يتزايد الحديث من وقت لآخر عن التباين والصراع الذي يعاني منه المجتمع الإسرائيلي على الصعيد المحلي فيما يتعلق بفئاته المختلفة، وقد ازداد الجدل مؤخرًا حول فئة اليهود المتشددين, على خلفية قيام مئات الآلاف منهم بالتظاهر في الثاني من مارس الماضي في مدينة القدس المحتلة, احتجاجًا على مسودة قانون يجرّم الممتنعين عن التجنيد الإجباري من المتشددين اليهود (أقرّ الكنيست القانون بعد المظاهرة بعشرة أيام).

فما هي قصة المتشددين اليهود في إسرائيل؟ ولماذا يعتقد الكثير من العلمانيين أن هذه الفئة تشكل عبئًا على المجتمع الإسرائيلي وعائقًا لتقدمه؟

السمات العامة لليهود المتشددين

يشكل اليهود المتشددون أو الأصوليون ما نسبته 20% من إجمالي السكان اليهود البالغ عددهم حوالي 5.4 ملايين نسمة داخل إسرائيل. ويطلق عليهم اليهود “الألترا-أورثوذوكس” أو “الحيريديم” باللغة العبرية.

 

يلتزمون مظهريًّا باللباس التقليدي اليهودي, وهو للرجال المعطف الأسود الطويل مع قميص أبيض وقبعة سوداء, ويطلقون اللحى الطويلة والسوالف المجدولة, أما للنساء فترتدين ملابس طويلة فضفاضة تغطي الجسم بالإضافة لغطاء للرأس للمتزوجات.

طريقة المعيشة

يطبق هؤلاء الشريعة اليهودية بتفاصيلها الدقيقة, بما في ذلك الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة والتزام المنزل وإغلاق الأسواق يوم السبت, ويسعون لتطبيق تعاليم التوراة في إسرائيل.

يتجنبون استخدام مظاهر الحياة العصرية بما في ذلك التعليم الدنيوي والوسائل التكنولوجية الحديثة, ولا يهتمون بالفن أو الموسيقى أو المسرح والسينما, بل يرون أنها مظاهر غربية تتنافى مع التعاليم الدينية وينبغي منعها.

يتزايد عددهم باطراد نظرًا للزواج المبكر وزيادة معدل المواليد لديهم بالمقارنة مع الفئات العلمانية أو الأقل تدينًا في المجتمع الاسرائيلي, ويعيش أغلبهم في مستوى متدنٍ ماديًّا يقترب من خط الفقر, ويعتمدون على المعونة التي تقدمها لهم الدولة وصناديق التبرعات؛ حيث تُمنح الأسرة مخصصًا ماليًّا شهريًّا لكل فرد من أفرادها, كما تعفيهم من دفع الضرائب.

يقتصر نشاطهم على الدراسة المتعمقة للكتب الدينية المقدسة لديهم التوراة والتلمود, ويمتنعون عن الالتحاق بالخدمة العسكرية أو أداء التجنيد الإجباري بدعوى تفرغهم للدراسة الدينية والصلاة, وليس من المسموح للرجال لديهم – بحسب تعاليم الشريعة – العمل في الوظائف أو الأعمال الدنيوية, ولذلك تقوم النساء غالبًا بالعمل وجلب المال بدلاً من الرجال.

كيف يُنظر لهم داخل المجتمع الإسرائيلي؟

في استطلاع للرأي أُجري عام 2006, صرّح 30% من الإسرائيليين أنهم يعتبرون فئة “الحريديم” الأقل شعبية في إسرائيل, بما في ذلك فئة العرب، وفي استطلاع آخر ظهرت نتائجه العام الماضي, صرّح 71% أن الصراع الدائر محليًّا بين المتدينين والعلمانيين يشكل الصراع الأكثر حدةً داخل المجتمع الإسرائيلي.

كما توجّه لهم الاتهامات من قبل العلمانيين والليبراليين في الدولة على أنهم يمثلون عالة وعبئاً على المجتمع لاعتمادهم الكامل على باقي فئات الشعب ماديًّا ومن حيث الحماية العسكرية، وعبّرت عن ذلك بوضوح نتائج استطلاع للرأي أُجرِيَ العام الماضي, أوضحت أن 78% من الإسرائيليين يرغبون في تقليل الدعم المادي الممنوح لليهود المتدينين في سبيل إجبارهم على المشاركة في سوق العمل، وأن 83% يعتقدون أن الدولة يجب أن تفرض على المتدينين إما أداء الخدمة العسكرية أو الخدمة المدنية.

وبسبب ارتفاع معدل المواليد لديهم (معدل سبعة أو ثمانية أطفال في الأسرة الواحدة) بالمقارنة مع الفئات الأخرى من اليهود العلمانيين أو اليساريين, فإن البعض يعتبر وجودهم بمثابة خطر ديمغرافي مستقبلي على تقدم إسرائيل العلمي والاقتصادي, وتماثلهم في ذلك الأقلية العربية، ففي مقابل التزايد السريع في عددهم إلا أنهم الأقل تعليمًا والأكثر فقرًا, ولا يقومون بأي مساهمة في سوق العمل والاقتصاد المحلي.

وقد صدرت دراسة عن بنك إسرائيل المركزي العام الماضي, تقول إن استمرار المتدينين في العيش بأسلوب حياتهم الحالي سيسبّبون هبوط إسرائيل في تقييم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) خلال عدة سنوات فقط. (منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية هي منظمة تضم عددًا محدودًا من دول العالم تهتم بالنمو الاقتصادي والتجارة العالمية, ويؤثر مستوى تعليم السكان في كل دولة في تحديد تقييمها على هذا المؤشر). كما تقول دراسة أخرى صادرة عن البنك نفسه إن المستوى المتدني للتعليم والعمل لدى فئة المتدينين تؤدي لتخفيض معدل النمو السنوي لإسرائيل بنسبة 1.3% سنويًّا.

ويقدر الاقتصاديون أن إجبار المتدينين على الالتحاق بسوق العمل قد يؤدي إلى زيادة مقدارها 3 مليارات دولار من إجمالي الاقتصاد الإسرائيلي سنويًّا.

وبالرغم من المحاولات المستمرة من قبل الحكومات لدمجهم في المجتمع وزيادة مشاركتهم العسكرية والاقتصادية في مؤسسات الدولة, إلا أن رد الفعل الواضح حتى الآن هو معارضتهم لذلك, كما حدث في مظاهرتهم الأخيرة, وهذا يوحي بأن الصراع بين المجتمع الإسرائيلي والمتدينين من المرشح أن يستمر لفترة طويلة قادمة.

 

نقلاً عن قناة يورونيوز العربية


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد