يقول المثل الفارسي القديم، «تعرف العام الجيد، من الربيع الجيد»، في 21 مارس (آذار) الجاري، احتفل الإيرانيون بعيد النوروز، رأس السنة الفارسية الجديدة وفقًا للتقويم الفارسي، والذي يتزامن مع بداية فصل الربيع.

في النوروز السابق عام 2019، كان الإيرانيون يأملون في ربيع جيد، لبدء عام جديد،  بعد أزمات متتالية، وعقوبات اقتصادية قاسية، لكن الأمور لم تكن كما تمنوها، فعندما كانوا يستعدون للسفر وزيارة الأقارب، وإحياء جميع مظاهر العيد، جاءت الفيضانات المدمرة وأخذت معها كل تلك الأمنيات.

في شهر مارس 2019، ضربت الفيضانات الهائلة 25 مقاطعة إيرانية من أصل 31، تسببت تلك الموجة العنيفة من الفيضانات المميتة في مئات من حوادث انقلاب السيارات، وغمر الكثير من القرى تحت المياه، بجانب الخسائر المالية التي قدرتها الحكومة بمليارات الدولارات. ثم توالت أحداث العام التي يمكن القول بأنه كان كابوسيًّا على إيران والإيرانيين.

بداية التوترات في مياه الخليج

لم يكن الإيرانيون قد بدأوا في التعافي الكامل من آثار تدمير الفيضانات، حتى دخلت بلادهم في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة، ما أثار المخاوف من اندلاع حرب بين البلدين. ففي مايو (أيار) 2019، تعرضت ناقلات نفط تابعة للمملكة العربية السعودية، وأخرى إماراتية إلى التخريب والهجوم بالقرب من ميناء الفجيرة الإماراتي، ووجهت واشنطن أصابع الاتهام إلى طهران.

ونتيجة لتلك التوترات، والتهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، طالما أنها لا تستطيع تصدير نفطها بسبب العقوبات الأمريكية؛ تحركت الولايات المتحدة لحماية مصالحها في منطقة الخليج.

كان من ضمن تلك التحركات، تحليق الطائرات الأمريكية بدون طيار فوق مضيق هرمز. وحينها قرر الحرس الثوري الإيراني في شهر يونيو (حزيران) 2019، إسقاط واحدة من تلك الطائرات، بحجة أنها اخترقت المجال الجوي الإيراني بهدف التجسس على الجمهورية الإسلامية.

اتهم الحرس الثوري الإيراني في بيان له، الولايات المتحدة بأن الطائرة الأمريكية تسللت سرًّا من فوق مضيق هرمز، إلى ميناء تشابهار الإيراني، وردًّا على الفعل الإيراني، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن أنه كان مستعدًّا لضرب ثلاثة أهداف داخل الأراضي الإيرانية، لكنه تراجع في الدقائق الأخيرة، عندما وجد إمكانية إصابة عدد من الأفراد الإيرانيين المدنيين في أثناء الهجوم.

الهجمات على «أرامكو»

مع كل فعل إيراني، ورد فعل أمريكي، كان الإيرانيون يعيشون أسوأ أيامهم، يحاصرهم  الترقب والخوف من سقوط بلادهم في حرب دامية مع الولايات المتحدة من جهة، ومن جهة أخرى يعانون من الويلات الاقتصادية التابعة لتلك التوترات.

في سبتمبر (أيلول) 2019، اعلنت جماعة الحوثي باليمن، مسئوليتها عن ضرب المنشآت النفطية داخل المملكة العربية السعودية، بطائرات بدون طيار، وكما جرت العادة، ألقت الولايات المتحدة باللوم على إيران في الهجوم. وظلت إيران تنفي تلك الاتهامات.

خشي الجميع داخل إيران وخارجها من تبعات تلك الهجمات، خاصة وأن الرئيس دونالد ترامب قد أكد مرارًا أنه لن يسمح باستهداف إيران لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لكن مرت الأمور بسلام إلى حد ما، وتنفس الإيرانيون الصعداء.

مظاهرات نوفمبر.. وحملات القمع الدموية

في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، كان الإيرانيون على موعد جديد من الضربات الشديدة، كانت الحكومة الإيرانية تتعرض لأقصى حملة ضغط تبنتها إدارة ترامب، تجاه طهران منذ انسحاب واشنطن في مايو 2018 من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، فأعلنت الحكومة في إيران، تقنين البنزين، وزيادة الأسعار إلى ثلاثة أضعاف.

حينها انفجر الإيرانيون غضبًا، وخرجوا إلى الشوارع للاحتجاج على قرارات الحكومة، في واحدة من أعنف موجات الاحتجاج التي مرت على الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979.

أحرق المتظاهرون الغاضبون، العديد من المؤسسات الحكومية، البنوك، محطات الوقود، وحتى المدارس الدينية في عدد من المحافظات، لم تقف القوات الأمنية مكتوفة الأيدي أمام تلك الأحداث، فشرعت في حملة قمع دموية، خلفت المئات من القتلى، والآلاف من المعتقلين، وإلى الآن ما زالت الحكومة الإيرانية تتستر على أعداد ضحايا الاحتجاجات، بحسب ناشطين من داخل إيران.

اغتيال قاسم سليماني وإسقاط الطائرة الأوكرانية

في بداية شهر يناير (كانون الثاني) 2020، وفي خطوة عدها البعض تصعيدًا كبيرًا في التوتر بين واشنطن وطهران، اغتالت الولايات المتحدة الجنرال قاسم سليماني قائد قوة القدس بالحرس الثوري الإيراني، في غارة جوية بطائرة بدون طيار، بالقرب من مطار بغداد الدولي.

قاسم سليماني

توعدت الجمهورية الإسلامية بالانتقام القاسي لاغتيال قائدها الأبرز، وشارك ملايين الإيرانيين في جنازة سليماني. بعد خمسة أيام فقط من الاغتيال، أطلق الحرس الثوري، عشرات الصواريخ على قاعدة عين الأسد التي تستضيف القوات الأمريكية بالعراق.

لكن لحظة الاحتفال بالرد على مقتل سليماني لم تدم طويلًا، ففي أثناء الهجوم جرى إسقاط طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الأوكرانية، كانت متجهة إلى كييف من طهران، ما أسفر عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 176 شخصًا، أغلبهم من الإيرانيين.

ومنذ لحظة سقوط الطائرة ولمدة ثلاثة أيام، ظل الإيرانيون يتساءلون عن سبب تحطم الطائرة، ويطلبون من الحكومة تقديم أدلة حقيقية، بينما ظلت الأخيرة تنكر تورطها في سقوط الطائرة بشتى الطرق.

وبعد التستر والكذب والمراوغة، اعترف الحرس الثوري، بأن سقوط الطائرة الأوكرانية كان بسبب «خطأ بشري»، من قبل دفاعاته الجوية، في أثناء قصف القوات الأمريكية.

لكن تلك المأساة وخداع الحكومة أعادت الإيرانيين إلى الشوارع مرة أخرى، منددين بكافة السلطات في بلادهم بمن فيهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي شخصيًّا، ومطالبين بتخليه عن منصبه.

الانتخابات الأسوأ في تاريخ الجمهورية

نتيجة لاتساع الفجوة بين الشعب والسلطة، جاءت الانتخابات البرلمانية في فبراير (شباط) 2020، لتكشف عن يأس الإيرانيين من حكومتهم. وكعقاب منهم للمؤسسة السياسية؛ امتنع الكثير من الإيرانيين عن المشاركة في التصويت، لتكون انتخابات البرلمان الحادي عشر، الأكثر تدنيًا من حيث المشاركة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

وفي 19 فبراير، ومع اقتراب العام الفارسي الجديد، كان الإيرانيون يأملون في ربيع وعام جديد جيدًا، بعيدًا عن كل تلك الأحداث الدرامية التي مروا بها، لكنهم استقبلوا العام الجديد بفيروس غامض يحصد الأرواح، ليبدأوا فصلًا جديدًا من كابوس، يبدو إلى الآن أنه لن ينتهي قريبًا.

فقبل إجراء الانتخابات البرلمانية بيومين، أعلنت وزارة الصحة الإيرانية، أول حالتين وفاة من جراء الإصابة بفيروس كورونا في البلاد، وبالتحديد في مدينة قم الدينية، ومن هنا بدأت العاصفة.

عاصفة كورونا تُفجِّر أسوأ الاوقات الإيرانية

مع بدء انتشار فيروس كورونا المستجد في الصين، وانتشار الشائعات بين الإيرانيين، بأن الفيروس قد ظهر في بلادهم؛ توقع قادة إيران قبل التأكيد الرسمي لحالات الإصابة، أن فيروس كورونا الذي اجتاح الصين لا يمثل خطورة على إيران، بل تفاخروا بمساعدتهم للصينيين، وتصدير الكمامات لهم.

وفجأة تبدلت الأحوال، ووصل الفيروس إلى عدد من نواب البرلمان، والمسئولين الحكوميين، من بينهم نائب وزير الصحة إيرج حريرتشى، الذي طالما أصر على أن الأمور في إيران تحت السيطرة ولا داعي للقلق.

لكن التاريخ الطويل من عدم الثقة بين الشعب الإيراني وقادتهم، جعلهم يسرعون إلى الصيدليات لشراء الكمامات ومواد التطهير تحسبًا لما هو قادم.

ومنذ الإعلان الرسمي عن انتشار فيروس كورونا في إيران، وتحديدًا مدينة قم كمركز لتفشي الوباء في البلاد، وحتى يومنا هذا، هناك الكثير من المشاهد التي أثرت في محاولة طهران لاحتواء تفشي الفيروس، في السطور القادمة، نحاول استعراض بعض من تلك المشاهد.

– احتكار الكمامات والمطهرات.. الفساد الموجود يظهر ويستشري!

بمجرد الإعلان الرسمي عن وصول فيروس كورونا إلى إيران، تكدس الإيرانيون أمام الصيدليات، لشراء الكمامات والمطهرات.

«منذ أواخر شهر فبراير، وأنا أذهب يوميًّا إلى الصيدلية من الصباح الباكر، للحصول على الكمامات، وأدوات التطهير، وفي كثير من الأحيان، لا أجد أي شيء من هذه الأمور».

كانت هذه رحلة مهسا حيدري البالغ من العمر 45 عامًا، والمقيمة بالعاصمة الإيرانية طهران، كل يوم، من أجل توفير الكمامات لأسرتها. يشارك مهسا الكثير من الإيرانيين، ويلقون باللوم على إدارة روحاني التي صدرت الملايين من الكمامات الى الصين، دون الأخذ في الاعتبار ما قد يحدث لشعبها في الداخل.

Embed from Getty Images

لكن «حماقة» تصدير الكمامات إلى الصين، ليست بالخطأ الوحيد؛ فهناك الفساد المنتشر في كافة أنحاء البلاد، والذي أدى إلى قيام البعض باحتكار الكمامات والقفازات الطبية، وبيعها بأسعار باهظة.

فعندما تملَّك اليأس من مدير أحد المستشفيات في مدينة قم من توفير الكمامات والقفازات الطبية لأفراد الطاقم الطبي بالمستشفى، وعدم سماع وزارة الصحة استغاثته، لجأ إلى السوق السوداء.

يقول الطبيب الذي رفض الكشف عن هويته لأسباب أمنية، خلال حديثه مع «ساسة بوست»: «خاطبنا وزارة الصحة أكثر من 100 مرة، لتوفير الملابس الواقية والكمامات للأطباء، وبالرغم من وجودنا في قم التي تعد مركز تفشى الوباء، لم يستمع إلينا أحد، وكان الرد دائمًا، نعاني من نقص الإمدادات الطبية».

لجأ الطبيب إلى شراء تلك الإمدادات عن طريق الإنترنت، عبر موقع التسوق الإلكتروني الأشهر في إيران «ديجي كالا»، يقول الطبيب: «لم يكن أمامنا سوى هذا الحل، وإلا سنموت من العدوى، كلفتني الكمامة الواحدة ما يقرب من 300 دولار».

عندما انتشر صيت احتكار موقع «ديجي كالا» للإمدادات الطبية، هاجمت القوات الأمنية الإيرانية مستودعات الشركة الإلكترونية، وبث التلفزيون الرسمي تقريرًا، يتهم الشركة بتخزين 5 مليون كمامة.

لكن من أين أتت هذه الشركة بكل تلك الكمية الهائلة من الكمامات؟ وردًّا على هذا التساؤل يقول الصحافي الإيراني المقيم بطهران لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته، «الإجابة ببساطة هي الفساد، يمتلك الشركة عددًا من الأفراد، لديهم علاقات وثيقة بمسؤولين كبار».

يقول الصحافي الإيراني، إن «ديجي كالا» ليست الشركة الوحيدة التي احتكرت الكمامات، والمطهرات، فهناك العشرات مثلها، ويروجون لبضائعهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

– الكثير من البيروقراطية والخلاف أيضًا في استراتيجية الدولة لمكافحة كورونا

بعد تفشي فيروس كورونا المستجد في إيران، وبالتحديد في أوائل شهر مارس، أنشأت إدارة روحاني، «اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا»، والتي ترأسها لبعض الوقت وزير الصحة سعيد نمكي.

من المفترض أن تلك اللجنة، هي صاحبة اليد العليا، في جميع الأمور التي تخص تفشي الوباء، وقد أصدر «المجلس الأعلى للأمن القومي»، قرارًا يلزم جميع المؤسسات الحكومية باتباع أوامر هذه اللجنة، إلى جانب دعمها من قبل الزعيم الأعلى للبلاد آية الله علي خامنئي.

ووفقًا لمصدر قريب من الحكومة، تحدث إلى «ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته، حدث الكثير من الخلافات بين وزير الصحة سعيد نمكي، والرئيس حسن روحاني على بعض القرارات، والتي كان من أبرزها فرض الحجر الصحي على بعض المدن الإيرانية.

ليتحول الأمر، ويصبح روحاني هو رئيس «اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا»، ومن يملك الرأي الأخير، في إقرار أي استراتيجية لمواجهة الوباء.

ولتعقيد الأمور أكثر، أعلن البرلمان الإيراني، في 10 مارس، تشكيل «لجنة دعم لقرارات اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا»، في مؤشر واضح على وجود العديد من المشكلات الهيكلية التي تواجه الحكومة الإيرانية في أزمة فيروس كورونا.

يقول الكاتب الصحافي عباس عبدي لـ«ساسة بوست»: «ما زال المسئولون الإيرانيون يتمسكون بالبيروقراطية في مواجهة وباء لا ينتظر قراراتهم وخلافاتهم لحصد أرواح الناس، فبدلًا من ترك الأمر لأصحاب الخبرة من الكادر الطبي، قرر روحاني إدارة الأمور بشكل سيئ، وإنشاء لجنة تشرف على لجنة أخرى، وهلم جرا».

– تفشي الفساد الهيكلي داخل الحكومة

«لا ننتظر من الحكومة أي خطوة جادة لمساعدتنا في مكافحة الفيروس، نحن نعتمد على دعم الناس أكثر من المسئولين»

كان هذا تعليق أحد الأطباء في أحد مستشفيات العزل الصحي في مقاطعة جيلان، التي نالت نصيبها الكبير من الاصابة بفيروس كورونا. فالافتقار إلى الميزانية والائتمان، بجانب عذر العقوبات الأمريكية الحاضر في كل أزمة، إحدى الذرائع المستمرة للحكومة الإيرانية في التعامل مع تفشي فيروس كورونا.

في ميزانية العام الجديد 2020، أعلنت الحكومة أنها خصصت 5% من الموازنة، أي ما يعادل 20 مليون دولار، لهيئة إدارة الأزمات، لكن إلى الآن لا أحد من الحكومة يجيب عن سؤال، «هل تم توجيه تلك الأموال بالفعل لاحتواء أزمة تفشى فيروس كورونا؟».

يقول مهدي هاشمي الرئيس السابق للجنة البرلمان للشئون المدنية لـ«ساسة بوست»: «ميزانية المؤسسات الدينية والعسكرية، تبلغ عشرات أضعاف ميزانية هيئة إدارة الأزمات، ناهيك عن أن الميزانية الضئيلة المخصصة للكوارث تم إنفاقها في مجالات أخرى». لكن لم يفسر هاشمي، ما المجالات الأخرى التي أنفقت أموال إدارة الأزمات عليها.

ولإدراك مدى الفساد الهيكلي داخل الحكومة الإيرانية؛ فإنه عندما ضربت الفيضانات المميتة البلاد عام 2019، وغمرت العديد من القرى والمدن، أخذت في طريقها مخيمات ضحايا زلزال عام 2017، الذين تعهدت الحكومة بتعويضهم، وتسكينهم في مباني جديدة سيجري بناؤها من أموال هيئة إدارة الأزمات.

– مقاومة كورونا بالتبرعات الخيرية و«صدقات» الشعب

يجتمع عدد من الشباب الإيرانيين بشكل شبه يومي، في أحد المساجد، لتجميع الكمامات وأدوات التطهير وما شابه، وتعبئتها في أكياس لتوزيعها على الأسر الفقيرة، بينما ذهب البعض من ميسوري الحال، لشراء كميات كبيرة إلى حد ما من الإمدادات الطبية، وتوزيعها على الأطباء في المستشفيات.

 

في الوقت نفسه، دعا بعض المسئولين الحكوميين إلى توجيه صدقات الشعب إلى مكافحة فيروس كورونا، لمساعدة الدولة التي تعاني من وضع اقتصادي حرج (وهو الأمر الحقيقي بالفعل)، في احتواء تلك الأزمة.

نوح البالغ من العمر 32 عامًا، والذي يعمل في مجال الهندسة، واحد من أولئك الشباب الذين يجمعون الإمدادات الطبية ويوزعونها على الفقراء، يقول لـ«ساسة بوست»، «لا نثق في الحكومة، ولا نريد التبرع بأموالنا لها، سنقوم نحن بالأمر».

يرى علي أصفهاني، أستاذ علم الاجتماع، أن للحكومة الإيرانية تاريخ طويل من استغلال التبرعات الخيرية في غير موضعها، فيقول لـ«ساسة بوست»: «على مدى العقود الأربعة الماضية، استخدمت الدولة الإيرانية الجمعيات الخيرية في الدعاية للنظام، وحروبها بالخارج، وقامت بتوريط تلك الجمعيات في عمليات غسيل الأموال، ما جعل الناس يفقدون الثقة في التبرع بأموالهم، ويفضلون التكافل فيما بينهم بشكل مباشر».

– الإفراج عن السجناء.. كورونا ينهي معاناة بعض سجناء الرأي

لم يكن أحد داخل إيران وخارجها، يتخيل أن تتطور الأمور في الجمهورية الإسلامية، لتصل إلى حد الإفراج عن الآلاف من السجناء، وخاصة سجناء الرأى. خاصة بعد رفض النظام القضائي الإفراج عن السجناء السياسيين لفترة طويلة من الوقت.

في البداية أعلنت المؤسسة القضائية في إيران، عن الإفراج بشكل مؤقت عن السجناء الجنائيين، خوفًا من تفشي فيروس كورونا داخل السجون، ثم عادت لتعلن الإفراج عنهم بشكل نهائي. وفي أحدث التطورات، أعلن القضاء الإفراج عن السجناء السياسين الذين تم معاقبتهم بعقوبة تصل إلى خمس سنوات وما دونها فقط.

– مطالبات بفرض الحجر الصحي مقابل رفض روحاني

منذ أن أعلنت مدينة قم، مركزًا لتفشي فيروس كورونا في البلاد، تعالت الأصوات المطالبة بفرض الحجر الصحي على المدينة لمنع انتشار الفيروس، كما فعلت الصين في مدينة ووهان. لكن الحكومة الإيرانية رفضت بشتى الطرق فرض الحجر الصحي على أي مدينة إيرانية، دون إبداء أسباب هذا الرفض.

وبحسب مصدر مقرب من الحكومة، رفض الكشف عن هويته؛ لأنه غير مخول له الحديث إلى وسائل الإعلام، قال لـ«ساسة بوست»: «كان هناك خلاف كبير بين الرئيس روحاني ووزير الصحة على أمر فرض الحجر الصحي، فالاخير يرى ضرورة هذا الإجراء، بينما روحاني رفض الأمر تمامًا».

حسم روحاني الأمر في يوم 15 مارس، قبل أيام قليلة من عيد النوروز، قائلًا «لا مكان للحجر الصحي لا اليوم، ولا في العيد».

وفي مقطع مصورروحاني جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي باللغة الفارسية، يظهر أحمد لاشكي النائب البرلماني عن مدينة نوشهر، وهو يتحدث هاتفيًّا إلى محمود واعظي مدير مكتب الرئيس حسن روحاني.

في تلك المكالمة كان يحاول النائب البرلماني، إقناع واعظي، بضرورة فرض الحجر الصحي على المدينة قبيل عيد النوروز، خوفًا من انتقال الإيرانيين والسفر بين المدن في عطلة النوروز التي تمتد لأسبوعين. لكن لاشكي أنهى المكالمة بيأس شديد، بعد رفض واعظي الفكرة تمامًا.

تحدث لاشكي إلى «ساسة بوست»، قائلًا: «في ظل عدم وجود قيود على حركة انتقال الناس بين المدن، أو حظر للتجوال، فنحن أمام كارثة كبيرة لانتشار العدوى بين الإيرانيين، خاصة في أيام العيد». يكمل لاشكي حديثة «مدينة نوشهر تفتقر إلى المعدات الطبية والمستشفيات، وإذا انتشر الفيروس في المدينة، سنعاني من مئات الآلاف من المصابين».

وكانت الحكومة الإيرانية قد اكتفت، حتى الآن، بتعليق الدراسة في الجامعات والمدارس، وإغلاق المسارح ودور السينما فقط، دون فرض حظر التجوال أو تعليق العمل في الدوائر الحكومية، لتقليل خطر انتشار فيروس كورونا، بين العاملين.

وطالب العديد من نواب البرلمان بفرض الحجر الصحي على أغلب المقاطعات الإيرانية، خاصة في تلك الأيام، لكن في المقابل هناك من يرى أن الوضع في إيران مختلف، ولا يصلح تطبيق مثل تلك الإجراءات في البلاد.

يقول علي رضا زالي مدير «اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا» في طهران لـ«ساسة بوست»: «الحجر الصحي في إيران ليس عمليًّا، وضعنا مختلف عن باقى الدول، نحاول حث الناس على البقاء في منازلهم».

– احتفالات عيد النوروز تزيد أعداد المصابين

كان المنتقدون لقرار الحكومة، بعدم فرض الحجر الصحي، يخشون من زيادة تنقل الناس بين المدن خلال عطلة عيد النوروز، وزيادة أعداد الإصابات، وعلى ما يبدو أن تلك المخاوف قد تحققت.

حسين رنجي بور، عضو «لجنة الأمراض المعدية» بوزارة الصحة الإيرانية يقول لـ«ساسة بوست»، «الكثير من الناس لا يأخذون الوباء على محمل الجد، ولم يجدوا ما يجبرهم على المكوث في منازلهم، فشهدنا ارتفاع معدلات انتشار العدوى في الأيام الأولى لعطلة عيد النوروز».

بحسب الإحصاءات الرسمية والتي يشكك بها الكثيرون، أعلنت وزارة الصحة الإيرانية عن وصول حالات الإصابة إلى حوالي 38 ألف مصاب، وقدرت عدد الوفيات بـ2640 شخصًا. ووسط تزايد أعداد الإصابات، والخوف من الوصول، إلى موجة جديدة من ذروة انتشار الفيروس في الأيام المقبلة، لجأ بعض المسؤولين في عدد من المقاطعات إلى فرض العزل، دون الرجوع إلى الحكومة المركزية في طهران.

فعلى سبيل المثال، أعلن حاكم مقاطعة خوزستان عن إغلاق جميع الأعمال حتى إشعار آخر، والإبقاء على متاجر بيع السلع الغذائية والصيدليات فقط.

– نختلف عن الآخرين.. لهذا ترفض الحكومة فرض الحجر الصحي الكامل

في الأيام القليلة الماضية، زادت الأصوات المطالبة بفرض الحجر الصحي إجباريًّا على كافة المدن الإيرانية، يقول آميد حسيني البالغ من العمر 39 عامًا والمقيم في أصفهان لـ«ساسة بوست»، «الناس يريدون الحجر الصحي، نريد أن ننتهي من هذا الكابوس بأسرع وقت، لكن لا أحد يخبرنا بسبب رفض هذا الإجراء».

انتقد السياسي محسن هاشمي، رئيس مجلس بلدية طهران، رفض الحكومة لاتخاذ سياسات الحجر الصحي، وطالبها بضرورة شرح سبب الرفض للجمهور.

 

يرى النائب البرلماني عن مدينة أصفهان، حيدر عابدي، أن سبب رفض الحكومة لفرض الحجر الصحي، اقتصادي بحت، فيقول لـ«ساسة بوست»، «لا ينبغى مقارنة الوضع في إيران بالدول الأخرى، الحجر الصحي له تبعات اقتصادية، لا تستطيع الحكومة تحملها في هذا الوقت».

يوافق أستاذ الاقتصاد حسين مهرداد، السيد عابدي الرأي، فيقول لـ«ساسة بوست»، «إذا فرضت الحكومة الحجر الصحي، وعلقت العمل في كافة المؤسسات الحكومية والخاصة، فيجب أن توفر الاحتياجات الأساسية للناس، وتزيد من الإعانات المالية للأسر الفقيرة، وهذا الأمر يكاد يكون مستحيلًا، تحت وطأة العقوبات، وقلة الإنتاج».

– تقييد حركة التنقل بين المدن فقط

مع الزيادة الكبيرة في عدد الإصابات في الأيام الأخيرة، يبدو أن روحاني قد وافق تحت الضغط على فرض بعض الإجراءات التي من شأنها تقليل الانتشار السريع لعدوى فيروس كورونا. فقد صرح وزير الداخلية الإيراني عبد الرضا فاضلي، بأنه سيتم فرض «بعض» القيود على تنقلات المواطنين بين المدن، تنفيذًا لخطة الحكومة الجديدة بالسيطرة على مداخل المحافظات ومخارجها.

– الحكومة تعترف.. تأخرنا في الاعتراف بتفشي فيروس كورونا في البلاد

في بداية انتشار فيروس كورونا في إيران، وبعد أن ظلت وزارة الصحة لثلاثة أسابيع تنفي وجود إصابات بين المواطنين، ومع إعلان الحالات الأولى، دافعت الوزارة والحكومة عن موقفهما، وأكد المسئولون وعلى رأسهم الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، شيئًا واحدًا «الحكومة لم تتستر على أي شيء، وتعاملت بنزاهة وشفافية».

لكن في منتصف شهر مارس، اعترف نائب وزير الصحة رضا ملك زاده، في برنامج تلفزيوني، بأن المسئولين في الحكومة تأخروا في الاعتراف بوجود فيروس كورونا في إيران، وتجاهلوا طلبات وزارة الصحة بوقف الرحلات الجوية إلى الصين. وقد برر ملك زاده تأخر المسئولين في الإعلان الرسمي، بخلطهم بين فيروس كورونا وأعراض الإنفلونزا العادية.

لكن علي أكبر حق دوست، رئيس اللجنة الوطنية لعلم الأوبئة في إيران، له رأي آخر، فيقول لـ«ساسة بوست»،: «الفيروس منتشر في إيران منذ أوائل شهر فبراير، إن لم يكن في أواخر يناير، وقد خاطبنا وزارة الصحة أكثر من مرة، لكنها لم تهتم بالأمر».

تناولوا الكحوليات للوقاية من كورونا.. فماتوا

في 27 مارس، تناولت وسائل الإعلام المحلية في إيران، تقارير تفيد بوفاة 300 شخص، وإصابة ألفين آخرين، من جراء التسمم الكحولي، وسط شائعات كاذبة تفيد بأن الكحول يساعد في علاج فيروس كورونا.

ومن المعروف أن الخمور ممنوعة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن بعض الإيرانيين يلجأون إلى تصنيعها سرًّا، وكنوع من الغش الذي يلجأ إليه بعض الأشخاص المصنعين للخمور في إيران، يضيفون كحول الميثانول السام، بدلًا من الإيثانول المستخدم في صنع المشروبات الكحولية، مما يعرض الكثيرين لخطر التسمم الكحولي، والعمى، انتهاء بالوفاة.

استغل بعض الأشخاص الأخبار المتداولة عن شفاء مدرس بريطاني من فيروس كورونا باستخدام المشروبات الكحولية، وأخذوا يروجون الخمور مغشوشة وبيعها للإيرانيين للغرض نفسه.

– لا أحد يتعلم الدرس.. التاريخ يعيد نفسه

عندما بدأ فيروس كورونا في الانتشار في ووهان الصين، استعدت بعض الدول الأخرى، لكن موقف الحكومة الإيرانية كان غامضًا، ومرتبكًا للغاية.

وهذا يذكرنا بالرغم من اختلاف الظروف برد فعل الحكومة الإيرانية عندما اجتاح البلاد وباء الكوليرا في مطلع القرن العشرين، حينها تكاسلت ورفضت الحكومة إغلاق المعابر الحدودية أمام الحجاج الشيعة من العراق، الذين جاءوا بالوباء إلى إيران.

ومثلما فعلت حكومة روحاني اليوم، سبقتها الحكومة في ذلك الوقت، وظلت تنكر في البداية تفشي وباء الكوليرا في البلاد، حتى أصيب الآلاف من الإيرانيين. وخرج الشعب وقتها للتظاهر احتجاجًا على سياسات الحكومة المتخاذلة. لذلك يجب على الحكومة الحالية الاستفادة من دروس الماضي، واتباع نهج أكثر شفافية وجدوى لاحتواء جائحة كورونا، قبل تعريض البلاد بأكملها للانهيار.

عرض التعليقات
تحميل المزيد