بعد حرب الأسعار التي استمرت لأسابيع، توصلت السعودية وروسيا أخيرًا يوم الخميس إلى اتفاق بشأن تخفيض إنتاج النفط؛ بهدف دعم الأسعار التي تراجعت لأدنى مستوياتها منذ عام 1991، نتيجة ضربة مزدوجة جراء تفشي فيروس كورونا المستجد، وتفكك التحالف بين منظمة أوبك، بقيادة المملكة، وموسكو، بعد خلافٍ على تعميق خفض الإنتاج حتى نهاية عام 2020.

وافق السعوديون على خفض 4 ملايين برميل يوميًا من مستويات إنتاجها في شهر أبريل (نيسان) الجاري، ووافقت روسيا على خفض مليونَي برميل يوميًا، في إطار اتفاق مجموعة «أوبك +» على خفض 10 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يعادل 10% من مستويات الإنتاج العادية، خلال شهرَي مايو (أيار) ويونيو (حزيران) المقبلين. 

إلى جانب ذلك، ستقلص الدول المنتجة الأخرى نحو 5 ملايين برميل يوميًا، ويتوقع كيريل دميترييف، رئيس صندوق الثروة السيادي الروسي وأحد كبار مفاوضي النفط الروس انضمام منتجين آخرين خارج نادي «أوبك +» إلى الاتفاق، خلال اجتماع مجموعة الدول العشرين الكبرى، فيما أعلن وزير النفط الإيراني بيجن زنجنه، أن إيران وفنزويلا وليبيا ستعفى من تخفيضات الإنتاج المقبلة. 

ستتقلص التخفيضات بين يوليو (تموز) وديسمبر (كانون الأول) إلى 8 ملايين برميل يوميًا، ثم يجري تخفيفها مجددا إلى 6 ملايين برميل يوميا بين يناير (كانون الثاني) 2021 وأبريل 2022، بحسب بيان مجموعة «أوبك +» التي من المقرر أن تعقد مؤتمرًا آخر عن بُعد في العاشر من يونيو لتقييم السوق. 

لكن بعد حوالي تسع ساعات على انطلاق المحادثات عبر الفيديو، انسحبت المكسيك من المفاوضات الجارية بين أوبك والدول غير الأعضاء، رافضةً مطالبهم بخفض إنتاجها بواقع 400 ألف برميل يوميًّا من مستوى إنتاج أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وإن كانت مستعدة لخفض إنتاجها بما لا يزيد عن 100 ألف برميل في اليوم.

وانسحاب المكسيك يلقي بظلال من الشك على الجهود العالمية الرامية لانتشال سوق النفط من الركود، ويضع الاتفاق الذي توصلت إليه السعودية وروسيا في مأزق، وفق ما خلُصَ إليه تقرير نشرته وكالة بلومبرج، وإن استمرت المفاوضات بعد الانسحاب المفاجئ، على أمل أن تنجح دول «أوبك +» في إقناع المكسيك بالعودة إلى الاتفاق، حسبما نقلته وكالة سبوتنيك الروسية عن مصدر مشارك في المفاوضات.

ويتركز الاهتمام اليوم الجمعة على اجتماع وزراء الطاقة لمجموعة العشرين؛ ذلك أن مساهمة المنتجين الرئيسيين الآخرين- بما في ذلك أمريكا وكندا- في التخفيضات الجديدة بما يصل إلى 5 ملايين برميل في اليوم، يمكن أن تعزز الجهود الرامية إلى تعزيز الأسعار بعد فشل «اتفاق أوبك +» الأوليّ في دفع الخام إلى الارتفاع يوم الخميس.

أي دور لعبته الولايات المتحدة في الاتفاق؟

عندما انهارت أسعار النفط في أوائل شهر مارس (آذار)، سلط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأضواء على الجانب المشرق: «هذا جيد بالنسبة للمستهلكين، إذ أنه يؤدي إلى خفض أسعار البنزين»، وأضاف أن انخفاض أسعار البنزين يرقى إلى مستوى «أكبر تخفيض ضريبي قدمناه على الإطلاق». 

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
على هامش «كورونا».. ماذا تعرف عن «حرب النفط» المشتعلة الآن؟

لكن هذا التفاؤل لم يكن كافيًا لتبديد قلق ساكن البيت الأبيض من التهديد الذي يواجهه منتجو الطاقة الأمريكيين نتيجة تدني أسعار النفط، أو طمأنة المشرعين الأمريكيين الذين يخشون من فقدان آلاف الوظائف في مناطق استخراج النفط الصخري، ناهيك عن إشاعة الفوضى في جنبات وول ستريت.

 لذلك مارست الإدارة الأمريكية طيلة الأسابيع الماضية ضغوطًا على السعودية وروسيا لتسوية نزاعهما الذي أدى إلى تخمة الأسواق بالنفط، وزعزع الاقتصاد العالمي الذي يعاني من صدمة بالفعل بسبب الجائحة المفاجئة. 

ولوَّح ترامب بفرض عقوبات ورسوم جمركية إذا لم يحدث تخفيض يكفي لمساعدة صناعة النفط الأمريكية، وإن لم يكن هذا التهديد كافيًا لإنهاء أزمة النفط، حسبما قال مات إيجان في تقرير نشرته سي إن إن بزنس، وفي اليوم السابق لاجتماع «أوبك +»، وجه حوالي 50 نائبًا جمهوريًا في مجلس النواب رسالة إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مطالبين إياه باتخاذ خطوات فورية لخفض إنتاج النفط الخام، وجلب الاستقرار إلى أسواق النفط العالمية، أو المخاطرة بإفساد العلاقات مع الولايات المتحدة. 

وقبيل «اجتماع أوبك +»، قال ترامب على تويتر إنه تواصل هاتفيًا مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي أخبره بأنه كان على اتصال مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأضاف ترامب: «أتوقع وآمل أن يخفضوا ما يقرب من 10 ملايين برميل، وربما أكثر من ذلك بكثير، وهذا إذا حدث سيكون رائعًا لصناعة النفط والغاز»، وفي تغريدة لاحقة، قال ترامب: إن خفض الإنتاج قد يكون أكبر بمقدار خمسة ملايين برميل يوميًا. وعلى الفور، تفاعل مديرو شركات النفط الأمريكية بإيجابية مع تغريدات ترامب، وقال سكوت شيفلد، الرئيس التنفيذي لشركة بايونير ناتشورال ريسورسز الأمريكية لإنتاج النفط الصخري في تكساس: «أنا متفاجئ تمامًا، ويسعدني أن الرئيس تولى زمام المسؤولية». 

بيدَ أن الكرملين أبى أن يكون هذا هو المشهد الختامي لحرب أسعار النفط، لذلك سارع إلى التقليل من شأن تغريدات ترامب، وصرح ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم السيد بوتين، لوكالة أنباء إنترفاكس بأن الرئيس الروسي لم يتحدث مع ولي العهد السعودي، بل ألمحت وكالة تاس الروسية للأنباء إلى أن ترامب تعمَّد نقل معلومة خاطئة بشأن المكالمة الهاتفية المزعومة.

لكن ذلك لم يمنع الولايات المتحدة من المسارعة إلى الترحيب بالاتفاق، وقال مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية يوم الخميس: «هذه التعهدات ستبعث بإشارة مهمة بأن جميع الدول الرئيسية المنتجة للنفط ستتجاوب بشكل منظم مع حقائق السوق الناجمة عن جائحة فيروس كورونا». 

وهذه لم تكن أول حرب تشهدها أسواق النفط، ففي عام 2014 ، رفضت السعودية دعوات الأعضاء الأصغر في منظمة أوبك لخفض إنتاج النفط، ما أدى إلى انخفاض الأسعار التي كانت بالفعل في حالة تراجع حر، حتى وصل سعر البرميل في نهاية المطاف إلى حوالي 30 دولارًا أمريكيًا في فبراير (شباط) 2016. وكما هو الحال الآن، انخفض عدد منصات الحفر في الولايات المتحدة، لكن لم يحدث تخفيض في الإنتاج لعدة شهور، كما يلفت كيري كريج، خبير الأسواق العالمية في «JPMorgan Asset Management».

خفض الإنتاج VS تراجع الطلب.. هل اتفاق «أوبك +» كافٍ لإنهاء الأزمة؟

صحيح أن هذا الاتفاق سيساعد في تهدئة الفزع الذي يغزو أسواق النفط العالمية، إلا أن هناك تحديات كبيرة لا تزال قائمة في أنحاء سلسلة التوريد، كما يقول مايك سومرز ، رئيس معهد البترول الأمريكي.

ورغم الضجة التي أحاطت باجتماع «أوبك +»، أعرب المستثمرون عن خيبة أملهم بسبب تواضع التخفيضات التي اتفقت عليها روسيا والسعودية، والتي لا تزال أقل بكثير من انخفاض الطلب المتوقع؛ إذ يعادل التخفيض الرئيسي المتفق عليه 10٪ تقريبًا من العرض العالمي، لكنه لا يشكل سوى جزء صغير من تراجع الطلب، الذي يقدره بعض المتداولين بما يصل إلى 30 مليون برميل يوميًا، ما يعادل 30٪ من الإمدادات العالمية.

وعلى وقع انخفاض خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 6٪ إلى 23.39 دولارًا للبرميل، وانخفض خام برنت القياسي الدولي 2.7٪ إلى 31.95 دولار للبرميل، أوضح محللون في شركة ريستاد إنرجي الاستشارية لصحيفة «نيويورك تايمز» أن التخفيضات «لا تزال غير كافية»؛ بالنظر إلى توقع زيادة المعروض بأكثر من 20 مليون برميل يوميًّا في الربع الثاني.

يضاف إلى دوافع هذا التشاؤم، استبعاد أن تخفف تخفيضات الإنتاج من وطأة الحقيقة الثقيلة المتمثلة في أن تباطؤ الاقتصادات العالمية، وعمليات الإغلاق المرتبطة بفيروس كورونا، قللت الطلب على النفط، حتى بات السوق في مواجهة خطر «انهيار تام للأسعار ووقف الإنتاج»، كما يقول المسؤول في شركة راشتاد إينرجي، بيورنار تونهاوجن، وخرج الأمين العام لمنظمة أوبك، محمد باركيندو، ليعترف بأن وفرة النفط في الأسواق العالمية وضعت منظمته في موقف ضعيف.

حتى منظمة أوبك نفسها لم تكن أكثر تفاؤلًا في وثيقة داخلية وزعت على الوزراء، قالت فيها: «بالنسبة لأسواق النفط، فإن الانكماش الهائل في الطلب على النفط غير مسبوق… تبدو التوقعات الحالية قاتمة للغاية، إذ يتوقع أن تخضع أسواق النفط لاختبارات صعبة على عدة جبهات». وإذا لم تنجح التخفيضات المتفق عليها في عكس هذا المسار، فقد ينخفض النفط إلى ما دون 20 دولارًا للبرميل، كما يشير تقرير بزنس إنسايدر. 

لا أحد ينجو من الألم في لعبة عض الأصابع

اعتادت السعودية وروسيا محاربة أعدائهما عبر الوكلاء، لكنهما وجدها نفسيهما وجهًا لوجه في حربٍ أسعار تصاعدت وتيرتها بسرعة خلال الشهر الماضي، وتوقعت أسبوعية «ذي إيكونوميست» البريطانية ألا يخرج أحد منها فائزًا؛ ففي لعبة عض الأصابع لا أحد ينجو من الضرر تمامًا، وإن تفاوتت قدرة المتصارعين على تحمُّل الألم لفترة أطول. 

دولي

منذ 10 شهور
هل سيصبح ارتفاع درجة الحرارة على الأرض بوابة روسيا للسيطرة على العالم؟

ورغم أن حرب أسعار النفط، التي بدأت في مارس بعد انهيار محادثات «أوبك +» بشأن زيادة خفض الإنتاج، لم تستمر سوى 31 يومًا بالضبط، وهي فترة أقل بكثير من الخلافات المماثلة التي وقعت في أعوام 1986 و1998 و2016، لكن تلك الفترة القصيرة كانت كافية لإجبار بعض الشركات الكبرى على خفض إنفاقها وتسريح عمالها وإلغاء مشاريعها، في حين لجأت دول غنية بالنفط إلى طلب مساعدات من صندوق النقد والبنك الدوليين لتجاوز الأزمة. 

حتى السعودية باتت تواجه صعوبة في تسويق الخام الإضافي رغم رخص ثمنه؛ بسبب فيروس كورونا وارتفاع أسعار الشحن، وتناثرت أنباء حول سعي شركات النفط العالمية لخفض مخصصات شهر أبريل من الخام السعودي بنسبة 25٪، وأخذت شركة «رويال داتش شل» ومصافي التكرير الأمريكية كميات أقل من الخام السعودي، ولم تأخذ شركة نستي الفنلندية أي كميات في شهر أبريل، وسعت مصافي التكرير الهندية إلى تأخير تسليم حصتها، وخفضت مصافي التكرير البولندية أيضا عمليات الشراء.

في الوقت ذاته، كان المنتجون في الولايات المتحدة أيضًا يواجهون صعوبة في بيع نفطهم وتخزينه، حتى أن صهاريج التخزين في مدينة كوشينج بولاية أوكلاهوما، أهم موقع من نوعه في الولايات المتحدة، تمتلئ بسرعات قياسية، كما أكد محللون من شركة «وود ماكنزي» لأبحاث السوق، خلال ندوة عقدت عبر الإنترنت يوم الخميس. 

مُجبَرٌ أم بطل.. رابح أم خاسر؟

صحيحٌ أن الاتفاق الأخير يسمح للسعودية وروسيا بكسب بعض النقاط، لكن عاجلًا أم آجلًا «كان عليهما أن يُخَفِّضا إنتاجهما على أي حال»،كما تقول كبيرة محللي النفط في شركة إنرجي أسبكتس المحدودة، أمريتا سين. 

وحين قدمت الرياض تخفيضات كبيرة على نفطها، وتعهدت بزيادة الإنتاج إلى 10 ملايين برميل في اليوم، لم تكن في غنًى عن المال، وهي الغارقة في بحرٍ من التحديات الداخلية والخارجية، لكنها كانت تحاول تخويف الروس وإرغامهم على العودة إلى طاولة المفاوضات.

بيد أن بوتين تعلم درسًا من حروب ترامب التجارية، مفاده: كن على استعداد لتحمل الضرر قصير المدى، إذا كنت تعتقد أن خصومك سيضطرون إلى التنازل في نهاية المطاف، حسبما كتب نيكولاس غفوسديف في مجلة «ذا ناشيونال إنتريست». 

وقبل 10 أيام، كتب المحلل دونالد جاسبر في جريدة جنوب الصين الصباحية: «مع اقتراب صناعة النفط من الانهيار، قد لا يكون أمام السعودية أي خيار سوى أن تعلن الاستسلام أولًا في حرب الأسعار مع روسيا»، وأضاف: «بالنظر إلى ضعف الطلب الذي فاقمه فيروس كورونا، ومع وجود روسيا في وضع مالي أفضل لتحمل حرب الأسعار ، فإن السعودية المثقلة بالأعباء لا يمكنها ببساطة أن تستمر في البيع بهذه الأسعار المنخفضة لفترة أطول بكثير».

بل افترض الصحفي المتخصص في الشؤون المالية، سيمون واتكينز، في مقال نشره موقع «أويل برايس»، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سقط من على ظهر حصانه، الذي يمتطيه عاري الصدر في سيبيريا؛ من فرط الضحك حين سمع تهديد ولي العهد السعودي بشن حرب أسعار نفطية، لأنه يدرك أن السعودية أول من يعلم أنها لا تستطيع تحمل مغباتها، بل ذهب واتكينز في مقال آخر إلى القول بأن حرب الأسعار قد تؤدي إلى إفلاس المملكة. 

بيدَ أن ستيفن كوك كان له رأي آخر في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي، إذ خلُصَ إلى «خسارة روسيا» ليس فقط في حرب النفط، ولكن أيضًا في الشرق الأوسط، بعدما أنفقت سنوات في بناء نفوذها هناك، ثم أظهرت تجربة الأسابيع الماضية أنها بالغت في تقدير مدى سيطرتها على سير الأمور في المنطقة. مضيفًا: ستكون إحدى النتائج المحتملة لهذه الجولة هي إنهاء فكرة أن موسكو ستلعب دورًا مهمًا في إنشاء نظام إقليمي جديد.

ومثلما توقعت الإيكونوميست قبل شهرٍ بألا يخرج أحد من هذه الحرب فائزًا، خرج ستيفن كوك قبل ساعاتٍ ليعلن أنه «من الصعب العثور على أي فائزين»، وسواء ذهبت السعودية إلى الاتفاق مُجبرة، كما توقع جاسبر، أو خرجت روسيا من حرب الأسعار خاسرة، حسبما ذهب كوك، الذي اعترف بأن الولايات المتحدة كانت هي الضحية الأكبر لهذه الحرب، لم يجد الزعماء الثلاثة في النهاية سوى الاتفاق عبر مكالمةٍ هاتفية يوم الجمعة على ضرورة تحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية.

 وهذه المرة لا مجال لأن تنفي موسكو انخراطها في هذا النقاش، ببساطة لأن الإعلان عن المكالمة الأخيرة صدر عن الكرملين نفسه، بينما ينتظر الثلاثة مع بقية العالم ما سيتمخض عنه اجتماع وزراء الطاقة في مجموعة العشرين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد