عبد القادر بن مسعود
عبد القادر بن مسعود

928

«إذا ما استشهدنا دافعوا عن أرواحنا.. نحن خُلقنا من أجل أن نموت ولكن ستخلفنا أجيال لاستكمال المسيرة»  *ديدوش مراد

هكذا استشرف ديدوش مراد، قبل أن يقتل أثناء الثورة التحريرية الجزائرية، أجيالٌ ستأتي بعد الاستقلال لتكمل مسيرة الثورة التحريرية هكذا كان أمل المجاهدين الجزائريين حينها، ربما خاب ظنّ ديدوش مراد وظنّ مليون ونصف مليون من الشهداء كثيرًا حين تنازل مئات الآلاف من الجزائريين عن جنسياتهم الجزائرية، مقابل الحصول على الجنسية الفرنسية التي كان ديدوش مراد ورفاقه يقاومون من أجل طردها من الجزائر.

في تقرير حديثٍ ذكر الموقع الفرنسي المهتم بشؤون الجزائر «أوبسيرفر الجيرى»، إن إحصائيات رسمية فرنسية أحصت حصول 400 ألف جزائري على الجنسية الفرنسية في الفترة ما بين 1998 و 2016، أى خلال حوالى 18 سنة، لتتصدر الجزائر بذلك قائمة الدول المصدرة للمهاجرين نحو فرنسا.

وما بين 400 ألف جزائري تجندوا في الجيش الفرنسي ضد الثورة الجزائرية في الفترة بين 1954 و1962، وبين 400 ألف جزائري نالوا الجنسية الفرنسية في الفترة ما بين 1998 و2016 يدور جدلٌ كبيرٌ حول العلاقات الحقيقة بين الجزائر وفرنسا بعد 55 سنة من الاستقلال.

المجازر الفرنسية تولّد حقدًا كبيرًا لدى الجزائريين تجاه فرنسا

انتهجت السلطات الاستعمارية الفرنسية، إبان فترة احتلالها للجزائر من يوليو (تموز) 1830 حتى يوليو 1962 مخططًا كبيرًا لإبادة الجزائريين، إذ عمدت إلى استخدام كل الوسائل الممكنة من أجل إبادة الجزائريين، نتج عن ذلك مئات المجازر الجماعية التي ارتكبتها فرنسا ضد الجزائريين، فما بين مجازر الثامن من مايو (أيار) 1945، ومجازر 20 أغسطس (آب) 1955، ومجزرة نهر السين بباريس في أكتوبر (تشرين الأول) 1961، تعددت فصول المجازر التي لم يستطع حصرها، مجازر ذهب ضحيتها الآلاف من القتلى الجزائريين.

لم يشفع نيل الجزائر حريتها واستقلالها لفرنسا من أن ينسى الجزائريون تلك المجازر، فما بين إحياء سنوي لذكرى تلك المجازر، وبين الاستفزازات الفرنسية للجزائريين بين الفينة والأخرى والتي كانت آخر فصولها تقرير الخارجية الفرنسية تصنيف الجزائر بلدًا غير آمن، تتحرك ذاكرة الجزائريين نحو الماضي الأسود لفرنسا في الجزائر، وتتحرك معها مشاعر الكره لعدو الأمس، وفي ذات السياق يرى الأستاذ في جامعة تيارت صلاح الدين بن جرسي في حديث له مع«ساسة بوست» إن فرنسا ستبقى عدوة للجزائريين ولن تنسى الجرائم التي ارتكبتها في حق أجدادنا، وأقل شيء يقبله الجزائريون هو اعتذار رسمي عن تلك المجازر، فيما يرى الأستاذ في جامعة المسيلة محمد لمين بقيرة أن العلاقة بين الجزائر وفرنسا تحولت من علاقة عداوة في فترة الاستعمار إلى علاقة صداقة براغماتية بعده.

و في محاولة لتوثيق مجازر الاحتلال الفرنسي في الجزائر، أطلق الجزائريون حملات إعلامية على منصات التواصل الاجتماعي تحت هاشتاج «أنا_مانسيتش»، والتي تحمل معنى «أنا لم أنسَ»، هذه الحملة شكلت متنفسًا لكثير من الجزائريين في التعبير عن كرههم وإدانتهم لأعمال فرنسا الشنيعة من وجهة نظرهم في حقّ الجزائريين، وأكّد الإعلامي حمزة دباح صاحب المبادرة إن: «الفكرة جاءت لكي تتذكر الأجيال الجديدة ميراث العذابات التي تعرض لها الملايين من أجدادهم من أجل نيل الحرية».

جزائريون يغردون #أنا_مانسيتش في ذكرى أحداث #8_ماي_1945

Geplaatst door ‎برنامج هاشتاج‎ op maandag 8 mei 2017

اقرأ أيضًا: 5 قوانين تكشف وجه الاستعمار الفرنسي للجزائر

5.5 مليون جزائري على الأراضي الفرنسية

«ياكلني الحوت ولا يأكلني الدود» هذا هو شعار آلاف من الشباب الجزائريين الذين وجدوا كلّ العوائق في بلادهم الجزائر لتحقيق طموحاتهم في هذه الحياة، فعلى الرغم من كون الجزائر تعد أغنى دولة في المغرب العربي وثاني أغنى دولة أفريقية، بعد جنوب أفريقيا إلاّ أن ذلك لم يساهم في إقناع الجزائريين بالعدول عن قرار الهجرة، تكاد يوميًا تسمع في الجزائر عن خروج قوارب لمهاجرين غير شرعيين باتجاه العاصمة الفرنسية، ناهيك عن الآلاف الذين يتخذون من المطارات منطلقًا نحو الهجرة

تشير الإحصائيات إلى تواجد أكثر من 5.5 مليون جزائري على الأراضي الفرنسية، نصف مليون منهم مقيم في باريس، وعن سبب اختيار الجزائريين لباريس باعتبارها وجهة مفضلة يجيب الأستاذ بجامعة ابن خلدون عبد المجيد زياني عن سؤال «ساسة بوست» بالقول «هنالك عدة عوامل أجبرت الجزائريين على الهجرة إلى فرنسا، فالحرب الأهلية التي عرفتها البلاد كانت سببًا مباشرًا في لجوء آلاف الجزائريين إلى فرنسا، إضافةً إلى الواقع المعيشي الصعب الذي تعيشه الجزائر والذي حتم على الجزائريين الهجرة، وبسبب التسهيلات التي أقرتها باريس واستغل الجزائريون ذلك للهجرة نحوها، دون أن ننسى أن في باريس لن يعاني الجزائري من مشكل اللغة والثقافة».

اقرأ أيضًا: في ذكرى الاستقلال.. هل سيعترف ماكرون بجرائم بلاده في الجزائر؟

فرنسا تفتح باب الهجرة والتجنيس للجزائريين

في أغسطس (آب) من عام 2014 طرحت الحكومة فرانسوا هولاند مشروع قانون جديد للهجرة، الذي تهدف باريس من خلاله إلى «حسن استقبال المهاجرين الجزائريين ودمجهم في المجتمع الفرنسي». واقترح القانون الجديد وضع تراخيص إقامة تمكن المهاجرين الجزائريين من الاستفادة من حماية قانونية لمدة 3 أو 4 سنوات وتسهيل الإدماج، ووجد القانون صدى كبيرًا في الجزائر حيث ساهم في ارتفاع عدد المهاجرين الجزائريين إلى فرنسا، وباعتباره امتيازًا للجزائريين أدرج البرلمان الفرنسي، تعديلًا على مشروع قانون المساواة في المواطنة المعروض شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، ويهدف التعديل إلى منح الجنسية الفرنسية للجزائريين المولودين بفرنسا أو بالجزائر قبل تاريخ 1 يناير (كانون الثاني) 1963 من أب أو أم جزائرية، وذلك بتقديم تصريح بسيط للتعبير عن هذه الرغبة.

400 ألف جزائري حصلوا على الجنسية الفرنسية منذ سنة 1998

ذكر تقرير فرنسي أن حوالي 400 ألف جزائري حصلوا على الجنسية الفرنسية ما بين سنة 1998 و 2016، وتأتي هذه الإحصائيات الرسمية لتؤكد أن الكثير من الجزائريين، وخاصة من العقول الجزائرية ذات التعليم العالي، باتوا يفضلون الهجرة إلى فرنسا على البقاء في حضن الوطن، رغم تحسن الأوضاع الأمنية في الجزائر مقارنة مع العشرية السوداء، التي كانت خلالها الهجرة شبه إجبارية، بالنسبة للكثير من الجزائريين، لكن ما جاء في التقرير أنّ العدد الأكبر من الجزائريين هاجر خلال السنوات الـ18 الأخيرة، أي السنوات التي عاد فيها الأمن إلى الجزائر، وعرفت فيها الجزائر بحبوحة مالية غير مسبوقة.

اقرأ أيضًا: كيف تحولت الجزائر من بلد الموت إلى واحدة من أكثر 10 دول في العالم أمنًا؟

وتشير الأرقام إلى أن 28 ألف جزائري حصلوا على شهادة إقامة خلال سنة 2016 وحدها، ليحتل الجزائريون بذلك المركز الأول أمام المهاجرين الصينيين، من دون احتساب الجزائريين المقيمين فوق التراب الفرنسي بطريقة غير شرعية، لتبقى بذلك الجالية الجزائرية في فرنسا هي الأكبر.

وكشف القنصل العام الأسبق لفرنسا بالجزائر، ميشال دي جاغر، أن الجنسية تمنح لأكثر من ألفي جزائري سنويًّا، مشيرًا في ذات السياق، أن القنصلية الفرنسية في الجزائر تتلقى شهريًّا قرابة 1800 طلب للاستعلام حول كيفية الحصول على الجنسية الفرنسية.

Embed from Getty Images

في سنة 2016 صادق البرلمان الجزائري على قانون ضمن التعديل الدستوري على مادة تنص على عدم السماح لمزدوجي الجنسية أن يكونوا ضمن نطاق الحكم والنفوذ الإداري والسياسي، حيث أقرّ البرلمان مادة تحظر على مزدوجي الجنسية الترشح للرئاسة في الجزائر، هذا المنع جاء بعد الأرقام المهولة التي شهدتها بورصة الجنسية الفرنسية في الجزائر، وقال معدو المادة وقتها إنها تحصين للهوية والمصلحة الوطنيتَين «من الخيانات التي قد يقترفها مزدوجي الجنسية في حق المصالح العليا للبلاد»، في حال تولوا مناصب حساسة، أما الرافضون للمادة، فقالوا إنها تعسف في حق آلاف الكفاءات الجزائرية التي اضطرتها الظروف القاسية إلى الهجرة لدواع علمية أو مهنية أو سياسية أو أمنية، يقول محمد لمين بقيرة أن غالبية الجزائريين المجنسين فرنسيًّا دفعتهم عدة ظروف، منعتهم هنا في الجزائر من تحقيق أحلامهم، فصارت الجنسية الفرنسية منطلقًا لتحقيق تلك الاحلام، أمّا الاستاذ صلاح الدين بن جرسي فقال: «شخصيًّا لو تتاح لي فرصة الإقامة في فرنسا للعمل فلن أتردد في القبول» ومع زيادة أعداد الجزائريين الحاصلين على الجنسية الفرنسية لتقترب من أكثر من مليوني حامل للجنسية الفرنسية، ومع تضاعف الراغبين في الحصول عليها حيث أشارت الاحصائيات أن عشرة جزائرين يرغبون في الجنسية الفرنسية يوميًّا نتساءل هل صارت الجنسية الفرنسية حلمًا للجزائريين بعد مرور كل هذه السنوات من ثورة المليون شهيد؟

اقرأ أيضًا: فرنسا والجزائر.. بين ضريبة التاريخ وحتمية التّعاون