في عام 2008 كان الطفل مايكل وانج يغني خلف باراك أوباما في حفل تنصيبه، بعد أن اختير ليشهد تلك اللحظة الفارقة في حياته بناءً على امتيازه المدرسي ونشاطه الملحوظ في الأنشطة الطلابية، بعدها بخمسة سنوات اجتهد مايكل وانج وحصل على معدل 4.7 / 5 في المدرسة العليا  ونجح في امتحان القبول في الجامعات الأمريكية «ACT» بامتياز، ولكن على الأغلب أن كل هذا لم يكن كافيًا؛ ففي عام 2013 فوجئ الطالب مايكل وانج بالحصول على رفض من ستة جامعات من أصل سبعة في اتحاد «IVY» وهي جامعات: برنستون وكولومبيا وستانفورد ويل وكورنل ودورتموث وبرون وهارفارد، وحصل على قبول من جامعة واحدة من من جامعات اتحاد «IVY» المرموقة وهي جامعة بنسلفانيا،.ولكن ما حدث دفع وانج لكي يقدم شكوى رسمية في وزارة التعليم الأمريكية ضد تلك الجامعات؛ وذلك لأنه يعتقد أنه حصل على رفض من تلك الجامعات بسبب أنه من أصول أسيوية، على الرغم من ملفه الحافل بالإنجازات الدراسية والشخصية.

وبعد خمسة سنوات على حادثة وانج، وقف الإسبوع الماضي ممثلي جامعة هارفارد الأمريكية أمام إحدى المحاكم، ليدافعوا عنها بعد أن نجحت مؤسسة «Students for Fair Admissions» (أو طلاب من أجل تقييم جامعي عادل)، في تقديم أدلة مفصلة تفيد بأن الجامعة الأولى عالميًا  في كثير من المجالات ترتكب التمييز العنصري في تقييمها للطلاب الآسيويين، وبُنيت تلك الأدلة على تحليل بيانات 160 ألف طالب أسيوي مِن مَن حصلوا على رفض أو قبول في الجامعة في السنوات الآخيرة.

ليست في الصدارة دائمًا.. أين تقع أمريكا في أبرز المؤشرات العالمية لعام 2018؟

هل تمارس هارفارد العنصرية ضد الطلاب الأمريكيين من أصل أسيوي حقًا؟

في أغسطس(آب) الماضي أعلنت وزارة العدل الأمريكية تأييدها للتحقيق الاستقصائي الذي قدمته مؤسسة «Students for Fair Admissions» والذي يقدم أدلة على ارتكاب جامعة هارفارد لجريمة التمييز العنصري ضد الطلاب الآسيويين المتقدمين للحصول على مقعد دراسي بمرحلة البكالوريوس في الجامعة، وصرح المدعي العام الأمريكي جيف سشن: «لا يجب أن ترفض أي جامعة أي  طالب أمريكي بناءً على جنسه أو أصله»، وعليه أحالت وزارة العدل القضية إلى المحكمة للبت فيها، وهي الآن في مرحلة الدراسة واستماع الشهود.

في عام 2009 نشرت جامعة برنستون بحثُا أكاديميًا بعنوان «العنصرية والطبقية في اختيار الطلاب في الجامعات الأمريكية»، ويبرز البحث أن لكي يحصل الطالب الأمريكي ذو الأصول الأسيوية على قبول جامعة يجب أن يسجل نجاح في امتحان القبول الجامعي أكبر من نجاح الطالب الأبيض بـ140 نقطة، و270 نقطة أكثر من الطالب ذو الأصول اللاتينية، و450 نقطة أكثر من الطالب ذي الأصل الأفريقي، وهذا يوضح تمييز عنصري صارخ ضد الطلاب الأمريكيين ذوي الأصول الأسيوية، ولكن من الجدير بالذكر أن جامعة برنستون التي نشرت هذا البحث هي من ضمن الجامعات التي تشير إليها أصابع الاتهام لممارستها نفس الجريمة التي تتُهم جامعة هارفارد بممارستها.

وقفة احتجاجية أمام جامعة هارفارد لإنهاء التمييز ضد الطلاب ذوي الأصول الأسيوية- مصدر الصورة NBC News

في عام 2013 رفع أحد الطلاب قضية على جامعة تكساس الأمريكية في المحكمة الدستورية العليا؛  لأنها تستخدم العرق والأصل الثقافي في اختيار الطلاب المقبولين للجامعة،  ولكن المحكمة الدستورية حكمت بأنه يمكن للجامعات استخدام عنصر العرق والأصل الثقافي في اختيار الطلاب، ولكن لا يجب أن يكون هو العنصر الأساسي أو الوحيد أو الحاسم في اختيار أو رفض الطالب، ولا يجب أيضًا أن يكون هناك حصة ثابتة لكل عرق أو جنس في دفعة المقبولين في الجامعات كل سنة.

وهذا هو الحجة التي تستخدمها هارفارد للدفاع عن نفسها  في استخدامها للعرق في قبول الطلاب؛ بأن هذا يحدث من أجل تحقيق عنصر التنوع الثقافي والعرقي داخل الحرم الجامعي، وأن الطلاب يجري اختيارهم بناءً على تقييم شامل للطلاب، ويستند هذا التقييم على أربعة نقاط  هي: القدرة الرياضية، والسجلات الأكاديمية، والأنشطة الاجتماعية والطلابية، والصفات الشخصية، والنقطة الأخيرة هي التي تستند عليها مؤسسة «Students for Fair Admissions» في اتهامها لهارفارد؛ إذ تقول المؤسسة إن مسئولي التقييم في جامعة هارفارد يمنحون تقييم شخصي للطلاب ذوي الأصول الأسيوية بأقل بكثير مقارنة بالطلاب الأمريكيين من الأصول الأخرى.

جامعة هارفارد.. ساحة العلم و«الاغتصاب» أيضًا!

سياسة العمل الإيجابي..«حل العنصرية بالتمييز»!

في عام 1961 أصدر الرئيس الأمريكي جون كندي-الذي تخرج من جامعة هارفارد- سياسة الـ«Affirmative Action» أو قانون العمل الإيجابي، والذي ينص على وجوب وجود التنوع العرقي داخل المؤسسات الحكومية، والتركيز على منح وظائف ومقاعد جامعية للطلاب الذين ينتمون للأقليات،  وجرى إصدار هذه السياسة بالأساس من أجل وقف التمييز العنصري الذي كان يتعرض له المواطنون الأمريكيون ذوو الأصل الأفريقي.

ولكن على مر عقود كانت هناك الكثير من الانتقادات لسياسة العمل الإيجابي؛ لأنها تبدي شخصًا عن آخر بسبب العرق، لا المؤهلات العملية والعلمية، أو حتى المميزات الشخصية. لذلك يرى البعض أن السياسة ترقي  التمييز العنصري، لا تقضي عليه، وخير مثال على ذلك حادثة شهيرة لطالب أمريكي أبيض يسمى آلان باك الذي رفضته مدرسة الطب بجامعة كاليفورنيا مرتين في عامي 1976 و1977، بسبب نظام الحصة الثابتة الذي يمنح الطلاب الذين ينتمون للأقليات نسبة 16% من عدد الطلاب المقبولين في المدرسة كل سنة، على الرغم من كونه طالبًا ذا سجل أكاديمي عال، وهذا دفع باك إلى اللجوء للمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة، التي بعد أن حققت في الأمر أصدرت حكمها الذي جاء في صالح باك؛ لأن المحكمة رأت أن مدرسة الطب في جامعة كاليفورنيا تسيء استخدام سياسة العمل الإيجابي بوضعها حصة ثابتة للأقليات.

الخليج في الصدارة العربية.. مؤشر جودة التعليم الجامعي 2017

أصابع اتهام نحو ترامب

في الحلقة الأولى من برنامجه «Patriot Act»، انتقد الكوميديان الأمريكي حسان مناج الادعاءات التي تتهم هارفارد بأنها تمارس التمييز العنصري ضد الطلاب الأمريكيين ذوي الأصول الأسيوية، ودعم الممثل ذي الأصل الأسيوي هو الآخر موقفه ببعض الإحصاءات التي توضح أن نسبة الطلاب ذوي الأصول الأسيوية تمثل 22.9% من النسبة الإجمالية لعدد الطلاب، وهي تزيد عن نسبة الطلاب الأمريكان ذوي الأصول الأفريقية بـ7%، والطلاب ذوي الأصول اللاتينية بـ10%، بينما تمثل نسبة المواطنين الأمريكيين من أصول آسيوية حوالي 5.8 من مجمل عدد السكان في الولايات المتحدة، وهذا يدعم رأي حسان مناج ورأي جميع الليبراليين الذين يؤيدون قانون أو سياسة العمل الإيجابي بأن البيانات التي يستخدمها من يدعي ممارسة هارفارد للعنصرية؛ تدل على عدم ممارسة هارفارد للعنصرية على الإطلاق.

نسب الطلاب ذو الأعراق المختلفة في جامعة هارفارد- مصدر الصورة جامعة هارفارد

ويشير الليبراليون وكل من يؤيد سياسة العمل الإيجابي بأصابع الاتهام إلى دونالد ترامب وحزبه الجمهوري الذي طالما أراد الكثير من أعضائه القضاء على سياسة العمل الإيجابي لا تتماشى مع المبادئ الجمهورية المحافظة التي تشجع على التنافس أو بمعنى أصح «البقاء للأقوى»، بالإضافة إلى رفضهم للقيود على أي شيء، لذلك يعتقد البعض أن إدارة ترامب تنتهز الفرصة لتجعل من تلك القضية الفصل الأخير في سياسة العمل الإيجابي، لاسيما وأن حكومة دونالد ترامب الحالية دعمت القضية منذ اليوم الأول، لذلك قررت المحكمة أن جامعة هارفارد تستخدم نظم الحصة الثابتة لقبول الطلاب، وقد يكون ذلك  دافعًا قويًا للقضاء على سياسة العمل الإيجابي.

والآن عرضنا لك عزيزي القارئ وجهتي النظر من القضية؛ فهل ترى أن هارفارد تمارس العنصرية ضد الطلاب الأمريكيين من أصل آسيوي؟

حلقة حسان مناج.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!