صُنَّاع التغيير في العالم. ويظهر الموقع الرسمي للمشروع قصصًا لشخصيات إماراتية مثل سلطان القاسمي وعمله في قطاع الفن، أو قصص شخصيات عملت في الإمارات مثل كيتو دي بوير، الذي وسَّع عمل شركة ماكينزي العالمية للاستشارات الإدارية في الشرق الأوسط من مكتب الشركة بدبي. وأشرف على هذا الملف مشعل الجرجاوي، إماراتي أدارَ مؤسسة «ذا ديلما»، التي تُقدم خدمات استشارية للشركات أو الحكومات وتعمل من إمارة أبوظبي.

وتواصلت «هاربور» أيضًا مع عميد جامعة جورجتاون، كارول لانساستر، للعمل على تأسيس مؤسسة جديدة تحت غطاء الجامعة.

مع الحكومة الأمريكية والكونجرس

وتواصلت الشركة مع أليشا بيديج، من وزارة الدفاع الأمريكية، المسؤولة عن ملف الإمارات وعُمان والكويت، واستضاف مجلس الأعمال الإماراتي الأمريكي بيديج مرتين بين 2018 و2019: الأولى لنقاش بعض القضايا الإقليمية مثل مواجهة داعش، في سوريا والعراق، والجلسة الثانية عن العلاقات الدفاعية بين الإمارات والولايات المتحدة.

وتكشف الوثائق عن اجتماع مسوؤلين إماراتيين مع سيجال مانديلكير، وكيلة وزارة المالية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، وقد ضغطت سيجال على رجال أعمال إماراتيين لهم علاقات اقتصادية قوية بإيران، بهدف تشديد الخناق عليها. ووفقًا لصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية فإنَّ سيجال هي الشخص الرئيس الذي يعمل «من وراء الكواليس للاستيلاء على الأموال الإيرانية» وقطع الشبكات التجارية لإيران في العالم.

وعلى مدار العقد الماضي، نسقت «هاربور» رحلات لوفود من الكونجرس لزيارة الإمارات، بهدف لقاء مسؤولين إماراتيين، وتنسيق زيارات ميدانية لهذا الوفد لبعض المواقع السياحية والصناعية في الإمارات.

ومن أنشطة «هاربور» لتعزيز هذه الأشكال من القوة الناعمة للإمارات، عقدها لقاءً في فبراير (شباط) 2018، بين الفريق الوطني الإماراتي للسيدات للعبة الهوكي، مع السيناتور الديمقراطي ديك دوربين، عضو تكتل الهوكي في الكونجرس، وتضمن اللقاء نقاشًا عن «الدبلوماسية الرياضية».

وتظهر الوثائق اتصالات حثيثة للشركة مع جهات إعلامية وصحافيين أمريكيين تتضمن التواصل أكثر من مرة مع الصحافي الشهير ديفيد كيركباترك، من صحيفة «نيويورك تايمز» لكتابة تقرير عن محمد بن زايد، ولي عهد إمارة أبوظبي، وكانت النتيجة المقال الشهير الذي نشر في منتصف 2019 والذي يقدِّم صورة نقدية لابن زايد ويصوِّره في الوقت نفسه على أنَّه «أقوى زعيم عربي».

وأرسلت الشركة إيميلات إلى الصحافية نفيسة سيد من «بلومبيرج»، وماريا حبيب من «وول ستريت جورنال»، وجيرمي بن آمي، رئيس منظمة الجي ستريت، واحدة من تفريعات اللوبي الإسرائيلي بواشنطن، الرسالة عن «الارتباط الأمني بين إسرائيل والإمارات»، وأخيرًا نسقت «هاربور» زيارة وفد دبلوماسي إماراتي لصحيفة «ذا هيل».

اللوبي الإماراتي والإسرائيلي.. علاقة حميمة سبقت الربيع العربي

وخلال العقد الماضي، عملت «هاربور» في أهم ملف للوبي الإماراتي، وهو التشبيك مع أبرز المنظمات اليهودية الأمريكية، ومع أذرع اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، فنسَّقت الشركة اجتماعات للسفير العتيبة، برفقة مسؤولين إماراتيين آخرين، مع رابطة مكافحة التشهير، ومع اللجنة اليهودية الأمريكية، وكلتيهما من كبرى المؤسسات المناصرة لإسرائيل في الولايات المتحدة.

وسجَّلت الوثائق اجتماعًا للعتيبة مع سوزان هيلير، مساعدة مدير الشؤون الدولية في رابطة مكافحة التشهير، وشبَّكت «هاربور» الرابطة مع جمال السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية.

وقد عملت هاربور على الترويج لتقدِّم الإمارات في التطبيع مع إسرائيل، وتواصلت رابطة مكافحة التشهير لإعلامها بخبر سماح الإمارات للاعبي الجودو الإسرائيلي بالدخول إلى أراضيها. وكانت تجتمع مع مسوؤلين في الرابطة لمناقشة «الإسلام السياسي»، كما هو مذكور في الوثائق.

عداء اللوبي الإماراتي لقناة «الجزيرة» وطَّد علاقته باللوبيات الإسرائيلية كما يكشف تقريرنا عن جهود اللوبي الإماراتي ضدَّ القناة، ومن اللافت للنظر أن شركة «هاربور» أرسلت لرابطة مكافحة التشهير مقالًا كتبته إدارة تحرير صحيفة «نيويورك تايمز» تدافع فيه عن قناة «الجزيرة» ضدَّ مطالب دول الحصار بإغلاقها، وجدير بالذكر في هذا السياق أنَّ الرابطة تشنُّ حملات هجومية باستمرار وتراقب تغطياتها الإخبارية للصراع العربي الإسرائيلي.

ويتواصل اللوبي الإماراتي مع ديفيد وينبيرج، موظف في الرابطة يُركز عمله على قناة «الجزيرة»، وقد كتب عدة مرات عن القناة.

ومنذ عام 2010، تُنسق «هاربور» رحلات شبه سنوية لوفود من هذه المنظمات المناصرة لإسرائيل، للقاء مسؤولين إماراتيين مثل: محمد بن زايد، وأنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، ونهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العالمي، واجتماعات أخرى مثلًا مع نبيل الخطيب رئيس تحرير قناة «العربية»، والأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، والشيخ سلطان القاسمي الذي عادةً ما يصطحب هذه الوفود لزيارة متحف الشارقة للفنون.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد